روائي وقاص من غزة ....
بيتنا في المخيم تحت القمر, والقمر تفاحة محروقة معلّقة , خيط رفيع يربطنا به ,
نهتزّ نهتزّ, القمر جميل , لكن لو انقطع بنا الخيط سنهوى في الفراغ السحيق.
جاورتني على الفراش , مشدودة معي إلى القمر , أراها يغادرها الشحوب , تغدو وردية ,
تفاحة يغزوها الاحتراق , أراها بنتا للقمر , عروسا جاءتني من عالم الفضاء , محرابا
يغريني أن أعبره.
مشحون أنا في تلك الليلة , تتقدمني روحي نحو المحراب , اقترب , أرى القمر يبتهج ,
يربطه وتر رفيع يجذبنا , وأنا رحى تدور, الدوران فن ياقمر , يوحدني مع المحراب
يجعلنا نصول ونجول , فارس أنا يحرث بحصانه الصحراء , عازف يعامل آلته مثل ساحر ,
وخيط القمر يزداد توترا , يصبح وترا يشدو , نعزف عليه دوراننا , دوراننا نشيد ,
نشيد يا قمر.
الليلة غافلناهم ودرنا , كأننا لسنا هنا , كأن المخيم بستان , وهم؟ , زالوا أوماتوا
, نحن في بستان , ويكفى , ندور مع القمر , أنا والمحراب ندور , نذوب ونمتزج , ننصهر
ونختلط , نصدح بلحن البستان , أنا العابر صحن المحراب , فيه أذوب , أنا الصادح
بنشيد البستان المفقود.
في لحظة انشد الخيط بعنف , وصرنا كمن يهوى , داست أقدام على السماء , والأرض
والجدران , والهواء , والماء , واليابسة , والسائلة , أقدام انتشرت فوق رأسي وصدري
وقدميّ , قبضت على نشيدي وصوتي ولهاثي وأنفاسي , عضّت على شهيقي وزفيري ونبضي وضغط
دمى .
الدنيا صارت أقدام .
أقدام تدق باب البيت بجنون , كانت تهوى على الخيط المشدود ,أقدام تهرس تحتها
القرميد وفى معدتي تجوس .
صرت مشدودا من عنق رأسي , معلّقا , عاريا كنت كما علمني الله .
حملقوا عجبين في عريي , فأنا كنت أفعل ما يفعله الرجال .. أنا اكتشاف .
ضبطونا في أوج اللّحن , قبل أن يكتمل اللحن , ويصل ذروته , آه , لم يصل اللحن
لذروته .
ساقوني , وتركوا محرابي يبكى داخل اللحاف الملفوف , صفدوا قبضتيّ , وعقلي , وقلبي ,
ورئتيّ , دفعوني إلى العربة , وقبل أن يقفلو نصفىّ العلويّ بكيس الخيش سرقت نظرة
إلى السماء , كان القمر يهوي مذبوحا , والخيط خلفه يجري.
**********************
أول الصفحة
© Arab World
Books