Home
ركن الأدب

لن أتأخر  


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
رأى وكتاب
سجل الزوار

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

فى أجهزة الإعلام
بحث

 


قصة بقلم: عبير فتحي بني نمرة - فلسطين


ذات صباح و الشمس تبث خيوطها الذهبية ،امتلأ انفه بذرات الغبار ،بعد أن تيبست أنامله فوق مقود سيارته،وكانت كلمات أمه لا تفارق ذاكرته:
ـ خذ بالك من اليهود ولا تتأخر.
وصل مرهف بسيارته المهترئة إلى معبر رفح،حتى ينقل الناس من رفح الفلسطينية إلى رفح المصرية،وفجأة صهلت الشاحنة للحظات قبل أن تبرد محركاتها،
ـ اسمك؟بطاقتك؟
الاسطوانة نفسها ولا تتغير يرددها جنود الاحتلال كل دقيقة...
نعم اذهب،قالها الجندي بلكنة غير واضحة بعد أن اخرج ورقة تزخر بالأسماء .
وفي طريق العودة إلى المنزل،ولهيب الشمس يحرق وجنتيه،كانت صور خطيبته دعاء ماثلة في ذهنه...
دق جرس هاتفه الخلوي،
أين أنت يا عزيزي؟
من دعاء؟أنا في طريق العودة إلى المنزل ولن اتاخر.
نعم فالكل ينتظرك لتناول طعام الغداء فلا تتأخر علينا.
بجسده المرهق، ووجنتيه الحمراوين، والعرق يتصبب من جبهته،وصل مرهف إلى الحاجز ،انه مشهد عظيم! عشرات الفلسطينيين ينتظرون سأجتاز هذا الحاجز بعد ساعة ونصف الساعة من الآن، قالها بصوت رتيب.
بعد أن مضت ساعتان من الوقت، جاء دوره ليجتاز الحاجز،
ـ قف هنا، البطاقة...
ـ ها هي،
بعد أن حدق للحظات في الورقة البيضاء،بدأ بالصراخ اذهب هناك .
ذهب مرهف وخيوط الخوف تتسلل من مقلتيه ،قالها بنبرة ما بين الذعر والشجون :إلى أين تأخذونني؟
دخل في سيارة جيب إسرائيلية بعد أن أقفلت عيناه ..
يكاد رأسي ينشق من شدة هدير المحركات ، وفجأة توقفت المحركات ،بعد أن سار مسافة قصيرة على قدميه ،شاحباً هامد العينين مقصوص اللسان ،قضبان تشك الأبواب ،وجدران تشعل الحواس ،وفئران تنتقل بين الشبان .
صورة سريعة دارت في رأس مرهف ،والأفكار تتقلب في دماغه ،أمه ، دعاء ، السجن ، السجان والشبان ....
ومضت أيام سوداء على أم مرهف، كانت تقف منذ الفجر إلى جواره، وكانت الشاحنة ترقد في استرخاء .
خذ بالك من اليهود ولا تتأخر.
 يمتزج القلق في عينيها باللهفة والحسرة،وهي ترفع يديها في رجاء إلى السماء ،لأنها لم تعد تحتمل تلك الغيبة ،وقسوة العيش ، وكماشة الحياة . وبعد أن دارت خمس سنوات وتقلبت الأيام ،سمع مرهف بخبر أفرحه ،فأحزنه ، فأبكاه ،قد يكون من بين مئتي سجين سيفرج عنهم بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة . رجا مرهف من الله أن يفك قيده، ويخرج من بين هذه الجدران، بعد آن أحصى حجارتها حجرا حجرا، ومرّت عليه أيام كالعلقم أو أشد.
فالأفكار الوردية، والنصائح الأبوية ،والذكريات الطفولية ، والأحلام المستقبلية ،تتقلب في رأسه لحظة بعد لحظة ، فلم تعد أحلامه الطفولية بشراء الكتب المدرسية ،والملابس الجديدة في العيد ،واللعب مع الأصدقاء ،وضرب الحجارة على الأعداء ، لها وجود في ذاكرته ،أصبحت أحلامه كالآخرين ،لكنها كانت أكثر تواضعا وأقل طفولية ، فالمستقبل الذهبي الذي طالما حلم به انكمش بعد اقتطاع خمس سنوات من عمره ،ولكن مع كل هذا لم تقتل العزيمة في نفسه ،والتحدي في دمه ،فلم تهرس هذه الأحلام ،وستتحقق بإذن الله بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة ،نعم لن أستسلم للأوضاع القصرية ،فكلمات والدي لازلت أسمع صداها عندما قال يا بني :لا تقلق فالثورة وقودها الشرفاء ،ويقودها الحكماء ، ويجني ثمارها الجبناء ،فأنت يا بني إحدى هؤلاء الشرفاء ،فاصبر فان بعد السلوان فرج.
وأخيرا صدرت قائمة بأسماء السجناء الذين سيخرجون من السجن بعد الانسحاب من غزة ،دعانا قائد السجن ليعلن عن الأسماء، شعرت أن قلبي سيقفز إلى الأرض ،وجسدي يرتجف ،ماذا لو لم يكن اسمي من بين هؤلاء السجناء ؟ ماذا سأفعل ؟ رباه ساعدني ،لأني بريء ولم أذنب بشيء فتم اتهامي زورا وبهتانا باني انقل أسلحة من مصر إلى فلسطين . بعد صمت دام برهة من الزمن ،والنظرات الحادة الممزوجة بالألم والأمل ،تتضارب بين الحاضرين .بدأ قائد السجن بإعلان أسماء المساجين الذين سيفرج عنهم ،على مرأى ومسمع من الحضور ،لم أستطع التركيز على الأسماء، أنتظر كلمة واحدة تحدد مصيري ،سأبدأ أو أكمل حتى النهاية .
مرهفا نعم انه اسمي ! خر ّ مرهف ساجدا إلى الأرض ، رافعا يديه إلى السماء ، ويقول بصوت مخفي "الحمد لله الحمد لله "
نعم سأخرج من هذا السجن اللئيم سأنطلق كالعصفور الشريد ،بعد أن اقتطع خمس سنوات من عمري ،سأفارق الحجارة التي بكت ولا زالت ،على هموم السجناء .
وضب مرهف حقيبته ،وارتدى ملابسه وخرج ،آه وألف آه من التأخير والغياب وليالي السجون الطوال ،بدأت الحياة تتثاءب من حوله ، وعادت الأفكار تدق رأسه ،رغم مرور خمسة أعوام على تلك الليلة فان دقائقها لا تزال مصلوبة في ذاكرته ،فتح باب السيارة التي نقلته من السجن ،فإذا برجل نحيل ،شاحب الوجه ،أسود الشعر يخرج منها ،سار على قدميه مدة لا بأس بها،وخيوط الشمس الذهبية تدغدغ أعماق مشاعره الطريق كما هي ،كأني لم اغب عنها طويلا .
فجأة تكابلت عليه أصابع أمه وأبيه ، ودعاء لمست أصابعه المتيبسة قبل الأوان ...قالها وزخات من الدموع تغطي وجنتيه ،رغم البرودة والوحشة والأحشاء المقتولة :
ـ ها قد عدت ،ولن أتأخر بعد اليوم .


 

**********************

أول الصفحة


 © Arab World Books