النقطـــــــة  


قصة قصيرة بقلم سعيد سالم


وهو يقدم لى فنجان القهوة اليومى فى نفس الموعد من صباح كل يوم ، قال لى النادل الماكر :
- لقد نسيت ولاعتك بالأمس ، وكذلك لم تأخذ بقية حسابك
لم أهتم كثيرا بما قال حسن،لأننى فى أيام أخرى أنسى علبة السجائر أو النظارة أو سلسلة المفاتيح لأجده محتفظا بها فى اليوم التالى.كما أننى عادة ما أنسى أين ركنت عربتى وأظل دائخا أبحث عنها فى الشرق والغرب. لكنى تجرأت على حسم ترددى فيما دار بذهنى فقلت له وأنا أشك تماما فى صحة ما أقول:
- النسيان نعمة يابو على..هات الولاعة
انصرفت عنه متناسيا وجوده الذى لايشكل بالنسبة لى أهمية تذكر- وهذا كبر لاأغفره لنفسى –ثم لم ألبث أن تناسيت وجودى أنا الآخر ولكن عن غير عمد، ذلك أنه حمل ثقيل موجع مقلق مشحون بالعذاب والتعذيب،غالبا مادفعتنى الفطرة فى سنواتى الأخيرة الى التخلص منه كلما أمكننى ذلك.ولكنى ما أن أفعل حتى أجد نفسى غائصا فى غياهب الماضى البعيد والبعيد جدا،فأتذكر أشياء غريبة وعجيبة تجذرت فى أرضى.صحيح أنها حدثت لى وأنها ذات صلة حقيقية بوجودى،ولكنى أنظر اليها كما لو كانت قد حدثت لشخص آخر لايمت لى بأدنى صلة..أشياء قد تبدو غير متصلة ببعضها،لكنها تشكل فى ظنى عالما طينيا متكاملا..وقال لى الصول مرسى وهو فى غاية من الدهشة:
- يا أخى أسهل حاجه عند عزيزة خلع هدومها
من هو الصول مرسى؟..اسمه يبعث فى ذاكرتى ترعة وعشة ريفية مهجورة وعربة فارهة وامرأة صارخة الجمال،وطقس شديد البرودة وأمطار ورعود وعواصف، ومظاهرات تطالب بالحرية والديموقراطية وعصى غليظة وكلاب مسعورة وقنابل مسيلة للدموع..وأبذل جهدا فائقا لأتذكر من هى عزيزه،فأنا واثق أننى أعرفها تماما كما أعرف الدنيا- فالاثنتان فى صفاء الحليب ونعومة الأفعى وتقلب الدهر،ولدغتهما لا تؤدى الا الى القبر- ولكنها لا تجىء أبدا.أنا واثق أيضا أننى قلت لمرسى فى ذات الليلة:
- ابعد عن السلطة وغنى لها
ثم لم ألبث أن أضفت متراجعا:
- لا..حتى الغناء خسارة فيها
ولكن ما علاقتى بالسلطة وأنا أعيش على معاشى ولايقف على بيتى حارس من طرف لاظوغلى وليس لدى كرش كبير أو رصيد فى بنك أجنبى؟..ولطالما كنت أفضل الجلوس على الرصيف عن الجلوس على المقعد،والنوم على الأرض عن النوم على السرير،والرقص عاريا فى خلوتى على أنغام الموسيقا عن الرقص كاسيا مع امرأة فى ملهى ليلى،والفرق بين الحليلة والخليلة نقطة،وسبحان من حلل الحلال وحرم الحرام..ذاكرتى لم يسرقها الزمن وإنما سرقها الكلاب فحولونى الى نقطة بعد أن كنت مساحة.
قيل لى فى مجلس غيبوبة هابط ان أحد زملاء الدراسة قد حصل على الدكتوراه فى مساحة النقطة،وأنا لم أعد أستبعد حدوث أى شىء فى هذا الكون المختل بفعل فاعل،رغم أنه خلق منضبطا متوازنا منتظما..فى النقطة ضربونى وعذبونى، والنقطة عندنا تعنى قسم الشرطة.عجبت لأن هذه النقطة كائنة فى مدينتى التى هى كائنة فى بلدى،ولذلك كنت أضحك من شدة الضرب وكان هذا يثير جنونهم ويضاعف من قسوتهم ..وكانت زوجة رئيسى نقطة سوداء فى حياتى الرمادية بلون التراب. ما كان أسهل من إجابتها الى مطلبها دون أن تدفع فيه ذلك الثمن الباهظ الذى رأته بخسا،فهى لم تحبنى كما لم تحب زوجها ،وأغلب ظنى أنها لم تحب أحدا.عشقها كله كان موجها الى السلطة وزوجها كان خادما لهذا العشق،فقد اختارته من دون غيره لما رأت فيه مطية طيّعة لعشقها..من المؤكد أنها ليست عزيزة،فعزيزة لايمكن أن تشى بى أو تستعدى علىّ مباحث أمن الدولة، وإن كنت لا أعرف شيئا عن مصدر هذا التأكيد أو هذه الثقة فى عزيزة. المهم أن زوجها اختلس لأجل إرضائها – وكان يضحك كثيرا هو الآخر – فكان مصيره السجن..آه من جدرانه الكئيبة ورفاقه التعساء وأيامه السوداء فى لون الكحل.. أما هى فقد
تبوأت أعلى المناصب السياسية والحزبية وصارت تمتلك الشقق والأراضى فى كل مكان ولم يعد من السهل مقابلتها..هذه هى الحقيقة"والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى إن سعيكم لشتى"، والحقيقة لايمكن أن نغيرها ولو بطربة حشيش،لكنها يمكن أن تغيرنا لمجرد كونها حقيقة،والعنكبوت رغم وهنه وهشاشته شديد الشراسة فى اصطياد ذبابة،والحب يعقبه الوصال والوصال أعظمه نكاح وفناء الشهوة فى اللذة ولايعقب ذلك كله إلا التطهر والعودة الى رحاب الحق الجدير بالفناء فيه وحده لتحقيق اللذة الروحية من جميل وصله،فما أحلى الاغتراب عن الوجود ياعزيزه ولو تحول انسان الى نقطة..واقتحمنى حسن فى آلية كريهة وهو يغير مطفأة السجائر بأخرى فارغة:
- فيم تفكر يامولانا؟..لقد التهمت علبة سجائر كاملة!
أنظر الى عينيه المنطفئتين بحكم الحاجة والعجز والرغبة التى يراها مشروعة فى ابتزازى.
- اشتر لى علبة جديدة ولا أريد أن أراك بعد الآن
فى السابعة من عمرى اصطدت يوما سمكتين كبيرتين أثارتا دهشة الصيادين من حولى.لم أكن أعرف اننى حين أكبر سأخوض تجربتين فى الحب وأنصهر فى أتونهما الملتهب حتى يتبين لى فى النهاية – مع طرقعة الكرابيج - أن كل شىء الى زوال.توجهت بالسمكتين الى عم درويش صعلوك رأس التين الملتحى ، القابع فى خيمته المهترئة على أقصى طرف الشاطىء. كان كعادته يشرب صوت الموج والريح والكحول الأحمر الرخيص ويأكل الترمس والخيار.أعطيتهما له ليشويهما ويأكلهما. على وجهه كانت تتجسد آيات غضب أسطورى من الوجود والعدم معا فى ابتسامة غامضة مستقرة لا تفارقه.كل الأطفال يخافون منه ويكرهونه ولايجرءون على الاقتراب منه فيما عداى.كنت أستشعر فيه معنى كبيرا غامضا وإن كنت لاأدركه.قال لى بحنان كثيف:
- عفارم عليك ياولد..أنا ميت من الجوع
وفى المساء أعطتنى أمى بعض الملابس القديمة.قدمتها له حتى يستبدلها بملابسه الممزقة وسألته فى براءة:
- لماذا لا تحلق لحيتك ياعم درويش؟
أجابنى فى هدوء وبنفس البراءة:
- ولماذا أحلقها؟
وبينما نجلس معا قال لى كلاما كثيرا غير مترابط،أكاد أذكره جيدا رغم أننى لم أفهمه فى حينه.قال ان معظم الناس كلاب وإن الإنسان مخلوق شرير بطبعه، وصمت قليلاثم قال:
- أنا لا أريد أن أعرف أحدا ولا أريد شيئا من أحد،فأنا غنى عن البشر بالله والبحر رغم أن قصر الملك فاروق لايبعد كثيرا عن موقع خيمتى!
سألته فى دهشة:
- وما شأن الملك بك؟!
أجاب فى ثقة رائعة:
- ألا تعرف أنه صديقى؟
- نعم !
- لقد مر بى أكثر من مرة وهو يتنزه بقاربه البخارى،ويوما بعث إلىّ بطبق كبير من اللحم المشوى وزجاجتى نبيذ مستورد..انه يحب مصر
- لابد أنك تحبه كثيرا
- قلت اننى لا أحب أحدا غير الله وبحره الواسع
- ومصر..ألا تحبها؟
- لو كانت احبتنى لأحببتها
كنت معجبا بغرابته وتناقضاته، خاصة حين أسمعه يرتل القرآن بصوت خاشع،وقد علمت أن صوفيا من الغابرين قال انه ليس الى البغية سبيل ولا على درك الرضا دليل،فللعقل صلف شديد،وللحس برق ظاهر،والإنسان بينهما أسير..وقلت لنفسى كيف تغرق يابنى آدم فى مثل هذه الهلوسات وأنت لم تتعاط شيئا يغيبك عن وجودك،فأنت حاضر ووجودك غائب عنك،وأنت موجود وحضورك غائب عنك..والحق أننى منذ شرعت فى البحث عن هذه القضية الترابية المعضلة باهتمام شديد،قرأت النسخ الثلاث على التوالى قراءة جيدة.كانت الأولى مادة فاحترمتها.كانت الثانية روح فطرت معها الى السماوات الملكوتية العالية..وكانت الطبعة المنقحة الثالثة عدلا فعشقتها واعتنقتها وعرفت نشوة الإيمان وحلاوة الحرية.لكن المشكلة فى أن الذاكرة تخوننى بفجر فأنسى وينكسر قلبى وأتساءل لماذا خلق الله الشر والأشرار ، رغم أننى أعرف الإجابة التى تنطوى على مزيج مبهر من الكوميديا والتراجيديا وملايين علامات الاستفهام، فأغرق فىتاريخ الحروب الصليبية وفتح الأندلس وسقوطها،واختلاف الزعماء والمشايخ المصريين على ولاية مصر حتى فضلوا رجلا ألبانيا على أنفسهم،وأتذكر قصة سيدنا يوسف مع زليخه
الداعرة – زوجة الهكسوسى المحتل – وكيف أدخل اليهود الى مصر فخرج بهم سيدنا موسى الى سيناء ودخل بهم يوشع بن نون الى فلسطين فشتتهم نبوخذنصر الى بابل فأعادهم قورش الى فلسطين فدمرهم طيطوس،حتى انتهى المطاف الى أن ساد بهم شارون عالم عزيزه ودرويش والصول مرسى والملك فاروق ومحمد نجيب وجمال عبد الناصر وجورج بوش وأنفاس الحشيش والقنوات الفضائية والدماء التى غطت الكرة الأرضية..وحتى يحقق شارون سيادته فإنه التزم حرفيا بمعكوس تعليمات أبى بكر الصديق لجنوده الفاتحين حين قال لهم:
"لا تخونوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلا أو شيخا ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحواشاة ولابقرة ولابعيرا إلا لما أكل،وسوف تمرون بأناس قد فرغوا أنفسهم فى الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له".. وهكذا أصبحت عزيزه تمتلك السلطة والثروة والشهرة،أما فاروق فقد سلب منه ملكه وطرد من مصر شر طردة ومات فى ايطاليا شر ميتة،ونشأ حزب جديد قوى اسمه الحزب الناصرى، وكنت أسكر بغير خمر وأسكن الجنة وأجول فى حدائقها حين أضع رأسى على صدر حبيبتى وأهيم فى عطره المعطاء،ومازلت عاجزا حتى اليوم عن اتخاذ قرار باستخراج بطاقة انتخابية،خاصة بعد صدور وثيقة الاسكندرية للإصلاح السياسى والاجتماعى والاقتصادى عام2004 فى طبعة أنيقة وضعت نسخة منها على أحد رفوف مكتبتى بالبيت ثم نسيت مكانها،ولما قيل انهم سيعدلون الدستور ليكون الرئيس منتخبا من الشعب أدركت بفطرتى- لابفطنتى- ان هذا لايحدث فى مصرنا إلا لغرض فى نفس يعقوب،وبحثت عن الطبعة الأنيقة فلم أجدها،وأما العم درويش فمات غرقا وبذلك استحالت القحبة ومعها الملك والصعلوك الى ذرات من التراب متناهية فى الصغر يدوس عليها الغادى
والرائح من أمة خلقه كما داسوا علىّ هناك،وأعتقد أننى كنت صحافيا شهيرا ولما سرق الكلاب حلمى، هاجمنى السكر والضغط وتعجبت لوقاحتهما فكيف يجرآن وأنا رجل صاحب مزاج يستمتع حتى النخاع بصوت أم كلثوم وهى تغنى فى رفق حنون:"ان هذا الثرى من أعين ساحرة الاحورار فامش الهوينى"،وكانت انشراح حوراء العينين وكان حورها يتحول فى ذروة شبقها الى حول.لقد علمتنى فى شبابى أفانين اللذة رغم أنها لم تكن تعرف القراءة أوالكتابة ولكنها لاشك حاصلة على الدكتوراه فى مساحة المتعة.. وفى الثامنة ضربنى مدرس الدين بالخيرزانة على يدى لأننى تلعثمت فى تسميع سورة الرحمان،وقال لى جدى الفرعون ان الموت مقدس فهربت من جنازة عمى وذهبت لأستحم فى البحر عاريا،ورغم عشقى للنور فأنا لا استطيع أن أذكر أين أمضيت ليلتى بالأمس،لكن ما الفائدة حتى لو تذكرت وتيقنت ودفعتنى شدة الألم الى الانفجار فى الضحك،وقد عصى حسن أوامرى وجاء يقول فى حماس غبى:
- نسيت أن أخبرك أن عمر بك سأل عنك بالأمس
- ومن هو عمر بك؟
صاح متسائلا فى دهشة استنكارية لا تحق له:
-نعم؟..أتسألنى عن صديق عمرك؟!
ماذا يعنينى من أمر صديق عمرى إن كان أولادى قد سافروا وتركونى لوحدتى وضياعى بعد اختفاء أمهم ياعزيزة؟..
عيال عزيزة لم يتركوها كما تركنى عيالى،لكنها هى التى أهملتهم فأمرهم لايهمها فى شىء..أنا الآن أستاذ فى فن الضياع ولافخر، فقد تناوب على حكمى عبد ومخصى وامرأة.. يعتقد أبنائى الأوغاد ياعمر أننى سوف أستجدى عطفهم ورعايتهم لكن هذا لن يحدث فأنا وريث حكمة عم درويش الذى أكله السمك الذى أكله الناس،فلست أريد شيئا من أحد ولست أريد أن أعرف أحدا أو يعرفنى أحد مهما أطلت علىّ من غياهب الماضى وجوه بادلتنى العطف والمودة والحنان،فما أقسى النسيان وما أعظمه و"ادلعى ياانشرح اللى راح راح" ،ولقد كان خلع الملابس أكثر سهولة عند عشرات ممن عرفت غير عزيزة ويبدو أن تلك السهولة غير مرتبطة بغريزة الإنجاب،والغرائز لايد لأحد فيها،لكنى لم أعد أذكر احداهن، وقتل الذاكرة يجعل الأمور متساوية فكأنما ليست هناك خسارة فى غياب الوعى بأننى لم أعرف فى حياتى امرأة غير زوجتى التى نسيت معالم وجهها منذ اختفت قبل أن أخبرها بما حدث بينى وبين زوجة رئيسى لعلها تسامحنى وتصفح عنى فأنا أكره الخيانة ورغم ذلك مارستها مرارا وتكرارا ومن المؤكد أن عزيزة كانت بينهن،الا أننى لاأستطيع أن أتذكر شيئا عن ملابسات لقائى بها منذ أن فعل بى
العبيد من أمثال الصول مرسى ما فعلوه باوامر أسيادهم من كلاب المقاعد الوثيرة،وما يذهلنى الآن فوق ذهولى المرضى هو أن عزيزة تحتل اليوم تفكيرى بحيث أصبحت محور حياتى الماضية والحاضرة،وأنا أستبعد أنها كانت تعرف زوجتى أو أن زوجتى كانت تعرفها والله أعلم،وهاهو رجل غريب يقف أمامى قائلا:
- الحساب ياباشا
- أى حساب ومن أنت؟
شهق الرجل تعجبا..
-أنا حسن ياباشا..ليس هذاوقت فقدان الذاكرة
-عظيم جدا.عرفت أنك حسن،لكن ..أنا...؟
أنا معدوم رغم أنفى.كان لابد أن أدرك ذلك منذ البداية،خاصة وأننى شهدت إعدامى من الخارج بحرمانى من حقوقى كافة،كما شهدت إعدامى من الداخل حين أشهرت يأسى وجبنى وتخاذلى أمام الكلاب،فلو أدمنت قرع الباب لفتح لى،لكنى استعذبت الإذلال واستمرأته حتى لم أعد قادرا على تذكر اسمى،فأصبحت الطريقة الوحيدة لتذكّره هى أن أخرج بطاقتى الشخصية من حافظتى لأقرأ بياناتها.
فتحت الحافظة ونظرت الى البطاقة فوجدت صورة لامرأة..كما أننى لم أجد إسمى مدونا بالبطاقة.آه..أدركت الآن فقط أن الحياة أكذوبة كبرى.
أصابنى فزع وارتباك أمام حسن وعزيزة وعمر والصول مرسى ودرويش وانشراح ذات الحور والحول.تصبب العرق على جبينى وتحت إبطى،ثم تطور الأمر الى ذهول تام حين اقتحمت الآيات ذاكرتى"ظهر الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدى الناس ليذيقهم بعض الذى عملوا لعلهم يرجعون"..وصرخ حسن:
-ألا تعرف حتى من أنت؟!
انكمشت أمامه وانفتح فمى عن آخره وأنا لا أدرى ماذا أقول وماذا أفعل.