Home
ركن الأدب

جسد نحيل  


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

فى أجهزة الإعلام
بحث

 


قصة بقلم فاطمة المزروعي - الإمارات



- بدا جسدها في التكوين رويدا وريدا، حتى اكتملت ملامح جسدها النحيل أمامه، نظرإليها من خلف الغلاله التي ترتديها، شمس الظهيرة نفذت بنعومة خلال الأعضاء، اجتازت بدقة مواضع حميمة في جسدها، لطالما عشق هذا الجسد، وكانت يده تتلمس هذه المواضع أحيانا بدعابة أو ضحكة أو لحظة عشق..

" هل يوجد أحد هنا"؟

-ارتفع صوته الأجش، ونظراته تحملق في الشقة الباردة، تردد صوته، فعاد يستمع إلى تردده بمزيج من الضيق والحزن، شعر بثقل ساقاه، وهما تقودانه إلى داخل غرفتهما، بدا جسدها متعبا، اقترب منها، تطلع إلى عينياها الواهنتان، شعر بغصة بحلقه، وبوهن في أطرافه، كانت مشاعره كلها تبكي، وكانت هي تبكي ، لالا لم تكن تبكي، كانت تحاول إخفاء ذلك المرض، والتشبث بأي شيء، لاح له وجهها المتعب وقسماته ..

تأملها من قدميها الصغيرتين إلى جسدها النحيل، سعل بقوة، سعلته المعتادة، شعر بيديها تحوطان كتفيه، ما أجمل الحلم بين أحضانها؟ لاحت له الكثير من الوجوه المتعبة التي رآها منذ طفولته، وجوه متعبة، مظلمة، فيها الكثير من الظلم والوهن والقهر، وكان يرى في كل وجه ملامحها، ومرضها، وطفولتها، والألم..
كان يضربها حتى يتخلص من ألمه، وكان يتألم لألمها، كان الألم في جسدها كبيرا، وكانت تخفيه بقناع ثلجي بارد، اقترب منها أكثر حتى لامست أنامله جسدها، بل عظمها الرخو، فأزاحته قليلا..

" مابك ؟"
أجابت بلا مبالاة..
"لاشيء"

لامست يداه أناملها، خدها، وضع الوسادة تحت رأسها..
"أنا بخير، لاتقلق"

كانت ترددها دوما في آلية، تذكر حينما أخبرته عن مرض أمها، لقد بكت كثيرا على هذه الأم رغم الطفولة القاسية التي عاشتها على يد أخوتها وأمها..

خلعت ثوبها بصعوبة، مد يديه حاول مساعدتها، أزاحته في رقة، شعر بضيقه ولكنه عاد ينظر إلى جسدها العاري، تأمل التصاقة جلدها بهيكلها العظمي، تمدد بجوارها، استغرب من صمتها، تمنى لو تصرخ حتى يحضنها ويبكي معها..

الشقة في هذه اللحظات تبدو عليه كبيرة للغاية، رغم تعليقاتها المستمرة وشكواها في العديد من المرات بصغرها، وأنها لن تكفي لأطفالهم في المستقبل..
اقترب من السرير، جلس على حافته، تأمل وجهها، أخذ بيديها وقربها من وجهه، بدت دافئة، حنونة، احتضنها، في لحظة مر خيالها عليه، رآها ترتدي البياض، كم عشق اللون الأبيض على جسدها النحيل؟
كانت تعلم عشقه لهذا اللون، وإلحاحه المستمر حتى ترتديه بصورة مستمرة، أربكته الخيالات، وهو يراها تتحرك في أرجاء الشقة، صامته، تؤدي عملها في صمت وخشوع، إقترب أكثر منها، تمنى لو يلتصق بها، مرت عليه أمور كثيرة، صوت قطة الجيران، وهي تسقط تحت عجلة السيارة، بركة الدماء، والأمعاء التي تفجرت ونافورة الدماء التي سالت على الطرق، وقف يتأملها بمزيد من الصمت والخوف، شعر برغبة بالغثيان، تقلبات معدته تضايقه، منظر الشقة في هذا اليوم يبدو غريبا، طيفها يمر أمامه، وصورة أمعاء القطة تحتل مخيلته بجانبها، خرج من غرفة إلى أخرى ، كان يلاحقها ويديه تحاولان الإمساك بطرف ثوبها الأبيض، صوت دقات قلبها، شهيقها المستمر، العرق البارد المتصبب على وجهها..

**********************

أول الصفحة


 © Arab World Books