Home
ركن الأدب

ساكن المنحدر   


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
خدمات
بحث

 


بقلم : ﭙرفين محمود موســى

من مستقره يرى العالم العلوى مسرعاً ، يمر فى إتجاهين بعيداً عنه ، ويرى العالم السفلى يمرق فى إتجاه واحد لا يقترب منه ، آخرون يتخذون المنحدر المشؤوم نحوه ، يسلكون الدوران النازل أمامه ، ثم ينضمون سالمين إلى السيل السفلى الهادر مع استقامة المدينة على شاطئ النهر .
هو يشغل فى وعيهم ثوانى من الفضول قبل أن يتلاشى ، صورته تتغير مع الفصول ، تنطبع لغرابتها فى ذاكرتهم ، تستدعى مقارنات ذات تفاسير شتى :

إن وجدوه متكوراً دون حراك فى برد الشتاء القارص فلأن منزله قد إنهار بكل من وما فيه فلجأ وحده إلى الكوبرى حاملاً من فائض الجيران هذا اللحاف وربطة أمتعة ضئيلة .

إن أخفى رأسه من الزوابع ولم تظهر من وجهه إلا عينان فهو من المطاريد ، فى رقبته ثأر حمله على الهروب من بلدته بالصعيد تحت جناح ليل عاصف رماه على هذا الرصيف الضيق الدائرى حيث لا مشاة ... فقط أمامه تسرع مركبات من بها لا يهمهم وجوده .

يأتى الصيف فيطوى جانباً أغطيته الرثة الكالحة التى كان يتخفى فيها طوال الشتاء ، يطوى أيضاً قطعة المشمّع التى يربطها – للوقاية من المطر - بين الدرابزين وبقايا كرسى ربما وجده فى إحدى الخرابـات ، جلس سانداً ظهره إلى سور المنحدر وقد تهذّب شعره الرمادىّ واختفت إشعثاث الوجه من شارب ولحية وكثافات أخرى تائهة الحدود ، بيده كتاب ، إنكشف السر إذاً وعُرفت الحقيقة : إنه فيلسوف إعتزل الدنيا ليتأمل من أعلى تجليات النفس الإنسانية وأبعاد الخليقة .

أى واحدة من هذه المشاهد يدعو إلى التساؤل : هل من سيارة تتوقف فى المنحدر لتمتد منها يد بقروش عليها يعيش ؟

فى جلسته الصيفية ترفّع وابتعاد ، فى قسماته تجاهل اللحظة والحاضر، حاضره وحاضر البشر من حوله ، فإن إخترق أحدهم خلده قرأوا نفياً لا مبالياً لكل ما ظنوه ، نادراً ما يرى نفسه فى عيونهم فإن فعل رد عليهم صمته : "دعكم من هذه الظنون ، لا يتصور أحدكم أن الجالس على هذا الرصيف واحد من أهل التسول ، إنه إنتظار ، دام قليلاً أو كثيراً ، صار أسلوب عيش ، صار حرية إن راقكم هذا الإسم من دون سائر المسميات ، حرية بعيدة عن مدارككم ، حرية استقبال مولد الصباح معه بلا حواجز ، مشاركة العصافير أوقاتها معه ، الإنعزال عن وجوهكم الوقحة ، عن أصواتكم القبيحة ، عن القسوة التى قتلتنى بها أيديكم يوم انتزعتم الحياة من قلب حياتى ."

حشدت المرأة فى مطبخها أكياس الخضر ومذبوحات من الطيور ، تورد خدها بهمة العيد وذلك الترقب الذى ستحتضن فيه مجىء الأسرة ، لهو الأطفال بأرجاء المنزل ، وخصوصاً ما لا تمل من سماعه أبداً من إطراءات الألسن المنشغلة بالإلتهام ساعة التجمع حول مائدة الغداء ، "الجماعة اتأخروا ، انزل انت وخد أحمد فى ايدك عشان يفرح بفسحة العيد" .

أفرغت البيوت – كل بيت فى كل أنحاء المدينة – سكانها إلى الخارج ، ضاقت بهم وضجت الشوارع ، هرب بإبنه إلى براح الكبارى ، يتسكعان ويحكى له عن النهر حكايات جميلة ، من أين أتى ، البلاد ذات الأسامى الأفريقية التى يخترقها ، الرحّالة الذين حضروا من آخر الدنيا ليكتشفوا منابعه ، والتماسيح ، "حتى سيد قشدة كان موجود منه كتير جايين من هناك لغاية كفرنا ، شافهم جدك الكبير بعنيه !"

ثم اشترى له بالونة ، بشغف يديه الصغيرتين احتضنها ، طار مرحاً يلهو بها فترن ضحكاته .

ما زال لونها الأصفر الوضّاء يبهر ذاكرته كلما رآها ضمن أحداث ذاك النهار الذى تسطحت من بعده أيامه ، يراها فى قناديل الزهور ليمونية اللون حين يفتّحها الربيع فى شجرة حقل الفروسية الصاعدة إليه من أسفل المنحدر ، تميل بفروعها نحوه ، تحدثه عن ضياع أحمد وأحياناً عن عودته .

عند المنحدر أفلت الخيط من يده ، أخذت البالونة تقفز جانباً مع الدوران ، تبعها الطفل بوثباته الصغيرة وانطلق هو ليلحق بها قبل أن تنالها عجلات السيارات ، وليته فكر !

ما زالت العجلات طوابيراً عمياء مجهولة الهوية تحمل المركبات فى دوران فاقد المعنى ، دائم الهرولة إلى لا مكان ، على هوى نوايا زائلة ، تدخلون المنزلق ، لا رجعة فيه ، لا رؤية لما وراء اللفة التالية بعد الزاوية ، أنا أرى من أين تأتون ، أنا الشاهد على مصائركم ، إلى أين ذاهبون قبل أن تنكسر عجلة حياتكم وينكشف لكم مستقبل إنحداركم .

أفاق مذعوراً ينادى صغيره ، ضوضاء من الجحيم تتفجّر داخل الجمجمة ، تنطلق من الحوائط البيضاء ذات الإنبعاثات السوداء ، حناجر غائرة عارية تلاحقه بصرخات لا يفهمها ، يسدون عليه كل طريق ، هم أيضاً لا يفهمون تشنجات عباراته ، صغيره هناك ضائع بدونه والعيد أوشك أن ينقضى ، حديقة الحيوان ستغلق أبوابها ، بائع غزل البنات لن ينتظر .

كم من الزمان مضى ؟ أخيراً إهتدى إلى المنحدر ، علّموا أحمد ألا يبرح أبداً مكانه إن حدث وابتعد عنه فى لحظة والداه ، فهو ينتظرهما هنا على المنحــدر ، سيجلس هو إذاً عند الدوران ، يصحو وينام حيث يسمع فى كل أوان زغولة عصفوره وضحكاته ، من هنا يرى طرفى الحدوة علّ الإبن الحبيب يظهرمن وسط السيل العلوى أو يلاقيه حين تميل به الأيام أخيراً إلى الإتجاه الآخر .

أغسطس 2005
 
 

أول الصفحة


 © Arab World Books