العملية هيبرون وعولمة الرواية سوف يقتلون المزيد من شعبكم

الكتاب :  العملية هيبرون
الكاتب : إريك جوردون
عرض : أحمد فضل شبلول



هذه الرواية لابد أن تُقرأ مرتين، المرة الأولى قبل أن يكتشف القارئ أن الرئيس الأمريكي المنتخب هو العميل الصهيوني هيبرون الذي خطط له الموساد الإسرائيلي كي يعتلي سدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، ويحتل مكانه في البيت الأبيض الأمريكي، وبالتالي يكون لهم السيطرة ـ وليس التأثير ـ على صناعة القرار الأمريكي، والمرة الثانية بعد أن يكتشف القارئ ذلك في نهاية الرواية التي حشد لها مؤلفها إريك جوردان، كل عوامل الدهشة والإثارة والجرأة في تناول الأحداث الأمريكية والعالمية وتحليلها تحليلا دقيقا، وليس هذا ببعيد عن المؤلف لكونه أحد الذين عملوا لسنوات طويلة في أجهزة الاستخبارات الأمريكية منذ نهاية الخمسينيات وحتى أوائل الثمانينات في بلاد عديدة بالشرق الأوسط. ومن هنا حفلت الرواية بحقائق كثيرة، وتواريخ دقيقة، وأعتقد أن المؤلف إذا لم يكن واحدا من العاملين في أجهزة الاستخبارات لجاءت روايته أقل إثارة وأقل مصداقية، أو أقل تصديقا لأهم وأخطر حدث في التاريخ الأمريكي.
لقد قدم جوردان شخصيات روايته من أمثال: (الرئيس الأمريكي هوارد دوجلاس، ونائبه جورج جونسون أحد المرشحين الثلاثة للرئاسة الأمريكية القادمة، ورئيس الوزراء الإسرائيلي أهارون إيشيل، ومدير الموساد الإسرائيلي شتيرن، والسفير الأمريكي لدى الاتحاد الأوربي ريتشارد سورينسون، والعميلة الإرهابية الصربية جاكي ماركوفيتش، والعميلة الخاصة المسئولة عن وحدة الشرق الأوسط في إدارة مكافحة الإرهاب في مكتب التحقيقات الفيدرالي بواشنطن بريندا شتراوس، وعميل الموساد في أمريكا ديفيد تيرون .. وغيرهم) وذلك من خلال إيهام الفن الروائي بأنه يعرفهم معرفة حقيقية، فيفتح لنا ملفاتهم، ويطلعنا عليها، ولنا نحن القراء أن نصدق ذلك، بحكم عمله السابق الإشارة إليه. 
وعندما يقال إن جوردان قرر أن يحول تجربته في الشرق الأوسط إلى رواية حقيقية بها كل الحقائق التي عاشها طوال سنوات عمله، سواء في الشرق الأوسط أو الولايات المتحدة، فإننا غالبا ما سنعيش أحداث روايته على أنها حدثت بالفعل، أو على أنها وشيكة الحدوث. فلا نستبعد أبدا أن تسيطر عصابة الخمسة في إسرائيل (رئيس الوزراء إيشيل ـ مدير الموساد شتيرن ـ وزير الدفاع ناتان مينتز ـ وزير المالية جيرشون ياهاف ـ وزير الخارجية إيدموند ورثبيرج) ـ ذات يوم ـ على الكرسي الرئاسي داخل البيت البيضاوي، ويتحقق لهم ما جاء على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي في الرواية، الذي قال في أول اجتماع لهم حول العملية هيبرون: "النقطة التي يجب أن تعوها تماما، ونحن بصدد تقويم المخاطر معا، إنه إذا نجحت العملية هيبرون، فإننا سوف نغير على نحو جذري من قدرتنا على السيطرة على السياسة الأمريكية لعقد من الزمان، وخلال هذا العقد سوف نعد لترتيبات ومعاهدات متبادلة سوف تستمر لجيل إسرائيلي آخر، لا كامب ديفيد أخرى، ولا مفاوضات أوسلو أخرى، ولا اتفاقيات واي (بلانتيشن) أخرى. سوف نفعل ما نريده، وليس ما يريده غيرنا، وفي المرة القادمة عندما يرفع ديكتاتور العراق، أو أي أحد آخر، رأسه القبيح، سوف نُزيل هذا الوجه من على الخريطة، أو بالأحرى سوف نحمل رئيس الولايات المتحدة على بتره لحسابنا".
إنهم يَصفون الرئيس / العميل الأمريكي القادم الذي أطلقوا عليه هيبرون (الاسم العبري لمدينة الخليل في الضفة الغربية) بأنه مسيحهم المنتظر الحديث. وبذلك فإنهم يعلقون آمالا كبيرة عليه، ومستعدون أن يُنفقوا ملايين الدولارات (الواردة إليهم من المعونات الأمريكية بطبيعة الحال) في سبيل إنجاح الحملة الانتخابية لهيبرون.

لقد سارت الرواية في خطين متوازيين، ولكنهما يلتقيان في نهاية الأمر، والتقاؤهما يمثل أكبر ضربة أمريكية للموساد الإسرائيلي، وأكبر نجاح لإدارة مكافحة الإرهاب بمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي. وهنا توجد إشارة واضحة وصريحة جدا يرسلها جوردان مفادها أن الإرهاب العالمي، ينطلق من جهاز الموساد الإسرائيلي، الذي يُلقي بخيوطه العنكبوتية على كل دول العالم.
الخط الأول يتمثل في جريمة قتل ريتشارد سورينسون السفير الأمريكي لدى الاتحاد الأوربي في بروكسل. ومن ثم يبدأ البحث عن القاتل الحقيقي ودوافع القتل، لقد حام الشك حول الليبيين، والعراقيين، والإيرانيين، (تقول بريندا شتراوس لبوب هوتشينز فور تلقيها خبر قتل سورينسون: يا إلهي، لا تقل إن الليبيين قتلوه.) ومن خلال تنامي الأحداث يتضح أن هناك علاقة غزل سياسي غير معلن، بين الرئيس الأمريكي دوجلاس والرئيس الليبي العقيد فزاني، من خلال السفير الأمريكي لدى الاتحاد الأوربي في بروكسل، والذي يعد من أقرب أصدقاء الرئيس الأمريكي، ومن هنا كان حزنه الشديد لمقتله، وكان أيضا اقتناعه التام بعدم تورط الليبيين في تلك الجريمة الغامضة. ومع تنامي الأحداث وتصاعدها على هذا النحو البوليسي المثير، وفي منتصف الرواية تقريبا، نكتشف أن الموساد الإسرائيلي وراء مقتل السفير الأمريكي، لأنه كان يشكل تهديدا رئيسيا لأمن إسرائيل باتصالاته بالرئيس الليبي فزاني. يقول مدير الموساد الإسرائيلي: "مازلت أعتقد بأن الاغتيال كان ضروريا، الرجل كان يشكل تهديدا رئيسيا لنا باتصالاته مع فزاني، لا أحد يدري ماذا كان يمكن أن تؤدي إليه هذه الاتصالات. وأضاف: الأمريكيون مازالوا يحملون المسئولية على العراق أو إيران، وهو ما يخدمنا".
ومع تورط الموساد مع العميلة الإرهابية الصربية المحترفة جاكي ماركوفيتش التي خططت ونفذت مع مساعدها اليوناني بيتر، لعملية اغتيال السفير الأمريكي، بعدم تسديد باقي فاتورتها في تلك العملية، وعلى الرغم من عدم معرفة جاكي ـ في بداية الأمر ـ لمصلحة من سيكون قتل سورينسون، إلا أن عدم ضخ المبلغ المتفق عليه مع أحد العملاء الإيرانيين في حسابها الخاص، هو الذي أثارها، وجعلها تبحث بحثا دؤوبا عن صاحب المصلحة الحقيقية بعد أن خُدعت، وبعد أن سرَّ إليها أحد أصدقائها الروس بأن الموساد هو الذي أوعز لها ـ بطريقة غير مباشرة عن طريق وسيط إيراني ـ بقتل السفير الأمريكي. وكان السؤال الذي طرحه الرئيس الروسي فلاديمير بوبوف، في الرواية: "كيف قام الموساد بهذه العملية ليجعل الأمر يبدو كما لو كان الإيرانيون هم الذين فعلوه؟" وتأتي إجابة يوري إيفانوفيتش كبير العملاء الروس ورئيس العمليات الأمريكية في (أف آي سي) بقوله: "اتصل رئيس الموساد في واشنطن بعميل مزدوج لهم، يدعى إبراهيم، وطلب منه أن يستأجر نيابة عن الإيرانيين في ظاهر الأمر قاتلا دوليا يدعى بيتر (مساعد جاكي) ليقتل السفير الأمريكي، في حقيقة الأمر إبراهيم هذا عميل ثلاثي، فهو يعمل أيضا لحسابنا، ولذا فإنه أخطرنا بالأمر". ثم يسأل الرئيس الروسي في الرواية: "هل تتعلق هذه العملية الإسرائيلية السرية بأمريكا وانتخاباتها؟" فتكون الإجابة: "أقل ما يقال هو أن الرئيس الأمريكي غير متعاطف مع القضية الإسرائيلية، إنهم لا ينفعونه في شيء على الرغم من أنه يخفي ذلك. في الحقيقة كان سورينسون هو المصدر الرئيسي لمشاعر الرئيس تجاه إسرائيل، كان ذلك هو ما يدور في خاطر رئيس الوزراء الإسرائيلي عندما وافق على اغتيال سورينسون".
هكذا يتضح الأمر جليا لجاكي، ومن هنا قررت الانتقام من تيرون عميل الموساد في أمريكا، لأنهم لم يدفعوا لها بقية حسابها. ولحظة تنفيذ الانتقام، تصادف وجود هيبرون أو الرئيس الأمريكي المنتخب، في الشقة التي كان بها عميل الموساد لتصفية أوراق الانتخابات بينهما، فلم تجد بدا من مباغتة الاثنين، وقتلهما معا، على الرغم من عدم معرفتها بشخصية الأمريكي الذي كان مع تيرون، ثم تعالج مساعدها ـ بيتر ـ برصاصة قضت عليه في الحال، لتبعد الشبهة عنها، فالبوليس في العالم كله يبحث عن بيتر باعتباره قاتل السفير الأمريكي.

الخط الثاني يتمثل في جوهر العملية هيبرون التي سميت باسمها الرواية، والتي خطط لها أيضا الموساد الإسرائيلي، بعد اقتناع رئيس الوزراء الإسرائيلي بأهمية أن يكون لهم عميل إسرائيلي على رأس أقوى مكتب على سطح الأرض، ويعني به مكتب البيت الأبيض الأمريكي، ليستطيعوا عن طريقه السيطرة على العالم كله. إنهم غير مقتنعين بالتأثير الذي تحدثه الجاليات اليهودية على الرأي العام في الولايات المتحدة، وغير مقتنعين بدور اللوبي اليهودي أو الصهيوني في الإعلام الأمريكي، وأيضا في الاقتصاد الأمريكي، وغير مقتنعين بعملائهم داخل الكونجرس، وداخل مجلس الشيوخ الأمريكي. إنهم يريدون السيطرة ـ وليس التأثير ـ على صناعة القرار الأمريكي. يقول إيشيل رئيس الوزراء الإسرائيلي في الرواية للأعضاء الخمسة (السابق ذكرهم): "لدينا تأثير على الكونجرس سواء زعمت ذلك الصحف أو لم تزعم، كان لدينا دائما مثل هذا التأثير، هذا أمر مؤكد، ولكن هل تفهمون ما أقوله؟ أنا لا أقول (تأثير) إنني أقول (سيطرة) على أقوى مكتب على سطح الأرض، أيضا لم أطلب منكم إنفاق مائة وخمسين مليون دولار، عشرة أو عشرين مليونا تكفي، ولكننا سندع الأمريكيين ينثرون الأموال هنا وهناك، سوف ننفق بحكمة بضعة ملايين هنا وهناك، عندما وإينما يمكنها أن تثمر عن تغيير". إنهم يريدون الرئيس الجديد يتماشى مع رغباتهم، تماما مثل عملية النقل السلس لصندوق التروس في أية سيارة حديثة، إنهم سيمنحونه راتبا ـ كعميل ـ يفوق ضعف ما سيكون عليه راتبه الرئاسي، غير العلاوة، وقيمتها عشرة ملايين دولار عن كل عام يقضيه في السلطة.
وينجح الموساد الإسرائيلي في تنفيذ العملية هيبرون، على الرغم من وصول أخبار تلك العملية إلى مكتب التحقيق الفيدرالي، عن طريق الروس الذين أبلغوا الرئيس الأمريكي دوجلاس أن الموساد يخطط ليكون رئيس أمريكا القادم أحد عملائهم، ونفاجأ بأن العميل هيبرون، هو نفسه جورج جونسون نائب الرئيس الأمريكي الذي كان مزروعا منذ أكثر من عشرين عاما في السياسية الأمريكية، وحان الوقت ليكون رئيس الولايات المتحدة، والذي دفع به الرئيس الحالي دوجلاس ليرشح نفسه رئيسا خلفا له، والذي خُدع فيه الرئيس دوجلاس نفسه الذي كان على غير وفاق مع الإسرائيليين، بل كان دائما يُلقي اللوم عليهم لعدم تنفيذ اتفاقيات السلام مع العرب، يقول: "لقد أيدناكم عسكريا وماليا. أدخلوا في مفاوضات سلمية مع العرب، وإلا لن تروا أبدا دولارا واحدا آخر خلال عهد هذه الإدارة".
وتبلغ قمة الإثارة في الرواية، عند اكتشاف القارئ أن جونسون هو نفسه هيبرون، لقد نجح المؤلف في إبعاد كل الشبهات عن جونسون، وجعلها تتركز حول مرشح آخر هو السيناتور ويستليك، الذي كان يتعامل صراحة مع الإسرائيليين ويغازلهم، ويعلن موالاته لهم، فيقول: "سوف أغير سياسة الإدارات السابقة، وسأمنح ضمانات القروض التي طلبتها إسرائيل لبناء منازل في الضفة الغربية، وسأوصي بالنقل الفوري للسفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، إنني متمسك بهذه النقاط، وكدليل على جدية موقفي، فإنني على وشك إعلانها على الأمة بأسرها". هكذا أوهمنا إريك جوردان أن ويستليك هو العميل هيبرون، بينما أبعد الشبهة تماما عن جونسون الذي كان يقول في تصريحاته: "لقد تصديت للتدخل الإسرائيلي في شئون هذا البلد طيلة حياتي. إنني لا أخشى الإسرائيليين هذه حقيقة معروفة تماما". ثم إنه ينكر تماما معرفته بعميل الموساد الإسرائيلي في أمريكا ديفيد تيرون. يقول في معرض ردوده عن أسئلة مكتب التحقيقات الفيدرالي التي وجهتها له بريندا شتراوس وزميلتها عندما بلغ المكتب أن هناك عميلا إسرائيليا من بين المرشحين الثلاثة، ربما يعتلي عرش أمريكا،: "من الأفضل لكما أن تقوما بزيارة خاطفة للسيناتور ويستليك والحديث معه، إنه يعرفهم جميعا، على أية حال لا، لا أعرف هذا الرجل، بل لم أسمع أبدا عن اسمه من قبل، لماذا تسألون؟". 
هكذا ينجح الكاتب في إبعاد الشبهة عن جونسون، ويلصقها بويستليك، وحتى بعد انتهاء الانتخابات المحمومة بين المرشحين الثلاثة، ونجاح جونسون لم يكن أحد يعرف ـ سوى الروائي العليم، وعميل الموساد تيرون ـ أنه هو العميل هيبرون، بما في ذلك الرئيس الأمريكي الحالي نفسه دوجلاس، ووزير خارجيته، وأعضاء فريق مكتب التحقيقات الفيدرالي وعلى رأسه القاضي بيكر. وكان يمكن أن تنجح العملية هيبرون، ويتقلد جورج جونسون مقاليد الحكم في أمريكا، لولا وجوده في المكان الخاطئ في اللحظة الخاطئة، وقت أن قررت الإرهابية جاكي ـ قرب نهاية الرواية ـ تنفيذ انتقامها من عميل الموساد تيرون. يقول المؤلف: "قطع صوت الليفتنانت الملتاع حديثهما وهو يصرخ قائلا: ألم تجدا شيئا، انظروا إلى هذا، مستحيل، وسلم رخصة القيادة إلى بريندا، وظل يحملق فيها منتظرا رد فعلها". يا إلهي .. كل ما استطاعت بريندا التفوه به قبل أن تمرر الرخصة إلى جاك. نظرت وقد شحب وجهها إلى جاك، وهو يفحص الرخصة الصادرة عن ولاية نيوهامبشاير، همس مصعوقا: السناتور جورج جونسون، وأضافت بريندا في صوت هامس: رئيسنا المنتخب، أغلق الباب".
هكذا يلتقي الخطان في نهاية الرواية، وكلا الخطين من تنفيذ الموساد الإسرائيلي، وكلاهما يشكل إدانة غير مسبوقة في الروايات الأمريكية للموساد الإسرائيلي، وللحكومة الإسرائيلية، وعلى وجه الخصوص لفريق الخمسة. ومن هنا تأتي جرأة إريك جوردان في تناول الإحداث الأمريكية والعالمية، في عمل روائي حديث، ومن هنا أيضا كانت الضجة العالمية التي أثارتها تلك الرواية فور صدورها، فبادر إلى ترجمتها على وجه السرعة شاكر عبد الفتاح، ونشرتها دار الهلال بالقاهرة.

على مستوى التكنيك الروائي كان هناك صراع آخر غير الصراع الأمريكي / الإسرائيلي، إنه صراع نسوي أو نسائي، بين كل من بريندا شتراوس، (أبوها سيدني شترواس صهيوني مخلص، يفتخر بيهوديته ورغبته الملحة في مساعدته لإسرائيل، وفي إنجاح مرشح الرئاسة ويستليك الذي يعلن ولاءه له) والعميلة الإرهابية الصربية جاكي ماركوفيتش (أبوها اغتصبها في صغرها، سرق عذريتها، فكرهت العالم، واحترفت فنون القتل والاغتيال، وباعت نفسها لكل من يدفع سواء في الجنس أو في القتل). وكانت بريندا هي المسئولة عن اكتشاف لغز مقتل السفير الأمريكي سورينسون، وكانت تستجيب لنداء أحاسيسها الباطنية التي لا تخطئ أبدا، وكانت تشعر بأن هناك امرأة محترفة على أعلى مستوى الاحتراف وراء مقتل السفير، وبالفعل استطاعت بريندا في نهاية الرواية الوصول إلى جاكي في منزلها المطل على الميناء ببالما دي مايوركا بأسبانيا، وعندما شعرت جاكي بالخطورة هربت في قاربها الذي أعدته لهذا الغرض، ولكن ينفجر القارب بالمتفجرات نفسها التي وضعتها جاكي في منزلها قبل الهروب، بغرض تفجير المنزل بالزائرين غير المرغوب فيهم لحظة الإحساس بالخطر، ولكن بمساعدة وزارة الدفاع الأسبانية، وخادمة جاكي، تنجح بريندا في نقل هذه المتفجرات إلى قارب جاكي، دون أن تعرف الأخيرة بما حدث من تفتيش لمنزلها.
بطبيعة الحال، تحاول الرواية أن تنمي الثقة في جهاز المخابرات الأمريكية، وفي مكتب التحقيقات الفيدرالي، ولا أعتقد أنها تنصف العرب والمسلمين، بقدر ما تدين بقوة، الإرهاب الإسرائيلي في دول العالم، كما تعلن عن الاستياء الأمريكي من إسرائيل، لأسباب عدة، منها: مبيعاتها للتكنولوجيا المتطورة للصين وروسيا، الأمر الذي يضعف من التفوق الأمريكي في هذا المجال. وتجميد عملية السلام (حيث لم يكن لإيشيل أي نية لإعطاء الفلسطينيين مترا واحدا من أراضي إسرائيل ـ كما يزعم ـ ولن يتنازل عن مزيد من الأرض). وعلى الرغم من وجود إحدى الشخصيات العربية في الرواية، وهي شخصية منصور شريف الثري المغربي (باشا مراكش) الذي يمتلك شاليها رائعا على قمة جبل داربو بجنيف، وقصرا منيفا في مدينة طنجة، وهو في الوقت نفسه صديق لملك بلاده الشاب الجديد، والذي يساعد وليام روسيل مستشار الأمن القومي الأمريكي في الحصول على معلومات وصور فاضحة للمرشح الأمريكي ويستليك، استغلت بالفعل ضده في الحملة الانتخابية، إلا أن هذا الظهور العربي لا يمثل في حقيقته العرب والمسلمين، وآراءهم إزاء الأوضاع العالمية عامة، والأمريكية والإسرائيلية بصفة خاصة، فما زال العرب ـ في الرواية ـ يتقاتلون مع بعضهم البعض والفضل للعراق. ومازال الإسرائيليون يفوزون دائما لأن العرب يجلسون بلا حراك يأكلون الحمص. وعموما ليس المطلوب من الروائي أن يحسن صورة العرب والمسلمين، أو يدافع عنهم، وعن معتقداتهم، فهذه ليست وظيفته في الرواية، ويكفينا فقط أنه أظهر الجانب الإسرائيلي بهذه الدرجة من الوحشية والعنصرية والخيانة، وحب السيطرة والتملك. 
وتبقى هناك إضاءة عربية في هذا الجانب ذكرها المؤلف على لسان ديفيد تيرون عندما ذكر في اجتماع بالقدس "أن المساعدات العسكرية الأمريكية الطارئة في عام 1973 هي التي أنقذتنا من أن تجتاحنا القوات المصرية السورية الموحدة، على الرغم من أنه ليس بوسعنا على الإطلاق أن نعترف بذلك علنا. لقد كانت ذخيرتنا على وشك النفاد عندما هرع الأمريكيون لمساعدتنا". لقد اعترف تيرون بذلك ليذكر القادة الإسرائيليين بأنهم بدون تصميم الولايات المتحدة على ضمان بقائهم سوف تتلاشى إسرائيل، وهو أمر مؤكد مثل اجتماعنا هنا اليوم.

لقد وظف الكاتب إريك جوردان كل إمكاناته وخبراته الاستخبارية، لتكون في خدمة العمل الروائي، ومن أهم هذه الخبرات الاستخبارية: التجسس على المكالمات التليفونية، وتزييف جوازات السفر، وزرع الميكروفونات متناهية الصغر داخل الغرف، واستبدال الأماكن والملابس بأقصى سرعة، وتغيير الملامح إذا لزم الأمر، وشراء الناس والذمم، واستخدام الجنس (إنني خصصت اثنتين من فتياتنا المثيرات لإلهاء ضباط الأمن، وهناك جناح منفصل إذا ما احتاجت الفتاتان إلى الترفيه عن الحراس)، وحياكة الخطط السرية، والمؤامرات الصغيرة والكبيرة .. إلى آخر هذه الحيل التي تعوزها الذكاء والمرونة. ولنضرب مثالا على التجسس على المكالمات التليفونية. تتصل العميلة الإرهابية جاكي من مطار زيورخ بقسم مكافحة الإرهاب في مكتب التحقيقات الفيدرالي في واشنطن لإعطاء معلومات مضللة تبعد بها الشبهة عن نفسها، وإلصاقها بمساعدها بيتر، فتتلقى بريندا المكالمة وتقوم بتسجيلها على الفور، لتتمكن من تحليلها بعد ذلك، تقول جاكي : "صديقي اسمه بيتر، لقد قتل سفيركم في بروكسل. إنه يوناني، هو قاتل محترف، رجل مجنون. لابد أنكم تعرفون اسم عائلته ـ إنه يخفيه عني. شريكه اسمه تيرون ـ إنه رجل الموساد في أمريكا، لقد أستأجر الإسرائيليون بيتر لقتل سفيركم. سوف يقتلون المزيد من شعبكم. يجب عليكم منعهم؟ سأحاول الاتصال لاحقا لإبلاغكِ بمعلوماتٍ أخرى. إن الوضع خطير جدا بالنسبة لي الآن. يجب أن أذهب". هكذا تزرع جاكي بذور الخوف والرهبة في نفوس الشعب الإمريكي بقولها: "سوف يقتلون المزيد من شعبكم". فهل كان هذا استشرافا ـ من المؤلف ـ لما حدث في أمريكا (واشنطن ونيويورك) يوم الثلاثاء الدامي، الحادي عشر من سبتمبر 2001.
إننا نذهب إلى أن هدفا من أهداف كتابة هذه الرواية، يدور حول تنمية المشاعر الوطنية تجاه أمريكا، وتحسين صورتها التي بدأت تهتز في العالم، فأظهر المؤلف ـ في أكثر من موقف براعة مكتب التحقيقات الفيدرالي في واشنطن الذي رأى ـ في أحد مواقفه الذكية ـ أن تكون قضية مقتل سورينسون غطاءً للتعامل مع البيت الأبيض بشأن هيبرون. ويؤكد المؤلف هذه المشاعر الوطنية على لسان بريندا التي نكتشف أنها يهودية، ولكن تقول لأمها: "لا أريد التشاجر مع أبي (الصهيوني المتطرف)، أريد أن أحبه، ولكني لست إسرائيلية، إنني أمريكية، ولن أعتذر لأحد عن ذلك، حتى والدي. إنني يهودية نعم، ولكني لست إسرائيلية، لا أدين بأي ولاء لإسرائيل، وكذلك جيلي".
في نهاية الرواية يقدم إريك جوردان نصيحته غير المباشرة إلى إسرائيل، بعد فشل عملية هيبرون بمقتل جونسون، يقول جوردان على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي: "هذه المكائد والدسائس الخطيرة الجنونية ليست هي السبيل لحماية إسرائيل. يجب عليَّ أن أشرك بلدي بإخلاص في عملية السلام. هذه هي الأمل الوحيد لأطفالي وأطفال أطفالي".
هكذا تنتهي رواية عملية هيبرون بتفاؤل تجاه صنع السلام في الشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه تنمو قصة حب نشأت بين كل من بريندا الأمريكية، وزميلها البلجيكي جاي فان دين هوفن، حيث جمع بينهما العمل البوليسي في جريمة مقتل السفير الأمريكي، فتنتهي الرواية نهاية رومانسية ـ على طريقة الأفلام المصرية ـ باعتراف جاي بحبه لبريندا. يقول جاي: "لقد حان الوقت لإيجاد حل لنا، كيف سنتعامل مع هذه القضية الرومانسية عبر الأطلنطي؟ استدارت بريندا وتطلعت في عيني جاي كما لو كانت تختبر مدى جديته: أي قصة عاطفية تتحدث عنها روميو؟". إن نشوء قصة حب رومانسية وسط أحداث هذه الرواية الدامية، يضفي لمسة إنسانية حانية على عالم الرواية، ويعلي من قيمة الإنسان الذي مازالت أحاسيسه تهفو إلى كلمة جميلة، ونظرة ملؤها الشوق والحب والمودة. إنها حاجة الإنسان الداخلية التي لا تشبعها العوامل المادية الخارجية مهما بلغت ثراؤها وإدهاشها للمتعاملين معها، لذا فقد ركز إريك جوردان كثيرا على عنصر الإلهام وعلى أحاسيس بريندا الداخلية أو الباطنية التي قادتها إلى اكتشاف بعض الحقائق المتعلقة بعملها. تقول لها زميلتها كريستينا في إحدى مراحل البحث: "لا أعرف ماذا كنا سنفعل بدونك بريندا، أنت وشعورك الباطني؟".
غير أننا نستطيع أن نتساءل ونحن نضع القلم، هل حققت رواية "العملية هيبرون" فكرة عولمة الرواية؟ إن أحداث الرواية ـ كما رأينا ـ تدور في كثير من دول العالم شرقه، وغربه، كما أنها تقوم على فكرة اهتز لها العالم، وهي محاولة تصعيد العميل الإسرائيلي ليتولى شئون أكبر بلد في العالم، كما أن الأدوات المساعدة المستخدمة في الرواية لدى كل الأطراف، مثل: أجهزة الكمبيوتر وشبكة الإنترنت، والطائرات التي تجوب العالم ذهابا وإيابا، والأقمار الصناعية المزروعة في السماء، ومحطات التلفزيون العالمية، ومصانع الأسلحة الضخمة، وشركات التجارة العالمية، ومنتجاتها العابرة للقارات .. الخ، يخلق إحساسا أن عالم هذه الرواية لا يخص الولايات المتحدة الأمريكية، ولكنه يخص العالم كله، ومن هنا تأتي عولمة هذه الرواية، أو على الأقل محاولة أن يكون العالم كله عالمها.