Home
ركن الأدب

قراءة في قصيدة "لا ندعي ورعا بالموسيقى" لموسى حوامدة


 

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
بحث

 


جعفر حسن - ناقد بحريني


اليوم نلتقي حيث يعبق الشعر برائحة المنفى، واشتياق الوطن، بوابات السماء التي تفتح لجناح يمام، قيامته قبل القيامة، أو سفر في معالم الأساطير حتى يستدير العالم جهة القلب، حين يدق مثل طبول الزولو، لرقص أخاف الظلام، بينما الكائن يغرق في ألم شفيف، من الذات، من نهج الطين الأوحد، لقارعة تحيل الروح وعاء لكل الأرواح، من مجد قوس الذات، يبتدئ حتى استدارته الأخيرة، ككل حفل مرت عليه أفراح الموسيقى و ألامها، جنّاتها وأتراحها، وفيضها الذي لا يستكين، للأخر وهو يستبيح الذات كجيوش الفاتحين، لجنيات الحب، وهن يسكن الأرض، يزرعن الأمل إلى حين.

هو الكائن (موسى حوامدة) في قصيدته "لا ندعي ورعا في الموسيقى" التي ألقاها في مهرجان جرش من مجموعته الجديدة "سلالتي الريح وعنواني المطر"([1][1])، وقد حمل الديوان عنوان قصيدة من قصائده التي وردت كخاتمة لنهاية القصيدة ذاتها، ونجد انه أمر يلجأ إليه شعراء العربية المعاصرون، كما يلجأ إليه القصاصون وحتى الروائيين بتسمية القصة أو الرواية بأحد فصولها، فكأنه تقليد من تقاليد الفن ذاته.

يرمينا الشاعر موسى حوامدة في هذه القصيدة منذ البدء بغلالة التأويل الذي يشير إلى (نحن) المتكلمين الذين لا ندعي، ولسنا نعرف من هم أولئك الذين لا يدعون ورعا في الموسيقى، ولنا أن نبحر في تلك الحالة الصوفية التي تدعي الورع، أو ربما حالة من الانقطاع عن العالم من أجل إدراك تجليات الروح التي تشف كلما وهن البدن وتضاءلت حرارة أشواقه، أضاءت مصابيح الروح، لتتملك الكلي الشامل في حفنة الطين، الورع هو التحرج، الكف عن المحارم، كما استعير للكف عن المباح من أمور الدنيا، فما الذي لا تتورع عنه الموسيقى، هل هي حالة التطريب، أم بث الحزن، أم تلك المشاعر الفياضة التي تصبها الموسيقى في فضاء روح المتلقي؟

وكذلك يفضي الإهداء "إلى عبير وعنها" فمن هي عبير، ولماذا تكون القصيدة عنها، هي من موسى ولكنها ليست عنه، ويكفي، ولكنها عن عبير أيضا وإليها، هل عبير هي الوطن الحلم الذي تشف عنه القصيدة؟ أم هي المعادل له (المرأة ـ الوطن)، كذلك هو نهج الشعر عندما تستطير به نوازعه ليلامس كل الأرواح، فهل هي المقصودة بـ.

" أنْحَني لمليكتي
أجلسُ بين عينيها ونشوةِ البنفسج
تصيخُ الطرقاتُ سمعاً لمُناجاةِ القُرنفل
ترتوي شفتايَ من حليبٍ قديمٍ قديمْ،
تحت داليةِ السماء
يجلسُ إلهٌ صغير
يديرُ خَمرةَ الحُبِّ لوجهِ الجِناية."


تبتدئ القصيدة من فعل الذات التي تجل الفضاء، ولكنها لا تجله من اجله، وإنما من اجل الحمام الذي يحلق فيه، الحمام يحيل إلى تلك الحمامة التي اشتعلت في مرموزات التاريخ باعتبارها رسول السلام، منذ أن أطلقها نوح لتأتي بخبر نهاية الطوفان عبر غص زيتون اخضر، وهي أيضا رمز الحرية التي يشكلها الطائر، في غزل غريب مع حلم الإنسان بالطيران، باعتباره أفق الحرية الذي لا يحد، ولذا يطل الشاعر نهارا من مواعيد ونبذ، ويمرر جسده من خاتم الغيم، والغيم لا خاتم له لكن الإنسان هو الذي يمتلك الخاتم، وفعل الإحلال هنا هو الذي يخلق الصورة الفنية، ليمتلئ قبل الشاعر بالغزل، وينبثق الفعل المضارع (أجل، أطل، أمرر، يشنف، أدير، تعود، تحيط، تقيم) في فاعلية الذات التي تحيل العالم إلى طلقة في بيت النار، فاعلية من اجل الشاعر الذي يسخر عناصر الوجود ليكون, يمارس الشاعر دور ساحر القبيلة في فعل المضارعة التي تحيل العالم إلى كائنات مداهنة لروح الشاعر، يتملكها عبر ترتيب عناصرها من جديد من خلال فعل القول.

لا ندَّعي وَرَعاً في المُوسيقى
"إلى عبير وعنها"

أجلُّ الفضاءَ لوجهِ الحَمامْ
أطلُّ نهاراً من مواعيدَ ونبيذ
أمرِّرُ جسدي من خاتَمِ الغيم
يُشنِّفُ قلبي الغَزَلْ
أديرُ رأسَ الرجاءِ الصالح
إلى جهةِ القلبِ
هنا؛
تعودُ أفريقيا شهيةًً مثلَ قرعِ طُبولِ الزولو،
تَمائمُ السِحرِ تُحيطُ جِيْدَ الغزالة،
ترانيمُ الغروبِ
تقيمُ في بيت النار.

بينما ينتقل بالفعل المضارع ليكون فعل الاستلاب الذي تقوم به الأشياء باعتبارها كونا مضادا لهجس الشاعر(يسرع، تصيخ، يجلس، يدير، تحط، تختفي) ثم يعاود تملك الوجود بذات الفعل المضارع (انحني، أجلس، ترتوي، أجيل، أحس)، ليذوب الشاعر في ذلك الصراع بين الذات وعناصر الوجود التي لا تنصاع، ولكنها تلبسه الحالة الكلية لأنا الجماعة.

الطوطمُ الأزليُّ يُسرعُ في رَحْم الفكرة
أنْحَني لمليكتي
أجلسُ بين عينيها ونشوةِ البنفسج
تصيخُ الطرقاتُ سمعاً لمُناجاةِ القُرنفل
ترتوي شفتايَ من حليبٍ قديمٍ قديمْ،
تحت داليةِ السماء
يجلسُ إلهٌ صغير
يديرُ خَمرةَ الحُبِّ لوجهِ الجِناية.

أمامَ عزلتي
تحطُّ أسرابُ الطيور
ثم تختفي
...
أُجيلُ بَصري بحثاً عن الصورة
تختفي المدينةُ أيضاً،
...
أُحسُّ خَفقاناً في صدري
ريشَ طيورٍ على قميصي.

يتحول فعل المضارعة (نسكن) إلى صيغة الفعل المستقبلية (سوف نسكن) ثم يرتد إلى استخدام الفعل الماضي (تبخر) ليعود الفعل المضارع حاكما لنهج الذات (تحضر) لتقرر في فعل المضارعة ما تكون، تلك الذات الكلية التي تتلبس الشاعر(نفر، ندعي، نسعى) لتقبض الذات الكلية على العالم حتى تليق قامة الجبال بقبضة اليد، وثم ينبثق الفعل في صيغته المستقبلية مشيرا إلى الأخر (حاجب آخر ملوك بني إسرائيل) بصيغة (سيدرك)، ولعلها إشارة إلى الإيمان المسيحي الذي يقول بأن عودة المسيح لا تأتي إلا بقيام دولة إسرائيل بشكل شامل.

ولعلنا نلمس في بنية القصيدة ميل الشاعر لتكرار الكلمات في بشكل كبير (ضد،ضد،ضد)،(لسنا، ليس، ليس، لا، لا، نفر، نفر، لا ،لا،ندعي، ندعي، كل، كل، كل، سيدرك، سيدرك.. الخ) لبناء الحالة وتأكيدها ثم الانطلاق إلى النقيض مباشرة في بناء القصيدة، ويبدو أنه ملمح قائم في الديوان ككل، وبالتالي يستبان منه شكل القصيدة بنيويا عند الشاعر :

نَسْكُنُ؟
سوفَ نَسكنُ
في قصيدةٍ جَبليةٍ
فوقَ شُرفةٍ من جبال عمّان
في حارة من حاراتِ مكة
زقاقٍ من أزقة استانبول
جادةٍ من جادات الحي اللاتيني.

سرابُ المَعْنى تَبَخرَ من حُباب الكأس
تجيءُ كابولُ في رِغوةِ القول
تحضرُ سمرقند مرصعةً بالأرجوان
وتلك المسافاتُ التي وَصَلتْها خيولُ الفاتحين،
نحنُ ضدَّ القتل
ضدَّ ترهيبِ الكائنات
ضدَّ قطعِ رؤوسِ الأزهار
لكنَّنا نستمتعُ بزَهْو الحكايات
نستلذُّ بوصولِ عباراتِ الجزيرةِ أقاصي الكلام.

لسنا محرومينَ من صَهيلِ الماضي
غيرَ أنَّ مجدَنا ليسَ مُسيَّساً
غرامَنا ليسَ باطلاً
حكمَتنا بسيطةٌ جداً
ولذا نَفرُّ إلى سلاطين نجد
أو ملوك الصين
نفرُّ إلى خلفاء بَني أُمية
أو بابا الفاتيكان
لا ندّعي ورعاً في الموسيقى
لا ندّعي رسالةً في الزهد
نسعى لتوضيبِ قامةِ الجبال
لتليقَ بقبضةِ اليد.

أنا التي تعبر عن الذات في فعلها، نحن التي تعبر عن هجس المجموع الذي يتملك الشاعر ويمتد ليتملى في وجه العالم، هو العدو الذي سيدرك بفعل الحقيقة، التي تعبر عن موقف الشاعر، عند التأمل في بناء الجيوش التي تقوم على فعل قتل الأخر، التدمير، الحاضر والمؤجل لكل فاعلية للذات البشرية التي تعتبر معادية للوجود، تلك التي لا تعمر، وإنما تكتنز بآلة الموت من اجل الدمار، القتل، التخريب باسم الشرعية التي تنبثق من القوة، والتي تأخذ شكل الحق، دون حق، بينما فعل الإدراك ذاك سيشمل الملك حتى الحاجب، الأكبر والأصغر في كيان بين إسرائيل.

سيدركُ آخرُ ملوكِ بني إسرائيل
أن الجيوشَ لا تُعمِّر أرضاً
ولا تحمي بنفسجةً،
سيدركُ حاجبُ آخرِ ملوكِ بني إسرائيل؛
أن القيامةَ لن تقومَ لتخطفَ المدينةَ من نَصائحها
وتجرفَ بيوتَ النَحلِ من عَسلِ الشفاء.

لتعود الذات الشاعرة في بناء العالم من جديد حين يحمل الشاعر وجه الشمس في حقيبة الليل ويفتح عروة البهجة، ليتحكم في فعل الفتح والإغلاق بتضاد الفعل تتحكم الذات في العالم، كي تضع سدا بين انغلاق الطين في دكانة وجودة المحكومة بالبهجة والنشوة، بينما تبقى الكائنات النورانية محصورة، لا تدرك تلك النشوة التي يتفرد بها الكائن البشري.

أحملُ وجهَ الشمسِ في حقيبة الليل
أفتحُ عُروةَ البهجة
أفتحُ، وأقفلُ،
أقفلُ
كي لا تدركَ الملائكةُ نشوةَ الطين.

لتعاود الذات الكلية في الظهور المعبرة عن أل نحن، تلك الذات الكلية التي تستغني عن عالم مضاد بفضيلة الاستغناء، بالكتب القديمة، ونقوش الحجر فوق خد النهار، في صيغة مستقبلية تستبشر بالاتي الذي يشير إلى الربيع وهو يفتح بستان الأمل ويسكب خمرة الاندهاش في حضرة شياطين النعاس، انه غناء بالإنسانية المنفتحة على المستقبل.

سَنَحتفي بفضيلةِ الاستغناء
بالكُتبِ القَديمةِ
ونقوشِ الحَجَرِ
فوقَ خَدِِّ النهار
سَنحتفي بالربيع
وهو يفتحُ بستانَ الأمل
ويسكبُ خَمرةَ الاندهاش
في حضرةِ شَياطين النُعاس.

هكذا هي القصيد في بنائها لا تستغني عن ثلاثية الذات، أل نحن، والأخر، (المضارع، الماضي، المستقبل) الذات التي تمور بنحن، الذات وال نحن ضد على الأخر، رغم النزوع الهائل للذات للحفاظ على مسافتها المتروكة بينها وبين الجماعة، إلا أن الذات تعلو بنحن إلى فضاء العالم، الذات تسعى في فعلها المضارع لتغيير العالم عبر تملكه في صيغة المستقبل، ونحن في متاهتها التي يتبرأ منها النبيون، التابعون الذين لم يروا، تعبر عن الفعل الماضي الحابس لنحن في أفق لا يغادر إلا بصيغة المستقبل. مع أن فعل الأمر في اللغة هو في ذاته فعل مستقبلي إذ انه بالأمر يطلب تحققه، ولو كان متحققا لم يطلب، إلا أن دخول السين على الفعل المضارع يوجد صيغة مستقبلية مغايرة لفعل الأمر(سيفعل)، تحرك الذات الكلية نحو مستقبل مشرق، لكنه غير متحقق، تؤكده الحقيقة الباهرة، المكتنزة بالفرح، بالجنة الموعودة، وهي ذاتها التي تحكم الأخر الضد، الذي سيدرك عبر الفعل المستقبلي، الحقيقة بأنها تؤكد انحساره، وبأن جريمته المحبوسة في الفعل الماضي بالغواية تصنع توابل الموت.

أغوانا الزَّبَد
كلُّ ما طافَ فوق الجريمةِ تقلَّصَ في صُنعِ تَوابلَ للموت
كلُّ ما تَناهى إلى سَمع الزيزفون؛
أنَّ نَبياً عانقَ الخضرةَ ولمْ يَحتملْ سَفاهةَ التابعين،
كلُّ ما تَراءى للصبيِّ
نورٌ تَساقطَ في قصور المعاني.

يظل الشاعر مشغولا بإشارات متعددة تبيح للمتلقي أن يستطير معها نحو ما يرفد ذاكرته (نبيا عانق الخضرة) تشير إلى الخضر، وانتبذت، تشير إلى مريم التي بحضورها من أفق القرآن الكريم تشير بالضرورة إلى ابنها النبي، ومنها إلى بيت لحم، وكذلك الإشارة إلى الصليب، لكن الذات وهي تتفاعل مع تاريخها، وهي الذات الشاعرة، تقوم بإعادة ترتيب أوراق الأرض، وهي ترسم لها أسطورة الأتي الذي لم يقم بعد بتحرير الأرض من سيطرة نشيد الأناشيد في العهد القديم، وهي الإشارة الوارفة لبني صهيون وتحرير الأرض منهم، ليدنوا الشاعر من ولع الكلمات بين يدي الحقول ليزرع جنيات الحرية في الأرض، أو ليبقى شعاع منها.

طارَ مني شرٌ قديم
طارَ من رأسي وجعُ التاريخ
وانتبذتُ روحاً خفية
حَمَلتني إلى بيت لحم
هناكَ جانبَ المَذْوَد،
وَجدتُ صَليبي في غُصنٍ لم يَيْبَسْ
قمتُ لترتيبِ الأسطورة
وجدتُ الهواءَ يَلعبُ بشعر الفتى.

المقدسُ
نارُ الغواية
بعدَ حُلولِ الرماد.

سَأَقول؛
ما لم يُسْعفني البعيدُْ
سأحرِّرُ الزمانَ
من نَشيدِ الأناشيد.

أدْنو من وَلَعِ الكلمات
أجثو بينَ يديّ الحقول
أَزرعُ قليلاً من جينات الهواء
لتحتفظَ الطبيعةُ بشعاعٍ منها.


 © Arab World Books