Home
ركن الأدب

فضاءات الأمل والألم في ديوان غربة أخرى


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
رأى وكتاب
سجل الزوار
استفتاءات

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
خدمات
بحث

 


الكتاب : غربة أخرى للشاعر محمد جابر النبهان
عرض :
عبد الحكيم نديم


مساء ثقيل على اول النهر
حارس ابكم في الحدود
صراع الجيوش على ضفتَي جرحنا
شاعرٌ خائنٌ
فاتحٌ قادمٌ من مكان قصيّ
صورة في جدار عظيم
تحطمُ احلامنا
تحطب العُمر
تهزأ من طينة باردة..


المقطع اعلاه تاوهات احدى قصائد الشاعر محمد جابر النبهان ومن ديوانه الجديد غربة اخرى والصادر عن دار المدى للثقافة والنشر في دمشق2004.

فضمت المجموعة ست عشرة قصيدة. فالشاعر حاول ومن خلال فضاءاته المفعمة بالأمل والألم ان ينقل لنا صورا صادقة وعبر رؤية جديدة لمفهوم الغربة ومغازلة الأرض والحرية بحثا عن معاني الحياة وعن تجليات المسافر في رحلته المصنية التي لا تعرف انتهاء مقترب. فالكلمة لدى النبهان هي الوطن والأم والحبيبة وهي الحرية الممزوجة بالترقب وانتهاء لموسم حصاد الخريف، والتحليق المبكر باتجاه عالم اجمل يسوده الأستقرار والتجديد، والتئام لجروح كوابيس الماضي، فتبقى هذه الآمال كرؤية مؤجلة لحين الأنتهاء تلك الغربة المتوحشة، فلا تعرف متى تحين ساعة اللقاء، ورؤية سماء المدينة زرقاء صافية تزينها الشمس ولا تعكرها عواصف الحروب،في ساعة اللقاءعندها تضوع المدينة المبهرة بالذكريات الجميلة وتعبق بانفاس الحب الدائم مع شئ من الماضي الجميل حيث التوقف عند سطور مذكرات اول حلم طموح من دون التعثر بمطبات الوهم والحنين لكتابات جدرايات المدرسة الأبتدائية الوحيدة المشيدة بتعب حلم الأجداد.
متذكرا الحارة القديمة حيث موطن اولى علامات المشاكسة مع الكلمات وتقليد قصائد الكبار، وفي المساء مع بدء مشوار التجوال على ارصفة الحلم، وقطع الطريق مع اقران المدرسة عن غرباء المدينة، وتزيين جدران الأزقة بتخطيطات الوجوه المالوفة من كتب الذات، كوجه نبيَ لا يعرف الشكوى، او عندمايؤرخ تعب الوجه لواحة من الزهور المشرقة بالأبتسامة، او نظرات قديس مجهول ُيكفّر في صومعة الوجد،عن خطاياالكبار مع انتهاء آخر ذؤابة الشموعالمنتحرة.
فنلاحظ تفاصيل تلك الحوارية الموجعة في قصيدتة المهداة الى زميله فهد المطيري جاعلا من تلك القصيدة لوحة من الذكريات ليرجع صدى صوته البعيد في كلمات تقطر دفئا وحنينا لربوع الوطن بعد سنين البعد، وانين الغربة وضياع الرسائل المزدحمةبالتساؤل في محطات الوداع بين حقائب المسافرين، واشياء جميلة اخرى وبقايا اسئلةمدهشة تنتظرالرد.


تركت على مسائك دمعة
وحزمت اوراقي
واشيائي الصغيرة
والسنين البعد
صوتي في صداك
صداك في صوتك
وأسئلة القصيدة......


ويمضي النبهان في تكرار اسئلته عبرفضاء القصيدة هامسا باذن الزمن العابر، وبما فعلته الغربة له من عذاب وانقطاع قسري عن منبت الوطن، حيث ماوى الروح وبدايات التكوين.



واشعلني بداؤك
واشعلني..
أسافر حاملاً اسمي واسمك
في العبور الصعب
عليَّ
اهرب صوتك الدافئ ـ صداي ـ
صداك في صوتي....

وصولا لموازات العذاب، ولحين اطلالة الدمعة العصّية على تناثر الأوراق، وفوق الأشياء المنسية في ذلك المساء الصعب.فلمَ لا ؟ انه يكتم وجعه وغربته بين ثنايا قصائده التي تتوق للقادم، كانسان وشاعر معبرا عن حالات انسانية مدهشة، لكيلا يموت في غربته بداء الصمت، والشاعرهوقبل كل شيء انسان ويمر بازمات عاصفة و كما شخصه د. نبيل راغب في كتابه كيف تصبح اديبا.؟انه (انسان يشارك الناس عواطفهم وافكارهم المميزة لهم، وقصائده التي تجسّد هذه العواطف والأفكار لا تخلد بوجودها الزاخر بالحياة،فاذ الشاعر يُعبر عنها ويجسدها في بلاغة نادرة ومقدرة متدفقة آخذة، وربما تعلّم الناس من قصيدة حب حقيقة حبهم.).
وفي نفس الوقت يسعى جاهدا الى ايقاظ الخيال الخامل حسب قول د. نبيل راغب (مستعينا على ذلك بجمل الأصوات وتناغمها بالأضافة الى قدرة الكلمات على الأيحاء والأفكار).

فالشاعر ايضاوكما يصفه الناقد جورج سانتيانا( صانع للكلمات اساسا) والشاعر النبهان هنا صائغ بارع للكلمات وفنان جيد في اقتناص اللقطات التصويرية في منتهى الدقة والحيوية، ضمن اطار رؤية شعرية خال من الضياع، اوالأنزواءوراء الصور الضبابية المشوشة، وتحت مسميات الحداثة ومحاكاة الصياغة الغربية في كتابة الشعر.والعبرة ليس فقط في امتلاك ناصية اللغة واتقان الاعيبها التقنية كما نوه لذلك د. صلاح فضل آنفا في كتابه تحولات الشعرية العربية لوظيفة لغة الشعر بانها( لا يمكن ان تنحصر في انكفاء اللغة على ذاتها او تاملها لمفاتنها واحتفائها بالاعيبها التقنية الجميلة). بل تبدوذلك في مدى قدرة الشاعرعلى تطويع اللغة في المفردات الشعرية الرصينة،مع مراعاةحسن استخدام ادواته الشعرية في تحويل ارضية الشعر الى اكتشاف والبحث عن المعاني الجديدة في كتابة الشعر.فالشعر هو اكتشاف لغة لم تكن مالوفة وهذا ما سطره الأستاذ خالد الخزرجي لدى تقديمه لقصائد الشاعر حازم القرطاجيني( بان الشعر هو اكتشاف لغة وسبر اغوار جديدة لم تكن مالوفة لدى السامع او القارئ لغة شفافة في ثياب عصرية ليست عسيرة على الفهم ولا يسيرة على اي احد).ومنوها لدور الشاعر من خلال قوله الشعر بانه (يبسط ولا يقرر، وهو يلّح ولا يوضح،لان الشعر ايحاءٌ للنفس وايماءٌٌ الى الأشياء).


فلنعاين بكل هدوءالبوم تلك الصور الرقيقة، واللغة الشفافة الموحية بالمعاني والأفكار في ثنايا قصيدته ( في الزحام ... ولا أحد.).


شارعٌ لا يؤدي الى البحر
مرّ النهار.
مرليلٌ...
وأيامنا هكذاـ
صورةٌ فوقَ صمت الجدار.

*
الظهيرةُ
في ساعة الضجر اللانهائي
شمس تموز،
صاحبتي،
وأنا ندخلُ المعركة.

*
يقضم الوقت اجسادنا
فوق سفح الغروب
ثم ينكش اسنانه
وينام.
فيتنقل النبهان بين تلك المشاهد والمواقف المؤلمة لكي يعيشكل ايامه للحب والحرية ولو للحظات
مناديا اصدقائه في ذلك الزحام... قبل دنو الكوارث للمملكة عشقهم ثانية ولا احد!..

يتركون مصائبهم
فوق طاولةً نائية
علّهم يشبعون.
ليس ثمّ صديق ..
في الزحام تعانقه عزلة باردة.
لا احد .. في الزحام!

مع بقاء تواصله الروحي للأرض والأنسان، مناشدا اصحاب الضمائر النقية المدافعةللقضايا الأنسانية في كل مكان، حيث شراكة الناس في الموروث الحضاري تحت مظلة الدفاع عن حقوق البشرية جمعاء دون تمييز بينهم بسبب معتقدهم اولونهم او لغتهم او عرقهم، والأصرار على التخاطب بابجدية انسانية واحدة بعيدا عن لغة التهديد وممارسة الضغوط باسم الحفاظ على الموروث القديم. فنرى الشاعرهنا كيف يصور لنا تلك اللحظات الهاربة والقلقة لقلب هارب من طوارق الليل، والريح تعصف كل مكان في قصيدة الريح وخوف الهارب في الليل.


الريحُ وخوف الهارب في الليل
أيا كلّ العُشّاق
ماذا أبقيتَ لمريمَ غير الجوع وهذا السّكرُ بغينيين سماوّيين
أتهرب؟!
هل تكشف ظهراً عار
تشرغُ أبوابكَ للريح
.........................
لغينيين صغيرين يجسان طفولتك البيضاء
ولا صاحب
لا امرأةٌ
لا شيء يشدّكَ للخلف
تشيّدُ وهماً من وطن الرّحل
من حدو نشيدهم الغازي
كي ترحلَ أبعدَ من هجرات القيظ
ومن وطن يشتعلُ.

ويستمر في تاويل الأحداث واثارة العديد من المواضيع ذات المضامين الأنسانية والتساؤلات، ومنهالماذا نقرأالتاريخ قراءة فوقية.؟ ونقفزدائما فوق الأخطاء، ونتستر على الفشل،ونعلقها على شماعة الآخرين، ولا نعترف بتصحيح المسار الخاطئ قبل ان نواجه مأساة اخرى وكوارث مدمرة من صنع جنون عظمة بعض من يعتبرون ذاتهم وهما بانهم قادة عظماء لا يخطئون، ولا يمكن لأحد مساءلتهم يوما ما حتى بعد اخطائهم القاتلة وهكذا تبقىالأجيال تدفع فواتير اخطاء بعض من توهموا بانهم صنعوا تاريخ خالدا ولم يدر في خلدهم بانهم لم يمجدوا غيرسراب من العاطفة،اما لنا ان نصيغها من جديد؟.


في الزمن الموحش
تنكسر سماء الرغبة
هل تفضح رائحة الظل خبايا السّر؟
وهل كانَ التاريخُ مًزوّر؟
..............
.................
من عمق الأرض
لتسقط في الأرض نظيفاً من كلّ الأوزار
فلا تملكُ الاّ ان تبقى وزرا
يا سراً ..يا سراً
الريح تدّلُ الروحَ
تدّكُ الرّوحَ
ويحتل فضاؤكَ بارودُ الحرب
... أثانيةً تنكسرُ؟
...............................
فهناكَ زمانٌ..
خلفَ الزمن/ القمع/ السّكر الأميّ
نقاؤك ما بينَ نقيض الرؤية والرؤيل..
.............. ..............


ختاما وبعد سياحتنا السريعة بين جنائن الشاعر محمد جابر النبهان غربة اخرى والتمتع بامواج بحر خياله العميقة والزاخرة بالعديد من الصور والمشاهد ذات التفاصيل الغير المملة، وتفسير حلمه المدهش بالعودة الى ارض الوطن، وتصفح البوم ذكريات الطفولة.واللقاء بالأحبة في يوم لا وداع بعده ، فغربة اخرى تحتاج لاكثر من وقفة ومراجعة نقدية واستكشاف جوانبها الأبداعية من حيث اللغةالمتسمة بالوضوح والسلاسة،وجديرة بان يلتفت اليها المختصين في مجال النقد، وبيان ملاحظاتهم النقدية كمجموعة شعرية جديدة مكتضة بالتساؤل، وتصنيفها من ضمن النصوص الراقية لتوفر عناصر الشعر الراقي فيها لأن الشعر الراقي حسب شهادة د. محمد مفتاح في دراسته لدينامية النص تنظير وايجاز بانه( الشعر الحق اذن ليس صوتا او حرفا او رسما رديئا او معجما او استغلالا لفضاء وانما هو كل ذلك لا يمكن تفضيل احد العناصر فيه على الأخرى).
فبعد تلك المراجعة البسيطة لديوان الشاعر محمد جابر النبهان وجدنا العديد من عناصر الرقي في اغلب قصائد ديوانه، فنتمنى ان يتحفنا بقصائد اخرى مع الأخذ بملاحظات المعنيين في مجال النقد، فنتوسم له مستقبلا شعريازاهراً ومكانا في انطولوجيا الشعر العربي كشاعر مبدع وذا صوت لا يمكن تجاوزه او تجاهله في المشهد الشعري العربي الحديث فديوان النبهان الجديد جدير بلا انحياز بالثناء والتقدير.


الهوامش:

1ـ غربة أخرى ـ شعر ـ محمد جابر النبهان 2004ط دار المدى للثقافة والنشر .
2ـ كيف تصبح أديبا د. نبيل راغب الناشر مكتبة الأسرة الهيئة المصريةالعامة للكتاب 2002 . مهرجان القراءة للجميع.
3 ـ د. صلاح فصل ـ تحولات الشعرية العربيةـ مكتبة الأسرة ـ الهيئة المصرية العامةللكتاب2002 مهرجان القراءةللجميع
4 ـ د. محمد مفتاح ـ دينامية النص ( تنظير وانجاز) ط2 المركز الثقافي العربي 1990بيروت .
 

**********************

أول الصفحة


 © Arab World Books