Home
ركن الأدب

"بالحياة.. مع وقف التنفيذ"..


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
خدمات
بحث

 


بقلم : كمال العربي عيسى

أصدر الشاعر الجزائري محمد كاديك مجموعته الشعرية الثانية تحت عنوان "بالحياة مع وقف التنفيذ" في حلة أنيقة وإخراج جميل اختار أن يضع عليه صورته الشخصية وراء ضباب كثيف يمنع رؤيتها، وشمعة تضيء موات "الحياة" التي ظهرت على الصفحة الأولى من الغلاف مهشمة من هول ما أحاط بها من ظروف تعبر بحق عن الحكم الكبير .."بالحياة..." الذي بقي موقوف التنفيذ..

المجموعة جاءت في أكثر من 100 صفحة من القطع المتوسط، واختار الشاعر أن يفتتحها بقصيدة رفعها لابنه أفلح في يوم مولده، ثم فسح المجال للجزائر التي تملأ عليه كيانه كي يهنئها بـ"وئام"، لتبدأ رحلة الحياة بين سطور "بالحياة مع وقف التنفيذ"..

كلمات بسيطة تعانق عمق المعاني، وقصائد أنيقة تحمل هموما ثقالا وتسافر إلى وطن أجمل وأكرم، وأحلامه أرقّ من "بوح الحمام" وأحلى من "الورد والسكر"...لعل هذه خلاصة لمجموعة كاديك الجديدة التي جعل منها ثورة متأججة وأملا محلّق، خاصة وأن شاعرنا يعرف كيف يقنع من يقع في أحابيل قصيدته بالجدّ ساعة الجدّ، وبالهزل ساعة تبلغ المأساة المنتهى، ولا يجد ما يقابلها به غير ضحكة تتفجر من القلب شعرا، وتتحول إلى روائع تنضح بكبرياء الجزائري..

الشاعر محمد كاديك، ذلك القادم من ذُرَى التيطري الأشمّ ليكون لسان البسطاء ويحمل رايتهم وينتصر لهم شاعرا وناثرا وصحفيا، ويجعل هاجسه الأوحد وطنا يريده أن يعود من منافي الشقاء..

وكان لتصاريف الأقدار لمستها في قصائد مجموعة "بالحياة مع وقف التنفيذ"، فقد صاغ الشاعر قصائدها وهو يقابل في ريعان الشعر جزائر حزينة اقتنصتها يد الإرهاب الأعمى، ولجّت بها في دهاليز مظلمة، لتمحو قطرة ندى حطّت على وجنة وردة، وتغتصب بسمة غراء ارتسمت على وجه طفل بريء، فيلقي كاديك حياته وراء ظهره، ويتصدى للظلامية الحمقاء بجريدة يخصّصها للأطفال، ويطلق عليها اسم "سواسن" لتكون انطلاقة جديدة لأمل أكبر تؤسس له ملائكة الجزائر، ويبقى الشاعر في أعماق كاديك دائم الثورة غير مبال بالأخطار المحدقة مع رائعة "وسام" ليصور بشاعة الإرهاب ويبكي بحرقة على "وسام شرقي" تلك الفتاة البليدية الصغيرة التي فجرها الإرهابيون بقنبلة استهدفوا بها إكماليتها ذات رمضان، فاستشهدت واختارت رحاب رحمة الله صائمة، لتتحوّل في قصيدة محمد كاديك إلى رمز لكل الأطفال الذين يتفجرون كي يُرضي الكبار مطامحهم الصغيرة.
لقد تفجّر كاديك آلاف المرات مع وسام، وما زالت آهات آلامه تتصاعد من قصيدته الحزينة وهو يقول:

أَرْجُوكِ يَا وِسَامْ..
لاَ تَلْمَسِي وُرُودَنَا
فَإِنَّهَا مُلَغَّمَه
لاَ تَقْرَبِي بَسْمَتَنَا فَإِنَّهَا مُلَغَّمَه
لاَ تَقْرَئِي جَرِيدَةً
لاَ تَحْمِلِي محْبَرَةً
وَرِيشَةً مِنْ صُنْعِنَا..
لاَ تَحْمِلِيهَا.. إِنَّهَا مُلَغَّمَه..

ويواصل الشاعر الحزين تصوير المأساة التي أحاطت بالجزائريين قائلا:
وِسَامُ إِنَّ أَرْضَنَا..
ضَيِّقَةٌ.. ضَيِّقَةٌ.. وَإِنَّهَا تَخْنُقُنَا
شَوَارِعٌ مُلَغَّمَه..
وَأَنْجُمٌ مُلَغَّمَه..
وَرَاءَ كُلِّ صَخْرَةٍ.. مُنَظَّمَه..
وَفَوْقَ كُلِّ صَخْرَةٍ.. مُنَظَّمَه..
وَتَحْتَ كُلِّ صَخْرَةٍ..
أَفْكَارُنَا.. أَحْلاَمُنَا..آمَالُنَا..
أَضْلُعُنَا مُحَطَّمَه..

وهكذا تسجن الطفولة وسط حشد من التعليمات التي ينبغي احترامها، لا تلمسي وردة، لا تقربي بسمة، لا تأمني نظرة، هو الحصار الذي كان الشاعر يعيشه في أعمق دواخل نفسه، ليفجره في قصيدة "تراتيل على هامش حياة" وهو يخاطب زميلا له خرج اسمه في القرعة كي يتولى إحضار ما يحتاجه أصدقاؤه من الخارج أين يمكن أن يلقى حتفه.

لاَ.. لاَ تَسِرْ فَوْقَ الرَّصِيفِ
حَذَارِ أَنْ تَمْشِي عَلَى ذَاكَ الرَّصِيفْ
اَلْيَوْمَ فَارَقَنَا صِحَافِيٌّ.. وَجُنْدِيٌّ.. وَشُرْطِيٌّ.. وَطِفْلْ..
اُحْسُبْ خُطَاكَ وَسِرْ كَمِثْلِ الظِّلِّ..
عُدْ.. نَرْجُوكَ أَلاَّ..
لاَ تَسِرْ
اَلْمَوْتُ حَولََكَ لاَ تَسِرْ..
اَلْمَوْتُ خَلْفَكَ يَحْتَوِيكَ فَلاَ تَسِرْ..

وَرَصَاصَةُ الإِرْهَابِ في شَوْقٍ إِلَيْكَ..
فَلاَ تَسِرْ..

ويتملك الخوف القاتل قلوب الجميع، حتى تصبح النجاة نوعا من الموت، لأنها ليست غير تأجيل مرّ لواقع حتمي قد يكون أشدّ من الموت، ولكن كاديك يتشبث بالحياة، ويدافع عن الطفل الذي يسكنه، لأن أقسى الموت ـ كما يقول ـ هو أن يموت الطفل فيك، لذلك ينشد للطفولة ويغني لها ويهديها مجموعة "ورد وسكر" ويرفعها للرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي "عاهد فوفى، ورسم البسمة شفافة على شفاه الأبرياء من ورود الوطن" بما أسّس له من الوئام ليعود بالوطن من المنفى وينشد له الأطفال بصوت واحد:

نريد السلام.. نريد السلام
ولا نبتغي غير عيش الكرام
كمثل الورود كمثل العصافير
نعلو ونسبح فوق الغمام
أناشيدنا ياسمين وفلّ
وأنغامهن هديل الحمام
نحب الفراشات نهوى الربيع
ونهوى الحكايات وقت المنام
نريد الحياة بحضن الوئام
نريد السلام.. نريد السلام

وينشد محمد كاديك للجزائر لأن الإرهابيين لم يتمكنوا من الطفل الذي يسكنه، ولكن فرحة الطفل وعبثه بالأشياء وقفزه وجريه وقصته التي ألّفها للأميرة والأمير على حصان من قصب ورحلته الطويلة على الأرجوحة، كل هذا يتوازى في فؤاد الشاعر المرهف مع حزن عميق يعيشه في يومياته بروح دائم الاضطراب لا يرضى إلا بالكمال.. ذلك الحلم البعيد المنال، فيبكي بكاء مرّا مع الحمام، إذ لا أحد في الوجود يمكن أن يرسم لهفة قلب شاعر مثل نوح حمامة جريحة.

نَوْحُ الحَمَائِمِ لِي فِي بَوْحِهِ صُوَرُ
وَلِي فُؤَادٌ عَلَى الكِتْمَانِ يَصْطَبِرُ
وَكَمْ أَذُودُ عَنِ الأَحْزَانِ قَافِيَتِي
لَكِنَّهَا تَشْتَهِي الْعِصْـيَان تَسْتَعِرُ
كَانَ الْهَوَى يَوْمَ لاَ شَمْسٌ وَلاَ وَطَنٌ
فَكَيْفَ يَذْوِي إِذَا الأَنْوَارُ تَزْدَهِرُ
كَانَ الْهَوَى، وَالرَّبِيعُ الغَضُّ يَرْسُمُه
طِفْلاَ عَلَى شَفَتَيْهِ الْوَرْدُ وَالْقَمَرُ
يَا هَذِهِ الأَرْضُ قَدْ تَاهَتْ بِنَا سُبُلٌ
وَرَوَّعَتْنَا لَيَالِي الْحُزْنِ.. تَنْهَمِرُ
فأين المنجى وأيّ السبل أهدى:
فَأَيْنَ يُوسُفُ..هَلْ خَانَتْ سَنَابِلُهُ
وَلَمْ يَفِ الْحُلْمُ بِاليُسْرَى..وَنَنْتَظِرُ
وَأَيْنَ صَالِحُ ..مَا السُّقْيَا لِنَاقَتِهِ
وَالْمَاءُ غَوْرٌ.. وَلاَ عُذْرٌ فَنَعْتَذِرُ
شَحَّتْ سَمَانَا بِرَغْمِ الْغَيْثِ يُغْرِقُنَا
وَالْفَقْرُ يَمْضُغُ مَاءَ الْوَجْهِ.. يَحْتَقِرُ
يَا هَذِهِ الأَرْضُ مَهْلاً لَيْسَ مَوْعِدُنَا
بَأَنْ تَمِيدِي بِنَا.. يَا أَرْضُ لاَ وَزَرُ
يَا هَذِهِ الأَرْضُ لاَ نُوحٌ فَنَقْصِدُهُ
وَلاَ سَفَـائِنُ يَمْحُونَا بِهَا السَّفَــرُ

ويغرق محمد كاديك في خضم يأس قاتل، ويكاد يعلن النهاية حين يقول:

يَا هَذِهِ الأَرْضُ مَاذَا يَحْتَوِي وَجَعِي
وَالأَبْجَدِيَّاتُ خُبْـــزٌ وَالْهَوَى.. سَمَرُ..
اَلشِّعْرُ تَابَ نَصُوحًا، لَمْ يَعُدْ خَطَلاً
إِذَا أَقَامَ صَـــــلاَةَ الْمَدْحِ.. يَعْتَمِرُ
وَلَمْ يَعُدْ مِنْ عُيُوبِ الْقَوْلِ مَغْفِرَةٌ
فَالنَّسْـــــخُ للْمُبْتَدَا يَأْتِي بِهِ الْخَبَرُ
يَا هَذِهِ الأَرْضُ مَاذَا يَحْتَوِي نَدَمِي
خُلِقْتُ رُغْمًا، وَرُغْمًا فَاتَنِي الْعُمُــــرُ

ولكنه يعود بقوة الطفل الذي يسكنه، ليبحث عن الوطن الأجمل من جديد، ويعلن الثورة الأكبر:

فَمَزِّقُوا أَحْرُفِي لاَ تَتْرُكُوا نَغَمًا
لاَ تَتْرُكُوا أَمَلاً يَرْبُو وَيَنْتَصِرُ
ضَعُوا عَلَى ثَلْجِكُمْ أَوْتَارَ ذَاكِرَتِي
وَامْحُوا ابْتِسَامِي مِنَ التَّارِيخِ يَا بَقَرُ
وَاسْتَأْصِلُوا مِنْ فُؤَادِي زُورَ ثَوْرَتِكُمْ
فَإِنَّ لِي ثَوْرَةٌ أُخْرَى هِيَ الْقَدَرُ
أَنَا نَسَائِمُ هَذِي الأَرْضِ تَذْكُرُنِي
وَالْوُدُّ وَالْوَرْدُ وَالرَّيْحَانُ وَالْمَطَرُ

وينتصر الشاعر في الأخير، وانتصار الشاعر ليس غير فتح كبير لقلب ينبض بالوطن، بل هو انتصار الوطن ذاته. ومثلما ينتصر الشاعر في "نوح الحمام"، يصرخ عبر اعترافه الأخير دفاعا عن ذلك الجزائري البسيط الذي لا يعلق أملا على غير الجزائر، وينتقد الوضع بسخرية لاذعة وهو "يعترف" قائلا:

أَنَا لَسْتُ مِنْ صَفْوَةِ الأَنْبِيَاءْ..
وَلَسْتُ مِنَ الأَوْلِيَاءْ..
وَلاَ أَعْرِفُ الزُّهْدَ لاَ أَبْتَغِي جَنَّةَ الْخُلْدِ..
لَسْتُ أُرِيدُ الْبَقَاءْ..
.. وَلاَ هَمَّ لِي.. فَلْسَفَاتُ الْوُجُودِ
وَغَيْرِ الْوُجُودِ.. وَبَعْضِ الْوُجُودِ..
وَلاَ هَمَّ لِي فِي الْغَبَاءْ
وَلَسْتُ أَهُمُّ كَثِيرًا إِذَا كُنْتُ.. أَوْ لَمْ أَكُنْ..
فَأَرْضُكُمُ هِيَ أَرْضُكُمُ..
وَالسَّمَاءُ السَّمَاءْ..
أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ..
فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ تَظُنُّوا الظُّنُونَ
إِذَا النَّصْرُ جَاءْ..
وَبَعْدَ انْتِصَارِي اكْتَشَفْتُمْ..
بِأَنِّي اكْتَفَيْتُ بِخُبْزٍ وَمَــاءْ

ويتواصل "الاعتراف الأخير" بنفس اللهجة مستغلا كل ما يمكنه من الصور كي يقيم الحجّة في الأخير، ويحقق لاعترافه ما يبتغي منه بعبقرية فذة ينبغي أن تنال حظها من الأضواء، لأن كاديك من أولئك الذين يعملون في صمت، ولا يبحثون عن الواجهات والصّدارة، فهو يكتفي بإشفاء غليله من قصيدة يلملم بها كلوم الفؤاد، ويكفكف دمعه بالكلمة الصادقة وكفى.

ومثلما يسكن الطفل فؤاد كاديك، ويعييه الحزن الجامح، تراه ذلك الساخر اللاذع الذي لا يترك شاردة إلا صوّرها وجعل منها قصة مضحكة كما فعل مع صاحبته "المتحضّرة" وهو يقول:

تُرِيدِينَ مِنِّي بُلُوغَ الْحَضَارَه..
.. وَأَنْدُبُ حَظِّيَ فِيكِ
وَأَبْكِي أَظَافِرَكِ الْمُسْتَعَارَه
وَنَعْلاً يَزِيدُكِ طُولاً..
فَأَغْدُو أَمَامَكِ نِصْفَ عِبَارَه
زَرَعْتِ عَلَى وَجْنَتَيْكِ احْمِرَارًا
فَأَطْفَأْتِ فِي مُقْلَتَيَّ النَّضَارَه..
وَشَعْرُكِ سَيِّدَتِي..
شَعْرُكِ الْفَذُّ يُتْقِنُ كُلَّ فُنُونِ الشَّطَارَه
هَذِهِ رَبْطَةٌ كَالحِصَانِ..
.. وَهَذِي اسْتِدَارَه..
هَذِهِ نِصْفُ تَسْرِيحَةٍ تَسْتَحِقُّ اصْفِرَارَه..
تُرِيدِينَ مِنِّي بُلُوغَ الْحَضَارَه
هَلُمِّي إِذَنْ..
سَوْفَ نَفْتَحُ هَذِي الحَضَارَه
وَنُحْرِقُ كُلَّ السَّفَائِنِ نُذْكِي لَهِيبَ الْمَرَارَه..
فَقَطْ.. اُعْذُرِينِي
فَهَذَا اجْتِهَادِي.. سَآتِيكِ تَحْتَ خِمَارٍ..
وَأَرْقُبُكِ مِنْ وَرَاءِ السِّتَارَه..

ومثلما يعيش كاديك الجزائر بكل جوارحه، فإنه يحسّ بالوطن العربي وامتداده إليه، فلا يصمت عن مأساة العراق الأشم، ويوقع قصيدة غراء تحت عنوان "إلى عراق المجد" يقول في مطلعها:

أقبل بجندك منصورا على الوثن
واقمع بعزك أصل البؤس والوهن
لملم شتاتك كفكف دمع أغنيتي
وارو الصباح بماء الورد با وطني..

ويبحث كاديك عن أمل في أفق العراق مثلما رسم الأمل في أفق الجزائر، فبغداد والجزائر أختان في الأخير، والقلب الشاعر لا يمكنه إلا النبض بانتصار الوطن..

.."بالحياة مع وقف التنفيذ".. مجموعة شعرية تستحق القراءة، ولعلها تكون أفقا جديدا للقصيدة العربية الجزائرية.. هذا ما لمسته خلال رحلتي فيها...
 


 © Arab World Books