Home
ركن الأدب

مستويات السرد والفضاء الزمني
في رواية "تفاحة الصحراء"

 
 


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
رأى وكتاب
سجل الزوار
استفتاءات

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

فى أجهزة الإعلام
خدمات
بحث

 

 

الكتاب: تفاحة الصحراء
الكاتب: محمد العشرى
عرض: نورة أحمد المالكي - أكاديمية وناقدة سعودية

اطلعت على مقال للدكتور عادل ضرغام أشار فيه إلى أن أحداث "تفاحة الصحراء" تتوزع في إطارين:
"الإطار الأول يمثل الحدث الأساسي النامي في الرواية، والبطل الأساسي لهذا الإطار هو الجيولوجي (تامر الدكر)، أما الخط الفرعي- فهو إطار الحرب العالمية الثانية وتجربة الحب التي كانت موجودة بين الشخصية الأساسية عبدالرحمن... ودونا ماكسويل".
هذا الاقتباس يتناول في الحقيقة مستويات السرد في رواية محمد العشري "تفاحة الصحراء"، وهي عديدة ولا تقتصر على ما ذكر سابقا. سأوظف هنا نظرية لمايك بال فيما يختص بمستويات السرد وفيها يقسم النص السردي إلى: الحكاية القالب/ الجذر والحكاية المتضمنة. إذن نحن لا نتحدث عن خطوط سردية وإنما عن عوالم ينشأ فيها السرد.

يركز بال على أن النص السردي الذي نطلق عليه مصطلح القالب في العمل الأدبي يكون موضوع نهاية العمل. مبدئياً إذن أتفق مع الدكتور ضرغام على وجود نصين سرديين وإن كنت أختلف معه في تحديد الحكاية التي تقوم بدور القالب والأخرى التي تكون ضمنية. إن حكاية الشيخ عبدالرحمن هي البوتقة التي صهر فيها الروائي حكايا شتى. فالفضاء الزمني الذي تشغله هذه الحكاية يتسع ليضم بين جنباته كل الحكايا الأخرى؛ حكاية الجيولوجي تامر، حكاية البدو وحياة الصحراء، وحكاية الحرب، وحكاية الليبي خالد وحكاية التونسي راغب القابس... إلخ. ولهذه الحكايا الضمنية أغراض متعددة.
فحكاية الجيولوجي تامر مناظرة لحكاية الشيخ عبدالرحمن. فكلا البطلين عاشق؛ الشيخ عبدالرحمن لفتاة غربية والجيولوجي تامر للصيد الصحراوي. وكلاهما أيضا عمل تحت إشراف أجنبي؛ فقد كان الشيخ عبدالرحمن يوفر الأعشاب للجنود الإنجليز إبان الحرب، وتامر بدوره يعمل تحت إشراف أجنبي في البريمة.

وبالمثل فقد اغتصب الأجنبي حياة وآمال كلا البطلين فلم تعد قط دونا ماكسويل، وفقد الجيولوجي تامر اللقب بوقفة عن العمل.
أما حكاية الحرب فقد وجدت لغاية العرض: معلومات وأحداث تتقاطع في بداياتها مع حكاية الشيخ عبدالرحمن وفي تمثلاتها الحاضرة (أي الإشراف الأجنبي في البرّيمة) مع حكاية الجيولوجي تامر. وكأنها تقوم بوظيفة رابط بين النصين السرديين المتناظرين. إلى جانب وظيفتها داخل الفضاء السردي أجد أنها أشبه بمحاولة لإعادة صياغة التاريخ من وجهة نظر أدبية. تتفاوت قوة السرد فيها باختلاف المنهج المستخدم. فمرة يكون السرد تقريرا خبريا وأخرى يكون ممهورا بطريقة تعبير خاصة بهذه الشخصية أو تلك. ففي ص 12 يتحدث الراوي عن الحرب متمثلا وجهة نظر الجيولوجي تامر الدكر. حيث يكون المشهد برمته متخيلا وفيه، مع ذلك، من مصداقية التاريخ شيء كثير.

والحكايا الأخرى بجملتها عناصر تشويقية تقف بنا على مفترق طرق فتعطينا الانطباع بأن لا شيء تأثر في هذا الكون بما حدث. فحدث الانفجار الذي تعرضت له سيارة الجيولوجي تامر وبصحبته الأجنبي جون يتقاطع مع كثير من الأحداث الجانبية؛ كحديث الجمال ص 70 (زمن محايد) واكتشاف المشرف على المقبرة (كيوديني الإيطالي) للوح الخشب في أحد "جِوالات" الجثث ص73 (الزمن الحاضر)، حكاية راغب القابس 73 (الزمن الحاضر)، وحكاية الطيار الألماني (74) (الزمن الحاضر)، حكاية عامل البرِّيمة الذي أصيب ص 76 (الزمن الحاضر)، وتتمة حكاية خالد الليبي 78 (الزمن الحاضر).

أما إذا ناقشنا الفضاء الزمني في الرواية فإننا بذلك لا نقصد مطلقاً أنه من الممكن تحديد هذا الفضاء. مبدئيا يمكن القول إن الأحداث التي يتضمنها الإطار الزمني للرواية ما هي إلا "نتائج ما بعد" الحرب العالمية الثانية. فالشيخ عبدالرحمن يعيش على أمل خلفته حرب طاحنة، والجيولوجي تامر يكاد يفقد وظيفته لأنه تسبب بإصابة الأجنبي جون، والليبي خالد يعود ليثير في كيوديني ألما وحزنا طاغيين لما خلفه على شواطئ إيطاليا. إذن أحداث الرواية تبدأ من نقطة شبه ثابتة (الحرب) ولكن يبدو أن نقطة النهاية في هذا الماراثون تحتاج إلى وقت طويل قبل أن تلوح في الأفق.
مجموعة من السرديات الارتدادية-الخارجية تفصل في أحداث حصلت فيما قبل زمن الرواية وهي بذلك ترسم خطوطا في فضاء الرواية الزمني تدلل أو توضح ما يحصل حاليا. الإحساس بالضياع في هذا الفضاء الغامر الفسيح انعكس على الأحداث فنراها تتقاطع وتتداخل دون إنذار مسبق. كلمة "الفراغ" تكررت كثيرا لتنبه بحالة الضياع هذه. يجب أن نبدأ من فرضية أن الراوي المهيمن كان على علم بكل الأحداث وتفاصيلها قبل أن يرويها. أي إنه الوعي الأكثر نضجا في العمل ومع ذلك نجده يجسد جزأً من الإحساس بالفراغ. هل من الممكن أن يكون الراوي الجيولوجي "تامر" الذي مر بهذه التجربة (طبعا في سن متقدمة)؟. عندها حتما تنقلب الموازين وتصبح حكايته القالب. وهذا ما لا أعتقده لأنه في تلك الحالة لن تكون وجهة نظره شاملة بالقدر الذي نراه الآن. أعتقد أن الراوي شخصية مثقفة مدركة وهو أيضا جيولوجي لأنه يعرف كثيراً عن هذا المجال، لكنه مع ذلك تأثر بما تأثر به شخوصه.

الملاحظ أنه لا يعلق منتقدا تصرفات شخوصه، فمثلا لا يستخدم مصطلحات "كالخبثاء" التي استخدمها للحديث عن رؤساء البرِّيمة. كذلك نجد أن الراوي في تقمصه نظرة أحد الشخصيات ينسى ما قد يقوم به هذا الشخص عادة (حسب النموذج الذي رسمه له) ويبدأ بعرض تصرفاته وأفعاله بشكل مختلف. فالجيولوجي تامر الصياد يقطف وردة ويتأمل الندى واخضرار العشب ويتخيل الحجر الجيري كائنات آدمية تتسامر في ضوء القمر. قد تكون شخصية تامر معقدة وتسمح بظهور علائم الشر والخير في آن واحد ولكنني أعتقد أن الراوي يريد أن يلغي وجود تامر ويعيد صياغة تاريخه بعينيه هو، وبطريقته هو. أظن أن الراوي يفضل كثيرا شخصية الشيخ عبدالرحمن حيث يمنحه القدرة على أن يتسلل من خلاله. إنه يرى تامر والبرِّيمة والأجانب دخلاء على الصحراء وبساطتها. فصير حتى الجمال ألسنة تسخر بوجود هؤلاء الدخلاء (24). أما الشيخ عبدالرحمن فهو شاعر، عاشق مثله وهو القناة الأكثر تماثلا مع شخصيته هو؛ لذلك تماهى معه وتقمص كل منهما الآخر. ذلك ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح التشخيص الضمني حيث يصف الراوي أحد شخوصه مثلا بحب الطبيعة والجمال فيكون ذلك دليلا على اتصاف الراوي بتلك الخصال.

 

**********************

أول الصفحة


 © Arab World Books