Home
ركن الأدب

وعي شديد الإضاءة
في تدحرج الصور وقصص الذات المهمومة بالآخر
 


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
رأى وكتاب
سجل الزوار
استفتاءات

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

فى أجهزة الإعلام
خدمات
بحث

 


الكتاب : مجموعة تدحرج الصور لمحمد الشربيني
عرض : عبد الفتاح مرسي


في تدحرج الصور نري أن ذات الشربيني المهندس تطل علينا محملة بصور الآخـر وهمومه ، لا تنوء تحت تلك الأثقال وتصر بأن تبدو ـ بابتسامتها الواهنة علي شفتيها ـ علي أنها قادرة علي العطاء والتفاعل مع القضايا ، والتي يري البعض بأنها باتت قديمة لا رجاء منها . فهو يري ـ أمام عودة العالم للاستعمار والهيمنة ـ أن نعيد حساباتنا ، ونلتفت إلي قيمنا وتاريخنا .

* ومنذ الصفحات الأولي يخال لمن يقرأ المجموعة "تدحرج الصور " أن الكاتب قد اعتلي مرتفعا وراح يدحرج الصور في مشاهد قصصية . فكل موضوع قلبه علي عدة مشاهد ، تقليب العلماء في تفكيرهم العلمي حتي لا يتركوا شيئل لإحتمالات لم تكن في الحسبان . ونحن إذا ما تناولنا تلك المقاطع ، سريعا ما يمكن وضع كل مقطع في صندوقه لننتقل إلي الآخر في سهولة ويسر وبدون تكلف . وبدون أن يعطينا الإحساس بأنه يقدم لنا العديد من الألوان والآراء ، والقصص التي قد يكون مشاركا في نسيجها ، أو من نسيج الآخر الذي يقع في بؤرة اهتمامه .

** الكاتب تغلب عليه النظرة الثقافية التي تقارن وتستطيع فرز العلاقات المتغيرة . وبدون تثاقف ، نقبل منه كافة الآراء عندما تأتي مغلفة بذلك القص المدهش الذي ينم عن عمق انساني ، وحس ساخر ، وميل إلي تخفيف المشهد الأسود ، ليكون سلخة من ضوء مضبب ، نقدر علي احتماله ، ونحن في حالتنا المتردية ، أمام ظروفنا وأحوالنا التي تمزقت ، وتشظت بصورة مزرية ، فآثر أن يمزق مواضيعه علي نفس النسق ، ليمكن أن يتناوله القارئ في شئ من اليسر، دون أن يشعر بأنه ( يأكل ) نفسه .

* يتضح ذلك من الجدلية الواضحة التي ملأ بها صفحات كتابه ـ وتجاوزا قبلناها قصصا ـ فالقصة باتت تتشكل بعدد ما يكتب منها ، وتتنوع بعدد كتابها ، وفي ذلك التنوع تكمن حياتها ويطول استمرارها .

وقد لاحظت أن نظرة الكاتب ـ كما عودنا دائما ـ تقوم علي الفحص والاستبيان . إذ نراه يتغلغل إلي أدق العلاقات التي تربط بين الأشياء ، ويلمس فيها التوتر والتناقض ، ورغم وجـود روابط نشطة يمكن استقلالها بنفسها ، فهو يرغمها علي علي أن تسير طبقا للنهج الذي اختاره وارتاح اليه ، مع أن الناقد الفاحص يمكن أن يجعل من مجمـوعة القصص التي قدمها الشـربيني المهندس في مجموعة "تدحرج الصور " رواية حديثة ، ذات زوايا تمثل "نجمة " رؤوسها بقـدر مواضيعها الأساسية .

* ويبدو منذ ولوجنا من " الباب الصغير " ص7 أننا سنجد الجد الكبير في صراع محبب إلي نفسه مع حفيده . ومن خلال حياة الجد العادية في عالم يتطور سريعا بالأجهزة ، نراه يتقبل ذلك بنفس الهدوء الذي اعتاد عليه ، ويعمل علي أن يقوم بحالات الاسترجاع الداخلية ، ليرصد الأحداث وما طرأ عليها ، أو يذهب إلي ما قبل التاريخ الحديث مرورا ـ أثناء العودة علي الفاعليات التي أسست قوتهم واضعفت قوتنا ، يحاول أن يسد الثقوب التي أحدثتها الصراعات التي تتأسس علي الرغبات الفردية،فتدفع الجماعة عمرها من أجل المساندة وكسب المعركة . ولينتقل الأثر إلي كتب المطالعة والتمثيليات والأفلام التي زحمت ذهنه

" الباب الصغير " قصة مدهشة تلائم عصر الكوارث والمعارك والدم العربي الإسلامي المسفوح يوميا بآلاتهم ومجنزراتهم ، بينما العرب والمسلمون لا يزالون يعيشون في حماية الترس والسيف والقنا .!!

العربي المسلم فارس شجاع علي حصان يحمحم ، ولكنه يواجه دبابة وطيارة وصاروخ
* وينتقل بنا المؤلف ـ نتقلات الإزاحة ـ في نزوح الانسان عن موطنه ـ ومواطنته ـ وهجرانه من زمانه إلي الماضي كالمرضي النفسيين ، من خلال الأوهام التي يحاول أن يتغلب بها علي الواقع الأليم وكان من الأجدر به أن يؤمن بالعلوم التي جعلتهم الأقوي . وهو صاحبها الذي سلم لهم مفاتيحها عندما كانوا هم في ظلام ، وكان هو صاحب دارالحكمة وحافظ التراث الإغريقي والفارسي .

* هنا يمنح الكاتب نفسه حـرية الحركة والتصوير في أن يصنع عالما خاصا به . والمتأمل لجوانبه يجد أن هذا العالم يخصنا جميعا .
يذهب بنا في "طرقات خفيفة " إلي خارج البلاد "أمريكا" ويعود بنا في " بسمة خاصة "إلي انفعالات المغترب الذي لم يتواءم مما يجعل القصة ـ كما أسلفنا القول ـ متقطعة من نفس النسيج .

** وفي قصة نخلة الذكريات يدحرج عدد من الصور تذكرنا بما حدث في الماضي القريب علي مياه الخليج ،والمصير الذي آلت اليه "أم المعارك " التي تغلق الحوانيت ،وذلك لصمود الزائف الذي يترنح أمام أنغام الدفوف ص16
وحتي إذا ما قفزنا عدة قصص أخري سنجد أن النسيج واحد من نفس الغزل . فغي ضفاف نهر دجلة تتقافز الأسماك وثمة من يلقي بسنارته ذات الشاشات الرقمية في غارة مفاجئة ، وقد داخله شعور بأن السمك بات أكثر اختلافا عما كان يعرفه ..حتي أنه فكر ن الهيمنة لن تجدي وجعل توني يقول :
ـ يجب تغيير الطعم
ويرد عليه جورج
ـ إنه الطعم الذي أوصي به ديفيد ..!!

* قصص تدحرج الصور يصعب تلخيصها لأنها خضعت لتلخيصات سابقة ..
ولكننا نري الشربيني المهندس مشغول بالهم العام مع أنه يتعمد بأن يبدأ بالخصوصيات ، انها الجزيئات التي تظهر من جبال الجليد العائمة في المحيطات . ومع انه يقر بأن الهزيمة كانت بسبب تقدمهم التكنولوجي ، فهو لا يعترف بأ تخلفنا مزمن . وأن "إصلاح الحال " لنيتأتي الا بالنظر الدقيق إلي ما آلت إليه عوائدنا . فهو في مثالية الذين يبتعدون عن الأيدلوجيا المحددة سيجد الحل في النظر إلي ما كنا عليه في ماضينا .وان كنت أخالفه في تلك الجزئية بالذات ، فالحل يكمن في إعادة النظر في حاضرنا . التراث الذي نملكه بات يؤلمنا ويرهقنا منذ دحرج صوره مرورا بالصدمة واختفاء الجدائل ، غارة ، صلاة ، غريق . وتلك عناوين عدد من الصور إلي حدود الليل الستار ، إنها بالفعل حلقات مرمرية ..!!

** والذي يستنتجه المؤلف أنه يخشي التصدع النفسي أكثر مما يخشي التصدعات السياسية ، وذلك يجعلني أميل الي تصنيف كتابات الشربيني ( حتي نعفيه من الأحكام القاسية للقصة والرواية ) إلي اعتبار كل قراءة للنص الذي يقدمه بمثابة تفسير جديد يطابق الأحوال ـ المتغيرة دوما ـ أو يتناقض معها . إذ أن أعمال الشربيني مرهقة لأصحاب الأذهان المسطحة(والتي عملت سياسة ما علي تسطيحها بإنفاق هائل ) والأمر يتطلب استعداد خاص لتلقيها ..فهي نصوص لها استقلاليتها..ولابد أن يكون لها القارئ الذي يستوعبها..ذلك القارئ المثقف الذي يعمل ذهنه علي أكثر من مستوي

ويكفي الشربيني ذلك التفرد حتي يعثر علي الشخصيات التي تحمل سمات عالمه ، ويمكنها التحرك بحرية بين المشاهد والفصول دون تدخل ، فتكتب القصة نفسها بعيـد عن ذلك الوعي شديد الإضاءة .
 

**********************

أول الصفحة


 © Arab World Books