Home
ركن الأدب

شرفةٌ ذات أجنحة  


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
رأى وكتاب
سجل الزوار
استفتاءات

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

فى أجهزة الإعلام
خدمات
بحث


دراسة نقدية بقلم الشاعر : أحمد الحلواني
الكتاب : " شرفة الغيم المتعب " للشاعر المصري - حسن شهاب الدين -


الشاعر المصري حسن شهاب الدين من الشعراء الشباب المتميزين ، الذين يفاجئونك بكتابة الشعر العمودي الحداثي بعد أن سيطر شعر النثر على المشهد الشعري العربي والشاعر حصل على العديد من الجوائز .. بداية بجائزة المركز الأول من المجلس الأعلى للثقافة عام 1998 نهاية بجائزة البابطين للإبداع الشعري عام 2001

"شرفة الغيم المتعب" هو الديوان الأول للشاعر ، وحين يقع نظرنا عليه للمرة الأولى نفاجئ بالعنوان ذي الدلالة الخاصة ، والمعنى الشعري الذي يحيل إليه يوحي بكثير من الظلال الشعرية مما يجعلك تضع إصبعك على أبعاد تجربة صاحب هذا الديوان في تلميح لعمق العلاقة بين الشاعر ، والشرفة ، والغيمة .. فالشرفة هي التي تطل على فساحة الكون ورحابته مما يعطيك شعور خاص بالجمال ، أما الغيمة فهي الحبلى دوما بماء النماء في جوهرها ، وإن صاحبتها الرمادية التي تضفي الحزن على مظهرها ومفردات العنوان نلاحظها في معظم القصائد حتى أنه لا تكاد تخلو قصيدة إما من الغيمة أو الشرفة أو كلاهما معا

وقد قسم الشاعر الديوان إلي ثلاث آفاق :
غيمة تهاتف ليلا – زجاج أبجدية زائف – مرآة تتأملني
وكل مقطع يشتمل على عدة قصائد تأخذنا إلي عوالم تسيطر فيها النزعة الإنسانية سواء كانت عن الحب ، أو المعني الإنساني الأشمل
ويلاحظ أن قصائد الديوان كلها عمودية مما يظهر تمكن الشاعر من أدواته ، ويبرهن على أن العمودية تهيمن على الذوق الفني للشاعر ( أو على الأقل في هذه المرحلة ) ، ورغم هذا وجدناه في بعض القصائد يقرن في تجربته بين الشعر العمودي وبين الناحية الشكلية فقط لتقطيع الأشطر كالشعر الحر
ولو قرأنا الديوان لمعرفة مدى تأثر الشاعر بالشعراء الآخرين نجده صوتا متفردا في كينونته ، وقد أدرك الشاعر هذا في نفسه ولذا نجده يقول في قصيدة " احتفالية الأقنعة "

ليس لي في الشعر آلهـة أو لصوتي حكمـة المطـر
لي صلاة من صدى قلق في طقوس الظل والحجـر
فلماذا توغل امــرأة في سمـاء الطائـر الحـذر
يقول هيجل "الفلسفة هي الفكر الذي يفكر" ، وهاهو حسن شهاب يقوم بتحويل الفكرة إلى شعور متدفق وتحويل الشعور مرة أخرى إلى فكرة فلسفية متكاملة تتخطى صورية المنطق الشعري عند الشعراء الآخرين إلى جدل يستمد لحمته من تجربته الذاتية
وفي نفس القصيدة يقول :
فلماذا تنـزفين أيــا لغة الموتى على شجـري
وفي قصيدة " كوكب منكسر .. " يتحدث عن تجربته الشعرية واعتصار ذاته بين الفكرة والوزن والعروض والتفاعيل والقوافي ، وكيف يقتنص تفعيلته المهملة لصعوبتها ، ولمحاولته الخروج عن المألوف ليشق لنفسه دربا يخالف الآخرين ، بل أنه يغوي القافية التي أطلق عليها لفظ أرملة ، وكأنها فقدت الزوج الذي تركن إليه وهو تعبير جميل رغم ما توحي به كلمة أرملة فيقول :
أقتنصُ التفعيلة المهمـله من بحـرها بالأحرف / المقصله
وانتحي شاطئ غيماتها لأغـوي القـافـيـة الأرمله
ولي يدٌ يأوي إليها المدى تقـرأ طالـع الرؤى المسدلـه

والفكرة في شعر حسن شهاب هي الهاجس الأول كما لاحظنا في القصيدتين السابقتين ، ونراها في كل قصائده وكيف تتحول إلى فكر فلسفي إنساني ، وفي قصيدة " انتظار " نراه يطلق فكرة استرجاع الشخوص وأسمائهم ، ويعلن وحدته وانتظاره لهم بأسلوب شديد التأثير والإيجاز فيقول :

(1)
في هـذي الغرفـة كـل مساءْ
في المدن الـ .. تسقط بين اسمي
.. وشقوق الماء
أتـأبـط أذرعـة الأسمـاءْ

(2)
وحدي .. والساعة عاجـزةٌ
أن تمـنحـني دفءَ الوقتِ
ورتابة صوتي ..
تتسكع في بـرد الأشيـاءْ

(3)
هل تأتي الأسـماء الليلـه
مـاذا أفعـل إن لم تـأتِ
هل أوقـظ موتي ..
أم (أندهُ) أسمـاءَ الأسـماءْ

ورغم قصر القصيدة إلا أن الشاعر يواجهك بمعجمه اللغوي الخاص في تراكيب مبصرة بلغة الشعر ، ويكشف عن ثرائه وتمكنه من ناصية الكلمة
والشعر عند حسن شهاب تراه هامساً أحياناً وصارخاً أحياناً أُخرى مُقدّماً للعالم مشروعيّته ورؤاه الطافحة والطامحة بالتغيير والرقيّ ، والمتألّقة على درجات المشاعر والأحاسيس .

ورغـم كون الديوان يدور في مناحي عاطفية وفلسفية كثيرة إلا أنه لم ينس في هذا المدار وطنه فخصه بقصيدة " صديقي الوطن " التي لو أغفلنا كلمة الوطن من عنوانها لتصورنا أنها كتبت في صديق حميم العلاقة بالشاعر يباغتني في وجوه عديدة ويوعدني في زوايا القصيدة وأعتقد أنه هنا يلقي الضوء على تنوع ملامح الوجوه في الوطن ما بين السمرة والبياض وخلافه ، رغم احتفاظها بملمح الشخصية العامة من شجاعة وكرم وشاعرية وتدين
صديقي الذي يعشق الأغنيات ويحيـا أساطيـر وهي وليـده
بسيـط مضيء كصوفيِّــةٍ رماها الجوى في الغيوب البعيدة

خصائص شعره
من الصعب على أي ناقد أو باحث أن يجمع كل الخواص الشعرية لشاعر ما في عجالة قصيدة ، فما بالك لو تطرق النقد لديوان كامل لشاعر يجيد لغة الشعر ، فالديوان وضعني في مأزق حقيقي لصعوبة اتساع الصفحات التي قيدت نفسي بها ، وعلى أي حال أرجو أن أوجز وأشمل .

الخاصية الأولي " تفجير اللغة "
إن "حسن شهاب الدين" يبحث في اللغة ومفرداتها عن منفذ يعيد صياغة عالمه الشعري ، إلا أن الألفاظ القاموسية وحدها لا تتيح للشاعر تلك الرؤى التي يبحث عنها ، فيلجأ إلى "تفجير اللغة" بمعنى تبديل العلاقات اللغوية بين الكلمات ، بإعادة تشكيل العلاقات المنطقية مما يطلق العنان للغة لإعطائنا دلالات فارقة قد يراها البعض غامضة ، إلا أن الفكرة الموضوعية في بناء القصيدة تقود القارئ إلى استيعاب تلك العلاقات المدهشة .. فنجده مثلا يقول :
إنه الموجُ .. وردةٌ لارتجافي .. واكتمالك
فما العلاقة في هذه الصورة بين الموج والوردة والارتجاف والاكتمال ، إنها علاقة متباعدة تماما ، ولكنها خلقت صورة فريدة الدهشة ، تبوح بما في قلب الشاعر
ويقول في قصيدة " هل ترسمين الآن "
متجهـمٌ وجـهُ المسافة بينـنـا
وملامح الأشياء أروغُ من طريده
مدنٌ من الكلمات تصحو في دمي
إذ ترتدي اللوحات أحزاني البعيده
ما زلت ترتجلين أفـراح النـدى
وأنا أطارد غيمة الصمت العنيده

وهكذا نجده في سائر الديوان يأتي بصور انتزعت انتزاعا من مفردات اللغة ، فكيف يتجهم وجه المسافة ، وهل للمسافة وجه ، وهل هناك مدن من الكلمات ، وكيف تصحو تلك المدن في دمه ، وأي مدن تلك التي ترتدي اللوحات ..
وهكذا نرى كيف تمكن الشاعر من تفجير اللغة ، أي خلق تراكيب ، وعلاقات مغايرة تماما لمنطق اللغة ، فالمدن مثلا تكون من البيوت ، أو الطين ، أو الأعمدة أو .. ولكنها ليست من الكلمات
يقول " الغذامي " ( إن القصيدة لا تسلم قيادها إلا لمن صدق في حبه لها )
ونرى صدق تلك المقولة في قصائد "شهاب " فرغم تلك العلاقات الغريبة في لغته إلا أنها تأسرك في جنونها حتى نهايتها

الخاصية الثانية " الغموض الدال "
يقول " امبسون " ( الغموض خاصية داخلية لا تستغني عنها كل رسالة تركز على ذاتها ، وباختصار فإنه ملمح لازم للشعر )
إن الصور من تشبيه ، واستعارة ، وكناية والمجاز الشعري في مجمل توالده من العلاقات بين المألوف والغير مألوف ، والتحليق في آفاق التراكيب اللغوية المختلفة ، كل هذا ساهم في بناء النسيج الشعري ، وتأنيقه ، والارتفاع به إلى مستوي الإبداع والشاعرية التي ينشدها كل شاعر ، بل نلاحظ أن له تشبيهات رائعة غير مسبوقة تحمل ما تحمل من غموض سطع بدلالات محددة ، ولم يتركنا في حيرة الإبهام ، والتيه وإن تعمد ذلك تعمدا فمثلا في قصيدة "ذاكرة الغياب" نجده يرثي شاعرا ما أو شخصا ألهمه فضاءات عالمه الشعري وذلك دون الإفصاح عن اسمه ، فيقول :
- كتيه ساطع يحسو اغترابي
أترحل سيد الكلمات عني وأخبو مثل خيط رؤىً نحيل
وفي قصيدة " مشاهد من لوحة " يقول في المتنبي
- عاريا مثل معجزة شاخصا مثل مقبرة
ويقول في قصائد أخرى
- لي رياح ما لقامتها وجه أفكاري ولا ضجري
- قهوتي لون حيرتي الجدار .. المدى .. رنين
- أرجوحة الموج تعلو في سماء دمي
كالصمت في رئة تهفو لإفضاء
- كهف خوف أنا وجثة وقت
كنت حين الفناء بعض مماتي
وهكذا نجد أن الغموض في قصائد "شهاب" يبتعد عن الإبهام المطلق ، بل يمد طوق النجاة للقارئ في بساطة .

الخاصية الثالثة: الاستفهام.
وقد أطلق الشاعر الاستفهام في قصائده بنوعيه البسيط والإنكاري ، والشاعر يكثر من هذا الشكل التعبيري الذي يجعل نسوجه الشعري يظهر للمتلقي في إطار غير تقريري رتيب. والاستفهام البسيط يدل على مدى القلق الذي ينتاب الشخصية الشعرية فلا تزال تتساءل ، عوض أن تقرر ؛ فهي تنظر إلى الأشياء والقيم في شكلها الشكي ، لا اليقيني ، على حين أن الاستفهام الإنكاري يحمل في مألوف العادة من التهكم والسخرية ، أو الاستنكار والرفض ، ما يدل على نفسية الشخصية الشعرية وقلقها الداخلي ، ومن الأمثلة على الاستفهام في نسيجه الشعري :
هل سمَّى البرق أنوثتها
وفي قصيدة " وشم ثالث" يقول
لماذا انفـلت كأنك ريـحٌ
تمـرُّ بأشلاء روح محطَّم
تعير الفصول وجوها لتبكي
حنينا لتحيا ونبضا لتحلم
وفي " مرآة لظلك " يقول
أمِنْ قَبَسِ الحروف أتيت وحيا
لتصحبني ملائكة الضياء
وفي " صديقي الوطن " يقول :
هل انفرط الوقت هل سافرَتْ
إليك المسافات .. تلك العنيده
وهل أنت في الغيم سر الهطول
وهل أرقتك القلوب المريده

الخاصية الرابعة : استدعاء الرمز والأسطورة
توظيف الرمز والأسطورة في النص الشعري يبدو عصياً وذلك لضبابية الرؤية المراد طرحها ، ولكثافة الأسطورة نفسها وما يلاحقها من رموز تتفاعل غموضا وتداخلا مع ظواهر أخرى ، لتناصها مع الحقول المعرفية الأخرى ، التاريخية والميثولوجية والسحرية والخرافية ، فهل الأسطورة هي الخرافة أم هي التاريخ ، أم هي الفلكلور .. والرمز في كتابات حسن شهاب تتنوع ما بين الرمز الديني ، والأسطوري ، واستدعاء الشخوص ، وإن كان يغلب عليه الرمز الديني مما يؤكد الخلفية الدينية للشاعر
في قصيدة " لغة أخرى لمرايا البحر " يقول في أبيات متباعدة
- أرتمي تهويمة صوفية في شفاه الغيب توحي نبأه
- وضأتني ليلة من دمها واستحالت وترا في لؤلؤة
- اغمسيها في لظى فردوسها واتركيها للريح المفجئة
ونلاحظ كلمات مثل "صوفية" "الغيب" "توحي" "نبأه" "وضأتني" "لظى" "فردوسها"
وفي قصيدة " هل ترسمين الآن " يقول :
مطرٌ ماديٌ هنالك .. وردة في كفِ قديس وعاشقةِ شهيده

وليس خافيا أن العاشقة الشهيدة هي "رابعة العدوية" شهيدة العشق الإلهي ، وفي قصيدة " مقام التلعثم " نجد أن كامل بناء القصيدة يؤسس على الصوفية الدينية التي تشتعل بعذوبة الإيمان في حداثة شعرية تلحق بنا في آفاق " كن " أما بالنسبة لاستدعاء الشخوص والأماكن المحددة في الديوان فنراه في قصيدة " سفر بالغ القصد" يعنون مقطع(2) " أندلس القلب " وفي قصيدة " كوكب منكسر " ينادي ..
يا أمرأ القيس أذي عادة أن تقرن الدخول بالحومله
ويقول في نفس القصيدة بحر سريع الخطو ..
يخبرني عن " أمل دنقل " أخبر عن أمنية دنقله
وعن " بردُّوني " بلا أعينٍ يقرأ ضوء الأنجم المذهَله
و"أم كلثوم" على موجةٍ تعقد خيط الصوت "بالأوله"
وفي قصيدة " مشاهد من لوحة رسمها دالي " يأتي بالعنوان متضمنا اسم هـذا الرسام الشهير ثم يقسم القصيدة إلى عدة عناوين كلها استدعاء لشخوص مثل " المتنبي مقتولا " " رامبو متنزها في جحيمه" " حسن شهاب الآن "
وإذا جئنا لتوظيفه الأسطورة ، والفلكلور في شعره نجده يقول في قصيدة " جثتي تقتفي خطاي" :
لا تراني العيون .. أتلو على الغيم
طقوسي وأسكن الحلم غمضي
وفي " وشم ثالث " يقول :
تبيحك جنِّيَّة للذهول وتسكنها مثل وشمٍ بمعصم
ويطول بنا المقام في ملاحقة الرمز والميثولوجيا في بناء قصائد الديوان ، ويكفينا هذا القدر من السفر في هذا الشعر الذي وبحق كان متعة لي الغوص في جوانبه المترامية الأطراف .

**********************

أول الصفحة


 © Arab World Books