Home
ركن الأدب

دوائر الهوان فى رواية سعيد سالم 


 

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
سجل الزوار

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

فى أجهزة الإعلام
بحث

 




الكاتب:  سعيد سالم
الكتاب : الشئ الآخر-
دار ومطابع المستقبل بالفجالة وبيروت
عرض:  د.هشام صادق 



الفن للفن أو الأدب للأدب هو توجه فات أوانه وولى زمانه. فقد أدرك الأدباء والمبدعون أن القيمة الفعلية لإنتاجهم وابداعهم تتمثل فى المضمون الذى يكشف عن وجهة نظر صاحبه إزاء قضايا المجتمع الإنسانى الذى يعيش فى رحابه.. وهذا هو الدور الذى يتوقعه المتلقى من الأديب او الفنان، والذى يستمد منه العمل الأدبى أو الفنى القيمة التى تحقق له الاستمرار فى الزمان والاستقرار فى الوجدان. فليس المثقف هو المتعلم او المبدع فى ذاته، وانما هو صاحب الموقف الذى يسخِر أدواته الفطرية أو المكتسبة لإدراك قيم إنسانية يعيش من أجلها. أفليس هذا بالتحديد هو ما حقق لنجيب محفوظ فى أدب الرواية عالميته وما أضفى على أعمال أسامة أنور عكاشة فى الأدب المرئى انتشارها غير المسبوق، وما أكسب حافظ ابراهيم وصلاح عبدالصبور وبيرم التونسى وصلاح جاهين مكانتهم فى الشعر والزجل، وما ارتقى بأعمال صلاح أبو سيف ويوسف شاهين وعاطف الطيب الى المكانة التى تستحقها فى عالم الفن السابع؟ 

بل ان العمل الأدبى أو الفنى قد يكون أبلغ تأثيرا فى بعض الأحيان من المقالات السياسية المباشرة التى يكتبها كبار المثقفين. وتكفى الاشارة فى هذا المجال إلى الأصداء العالمية التى حققها فوز العمل السينمائى التسجيلى الذى أعده المخرج الأمريكى مايكل مور بالسعفة الذهبية فى مهرجان كان الأخير، وهو العمل الذى تضمن موقفا سياسيا مناهضا لسياسات الادارة الأمريكية الحالية بعد أحداث سبتمبر 1002 خاصة فى المنطقة العربية، وهو موقف لم يجرؤ على اتخاذه من يعتبرون أنفسهم زعماء لدول هذه المنطقة. لقد دارت هذه الأفكار بذهنى وأنا أقرأ الشيء الآخر، وهو اسم الرواية الجديدة للكاتب الروائى الاستاذ سعيد سالم، والتى صدرت عن دار المستقبل بالفجالة ومكتبة المعارف ببيروت.

ولست بطبيعة الحال فى موقع من يملك التعليق النقدى على هذا العمل الأدبى، فللنقد الأدبى والفنى رجاله المتخصصون الذين نتعلم منهم اصوله ونستمتع بما يكتبونه تعليقا على اعمال ادبائنا وفنانينا من المبدعين.. ومع ذلك فلعل من حقى أن أعبر عن مشاعرى كمجرد قارئ لهذه الرواية التى تقع فى حوالى 871 صفحة، والتى ما إن بدأت فى قراءة صفحتها الأولى حتى وجدتنى أنتهى من صفحتها الأخيرة بعد أقل من ساعتين من الزمان مرت وكأنها ثوان معدودة، لم أنتبه فيها لمرور الوقت، ولا أتذكر خلالها إلا مجرد صوت زوجتى التى تجلس بجانبى متساءلة من حين لآخر عما أقرأ وما سبب الضحكات المتكررة التى كانت فيما يبدو تصدر عنى أثناء القراءة نتيجة لما يتمتع به المؤلف من قدرة على إضحاك القارئ فى مواضع يتعين فيها البكاء على ما وصل إليه حال الوطن. 

فكاتب الرواية مصرى صميم يتمتع مثل غالبية المصريين بالذكاء الفطرى وخفة الدم عند التناول النقدى لظروف مجتمعه، والقدرة على فهم المشاكل السياسية التى تحيط به فى بساطه تحسدها عليه الشعوب المتقدمة، بل والجرأة فى نقد الذات والكشف عن السلبيات حتى أننى تصورت أن منصور عبدالرازق بطل الرواية هو نفسه سعيد سالم مؤلفها الذى لا يختلف بدوره عن غيره من المصريين المثقفين من أبناء الطبقة المتوسطة الذين أسهموا منذ بدايات القرن الماضى فى حركة التنوير وجاهدوا فى سبيل استقلال الوطن والتمسك بحرياته، ثم عاش أبناؤهم فترات المد القومى فى الستينيات وأعانوا حركات التحرر الوطنى لدى الشعوب العربية والأفريقية الى ان وصل بهم الحال الآن فى مرحلة الشيخوخة الى الوقوف موقف المتفرج على ساحة يسودها التراجع والهوان وهم يشاهدون أبناءهم وأحفادهم وقد تمزقوا بين مجرد مستهلكين لتكنولوجيا الغرب وقد غاب عنهم الانتماء الوطنى والقومى، سلفيين ومتطرفين بل ومتخلفين عن روح العصر وتحت لافتات الرجوع الى الأصول الدينية، بينما صحيح الدين منهم براء.

ولهذا فلم يكن غريبا أن يعترف منصور عبدالرازق بطل الرواية من البداية بسلبيته ووقوفه موقف المتفرج على ما يدور حوله من تراجع قومى واحتلال أجنبى جديد لوطنه الذى سيطرت عليه الادارة الأمريكية من الخارج وقوى الفساد والتخلف فى الداخل، حتى نجحت فى الامساك بمقدراته الاقتصادية الى حد بات يهدد وجود الطبقة الوسطى ذاتها، والتى اصبحت قاب قوسين او ادنى من الانضمام الى الغالبية التى تعيش تحت خط الفقر، وتعانى من أخطار البطالة والتطرف بعد أن مات جمال عبدالناصر الرجل الشهم الذى كان يحب الفقراء، حسب تعبير مصطفى زوربا صاحب المقهى فى حواره مع بطل الرواية الذى كان يتردد على مقهاه للهروب من واقعه.. فهو قد تخرج من الجامعة بتفوق واختزل الظلم طموحه من رئيس للوزراء الى موظف مهمش فى شركة حكومية خاسرة، فكانت غضبته على المجتمع جامحة تقترب برغبة فعالة فى العمل على تغييره ولو بذل حياته ثمنا لذلك. على أن عجزه عن تحقيق أهداف باعتباره موظفاً مكبلا بقيود الحاجة قد دفعه دائماً للهروب الى الشيء الآخر، أيا كان هذ الشيء وسواء كان مُسكرا او مخدرا. بل ان المتناقضات المثيرة فى شخصه، وهو الطفل النقى ومحب الحكمة العجوز والشاعر المتصوف الذى يعشق الحياة، تدفعه احيانا للبحث عن الخلاص فى عالم الملكوت الذى فشل فى العثور عليه وهو يقدم ويحجم ويقرر ويتراجع، يأثم ويصلى، يحاول التغيير فى جرأة الشجاعة ثم يتراجع فى تردد وخوف. 


ولأن منصور عبدالرازق، وهذا حاله، مازال يحلم بالديمقراطية الغائبة منذ أمد طويل ويخشى فى نفس الوقت من إعلان رأيه فيما يدور حوله حتى لا يلحق بمصير المهندس الذى داهمته الشرطة بمنزله فى المنصورة ليلا وصدر قرار بحبسه على ذمة التحقيق لمجرد انه كتب عبارة لا لتوريث السلطة على أحد الحوائط لولا التدخل السياسى لرئيس الجمهورية للإفراج عنه، فقد أصابه الرعب بعد أن وصلته رسالة فى البريد تصفه بالجبن من جماعة تسمى نفسها جماعة مكافحة العجز والدنس وتطالبه فيها بأن يثبت لها انه ليس جبانا بالتعاون معها على إعلاء كلمة الحق ونشر الحرية بمفهومها الانسانى المتكامل من خلال دعوة سلمية وفى إطار ديمقراطى.

وقد اعتمد المؤلف على عنصر التشويق فى روايته وترك القارئ فى حيرة من أمر هذه الجماعة حتى يكتشف فى النهاية أن الرسائل التى كانت تبعث بها الى بطلها كانت موجهة الى جارته التى كانت بدورها تخشى من محاذير استلامها فدأبت على وضعها فور وصولها فى صندوق البريد الخاص بجارها منصور عبدالرازق الذى لم يكن أقل جبنا وخنوعا من الجارة.. فهو كما يقول فى الرواية قد فقد شجاعته من كثرة ما وقع عليه وعلى غيره من ظلم. ولهذا فهو قد تعود ان يمشى بجوار الحائط وان يتسلى فى البيت بمشاهدة التليفزيون والثرثرة مع أسرته، وخارج البيت بالجلوس على المقهى مع أصحابه من الموظفين لتبادل الشكوى والتذمر من الحياة، وحين يجن الليل ينام مستسلما لقدره.. يحدث هذا كله فى انتظار دائم لأول الشهر حيث يتم توزيع الراتب على الاحتياجات ويسفر ذلك فى النهاية عن غصة فى الحلق تتولد عن عدم الشعور بالاكتفاء والطمأنينة. لقد كان القطاع العام بحسناته وسيئاته مصدر طمأنينة للفرد والمجتمع ومصبا عظيما لروافد الانتماء المتعددة، ومدرسة كبرى لتخريج الخبراء والعلماء من أبناء الطبقة المتوسطة.

صحيح ان الرأسمالية كانت محاصرة ولكنى لو كنت أعلم ماذا ستفعل بنا لفضلت أن تبقى تحت الحصار إلى الأبد. 
فهى قد جاءت ومعها فساد مستشر حيث سيطر على البلاد أربعون شخصاً لهم الأمر والنهى فى جميع المجالات، بينما تعانى الغالبية الكاسحة من الظلم وعدم المساواة فى ظل عصر اختفى فيه مبدأ تكافؤ الفرص ولم يعد أحد يبالى بالفقير مهما بلغت كفاءته، وهو ما دفع عبدالحميد شتا الى الانتحار بإلقاء نفسه فى النيل بعد أن رفضت جهة حكومية تعيينه لأنه رغم كفاءته الا انه غير لائق اجتماعيا من وجهة نظرها، فى واقعة شهيرة أشارت اليها الصحف المصرية كافة. وإذا كانت رائحة الفساد قد ازكمت الأنوف فى قضايا نواب القروض وغيرهم، فإن المؤسسات العلمية والجامعات قد شاركت فى زفة النفاق حتى أن رئيس جامعة عريقة قد بدأ مهام وظيفته بترشيح رئيس الوزراء للحصول على أكبر جائزة تقديرية فى البلاد، وذلك بعد أن ترسخ ضمير (سيادته) النقى أن هذا الرجل هو أبدع المبدعين فى مصر..!؟ ورغم أن منصور عبدالرازق لم يكن يعلن رأيه فيما يدور حوله من أحداث على هذ النمو الا ان اتهام جماعة مكافحة العجز والدنس له بالجبن كما رأينا قد دفعه الى مراجعة مواقف فى سياق الدردشة مع صاحب المقهى الذى كان يرتاده فى سموحة من حين لآخر.

على ان صاحب المقهى وبعد أن راجت أحواله وتذوق طعم الشبع قد أثناه فى النهاية عما يفكر فيه قائلا.. تولع الحكومة والحرامية والعرب والأمريكان.. لا شأن لى بغيرى.. وهكذا وجد منصور ضالته فى هذه العبارة التى تبرر له مواقفه السلبية وتجعله لايفكر فى فلسطين حيث يقتلع جنود إسرائيل أشجار الزيتون من جذورها بالجرافات ويقطعون فروعها بالمناشير الكهربائية، أو فى العراق حيث يقتل جنود أمريكا المصلين بالقنابل داخل المساجد بالفلوجة. 


بل إن منصور عبدالرازق لم يعد يسخط على المحظوظين بحق أو بغير حق من أمثال زميله فى الدراسة أدهم جبريل الذى عينوه معيدا فى الجامعة رغم أن ترتيبه فى التخرج كان تاليا لمنصور. ورغم استسلام المصرى الأصيل منصور عبدالرازق للواقع الكئيب على هذا النحو، دون مبالاة لصفة الجبن والخنوع التى وصمته بها رسالة جماعة مكافحة العجز والدنس مكتفيا كعادته من حين لآخر بتناول المسكرات والمخدرات ليهرب الى أحلام اليقظة أو الى الشيء الآخر الذى يتخيل خلاله انه يحقق وينفذ وماهو عاجز فى الواقع عن تحقيقه او تنفيذه، إلا أنه قد توجه هذه المرة بحالته إلى المسجد متضرعا إلى الله أن يسامحه وأن يمنحه القدرة على الخلاص من الظلم والظالمين، وأن يمكنه من اعتقال شارون وأمثاله لضمه إلى باقى المعتقلين من أعداء الحياة والحرية.

وفى نهاية روايته يثير مؤلفها سعيد سالم التساؤل لدى قرائه حينما يشير الى خبر منشور كتبه صحفى فاشل فى إحدى الجرائد المحلية عديمة الجدوى معدومة الانتشار والتى تشغل الإعلانات نصف حجمها ويشغل النصف الآخر صور رئيس الجمهورية والمحافظ ورئيس الحكم المحلى. يقول الخبر المنشور إن رجلا مختل العقل يدعى منصور عبدالرازق قد اقتحم منزل الدكتور أدهم جبريل الأستاذ بالجامعة وأفرغ فى صدره رصاص مسدسه وراح يرقص ويغنى بكلمات غير مفهومه عن الحرية، بينما تعالت صرخات زوجة الأستاذ تطلب النجده من الجيران.! وهكذا يترك سعيد سالم قارئه ليستخلص من هذه الخاتمة ما يريد. هل أدت الظروف التى يمر بها منصور عبدالرازق إلى الجنون؟ أم أن منصور عبدالرازق العاقل قد اختار فى النهاية طريق الخلاص؟!


© Arab World Books