Home
ركن الأدب

مجموعة نيران صديقة 

 

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
بحث

 




الكاتب:  علاء الأسواني
الكتاب : نيران صديقة
عرض:  د.أحمد الخميسي



ترقب الكثيرون الخطوة التالية لعلاء الأسواني بعد ما لاقته روايته " عمارة يعقوبيان" من احتفال وتقدير . ما الذي سيقدمه علاء ؟ . رواية أخرى ؟ هل ستمضى مغترفة من نفس العالم الذهني والنفسي ؟ هل ستكتب بنفس الطريقة ؟ هل كانت عمارة يعقوبيان ضربة موفقة تجمعت فيها الموهبة والخبرة والأعصاب والوقت لمرة واحدة ؟ أم أن عالم علاء الأسواني أكبر من هذه الصفحة وأكثر ثراء وتنوعا ؟. خلافا لما ترقبه الجميع قدم لنا علاء الأسواني مجموعة قصصية وليس رواية بعنوان " نيران صديقة " عن دار ميريت ، ليؤكد أن ما يشغله هو الكتابة وليس النجاح أو مواصلة السير في الطريق الذي ينتظره في نهايته الكثيرون . الأكثر من ذلك أن المجموعة التي تتألف من عشر قصص ضمت قصة طويلة بعنوان " الذي اقترب ورأى " تقع في أكثر من مائة صفحة ، وكان بوسع الأسواني بسهولة أن ينشرها مستقلة تحت اسم رواية ، لكن الكاتب الحقيقي لم يستسلم لذلك الإغراء . وبهذا ضرب علاء مثالا لجدية التعامل مع الكتابة ، وأنها أبعد ما تكون عن الانسياق لما يتوقعه الناس أو تعبئة الكلام في الشكل الأكثر رواجا . ولنتذكر هنا كيف رفض نجيب محفوظ أن ينشر عام 1980 رواية كاملة له باسم " ما وراء العشق " لشعوره على حد قوله " بعدم الرضا النهائي " عنها . وقد توقفت عند هذه المسألة لأنها في اعتقادي مؤشر هام على طبيعة الكاتب الذي نتطلع إلي مستقبله بأمل وتقدير .

ثلاث مجموعات يستعيد بها فن القصة القصيرة لمعته بين شموس الرواية:" نيران صديقة " ومن قبلها " أوتار الماء " لمحمد المخزنجي " و" مضارب الأهواء " لإدوار الخراط . أقول هذا كتاب الأسواني هو منتخبات من مجموعتين سابقتين له صدرتا منذ عشر سنوات، لكن الصمت الذي أحاط بهما حينذاك يعطينا الحق في الحديث عن عمل جديد لم يقرأه أحد من قبل . كما أن قراءة تلك المجموعة تضع بين يدي القارئ صورة مكتملة لمختلف قدرات علاء الأسواني الأدبية .

" نيران صديقة " اسم المجموعة القصصية . لكنك لن تجد قصة بهذا الاسم داخل المجموعة . إلا أن هذا التعبير " نيران صديقة " شاع مؤخرا خلال الحرب على العراق حين كانت الفرق العسكرية الأمريكية والبريطانية تصيب بعضها البعض ، والنيران الصديقة عند علاء الأسواني هي تلك التي نصيب بها بعضنا البعض ، حين تذهب النفس البشرية إلي أقصى مدى من شماتة التلاميذفي زميلهم الدواخلي البدين في قصة " حصة الألعاب " رغم نبله وتودده إليهم . وهي ذاتها النيران الصديقة التي يفتحها كل أطباء القسم على الطبيب الجديد " هشام " في المستشفى الذي عين به حديثا ، فلا يتركوه إلا حطاما من الذكاء المحبط في قصة " المرمطون " البديعة . هي ذات النيران التي يفتحها ناجي الرقيق المهذب على زملائه ما أن يمكنه المدرس منهم ليشرف ناجي مؤقتا على سير الدرس . وفي قصة " أختى الحبيبة مكارم " التي كتبها علاء الأسواني في شكل خطاب من أخ في السعودية إلي أخته ، يعري الكاتب دناءة الاغتيال الإنساني بالنيران الصديقة للأم المريضة ، حين يبخل الأخ الثري ببعض النقود لعلاج أمه في مستشفى مموها كل ذرائعه بكلمات ورعة عن الدين وقدر الإنسان . هي أيضا ذات النيران التي يفتحها بطل قصة " فستان قديم " على الفتاة الفقيرة التي أحبته حين يهجرها ليقترن بفتاة أخرى فاضلة تساوم بقسوة على مهرها الذي ستبيع به نفسها لزوجها . كل هذا الواقع قبيح ، لكل من اقترب ورأى ، لأننا نتصيد فيه بعضنا البعض ، بلا رحمة ، ونغتال فيه الآخرين ، سواء أكان أخا أوصديقا أو معشوقة جديرة بأن نقطف لها النجوم . وفي قصته الطويلة " الذي اقترب ورأى " والتي تتجاوز المائة صفحة يكشف الأسواني بقوة عن سيطرة فكرة ورؤية " النيران الصديقة " الأقرب للتشاؤم الحزين بمصير البشر . إنها الفكرة القائلة بأن القبح يكمن وراء كل جمال ، والموت يقف خلف كل حياة بالمرصاد، والفشل يحيا في صميم النجاح المؤقت ، والأنانية تفوق الإيثار ، والجبن ي طغى على الشجاعة ، والقمر : " يظل جميلا صافيا مادام بعيدا ، فإذا اقتربت منه بدا لك كشاطئ مهجور قذر "، وأنت إذا اقتربت حتى من بشرة المحبوبة الوردية الغضة ستجد فقط" نسيجا قبيحا مجعدا " . وخلال ذلك يتشبث الإنسان بالحياة على نحو يقول عنه الأسواني " إن حرصنا الذليل على الحياة لشيءدنئ حقا "، وهو حرص يمتد من التشبث بالحياة ذاتها إلي التشبث بالمكاسب الاجتماعية والمرتب والجاه . ويتوجه علاء الأسواني بسؤال مباشر إلي قارئه : " حاول أن تتذكر كم مصريا شجاعا بمعنى الكلمة رأيته في حياتك ؟" ، ويطالب أبطاله بأمر واحد : " نــفـثـة واحدة من الشجاعة " ، لمواجهة الحقيقة سواء أكانت الموت المحتوم ، أو الظلم الاجتماعي ، أو التاريخي ، أو الحزن الناجم عن النيران الصديقة . فورة واحدة من الشجاعة تكفي الأم المريضة لتدرك أن السرطان لن يدعها إلا وهي ميتة ، وهبة شجاعة تكفي الموظف ليرفض العمل بأقل من أجره الذي يستحقه ، وكانت لحظة كتلك تكفي عمر مكرم لكي لا يفتدي حياته بجزية يدفعها للفرنسيين أعدائه . إن عصام الشخصية الرئيسية في قصة " الذي اقترب ورأى " يعي كل هذا ، وترسخ في عقله صور الشماتة المتبادلة ، والكراهية التي تنبع في أحيان كثيرة من المحبة ، وهو يعي ذلك على نحو مرعب يدفعه للانسحاب من الحياة ، واحتقار وطنه ، ومواطنيه ، ويصبح مجرد شخص وحيد ، كالخلية المعزولة : " ليس مع أي شئ ، ولا ضد أي شئ " أي أنه يمضي في الطريق إلي الموت أو الجنون ، لأنه " اقترب ورأى " .

يغطي الأسواني بطل قصته " الذي اقترب ورأى " بقناع المثقف الذي يقرأ كتب الفلسفة والتاريخ والشعر ويتجه ببصره إلي الغرب بعد أن تخلص من أوهام الماركسية والدين والوطنية . وبذلك نتوهم بذلك أننا نقرأ " أزمة مثقف ". وهو انطباع غير صحيح ، لأن الصراع لا يدور هنا بين رؤيتين ثقافيتين ، كما هي الحال مثلا في " قنديل أم هاشم " . الصراع الحقيقي يدور بين تلك النظرة المتشائمة للعالم وغيرها من أحلام مشرقة يترك لها علاء الباب مواربا .

لقد كشف الأسواني بتلك المجموعة عن أن عالمه أبعد وأعمق من روايته الأولى " عمارة يعقوبيان " . تحية له ولعمله الجميل، ولقدرته على الغوص في أعماق النفس البشرية ومشكلاتها وهواجسها بهذا الأسلوب الرفيع .


© Arab World Books