Home
ركن الأدب

الذات المهزومة بين العجز عن الفعل والفعل المجنون 

 

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
بحث

 




الكاتب:  خالد غازي - قاص مصري
الكتاب : أحزان رجل لا يعرف البكاء - قصص-  وكالة الصـحافة العـربية
عرض:  ياسين عدنان- ناقد وشاعر مغربي


حين نقرأ عنوان مجموعة خالد محمد غازي القصصية "أحزان رجل لا يعرف البكاء" نتوقَّع أن القصص ستكون سَفَراً في مصائر الرجال ، لكنها علي العكس تصر علي أن تخذلنا ابتداءً من قصصها الأولي ، حيث يصير البكاء سبيلاً للحكي والتذكُّر كما في قصة "حين يُغَيّر الماضي ألوانه" حيث تعتذر المرأة خلال حكيها : "اعذرني يا بني ، الدموع تنساب من عيني لا إرادياً ، ولا أجد وأنا أتذكر إلاّ العويل" ، وقد يصير البكاء مطلباً عزيزاً لا يبدو أنه سيتحقق كما في قصة "ربما يأتي" حيث تتحَجَّر الدموع في عيني الأم ، كلما سئلت عن عودة ابنها الغائب ·
إنها إذن حكايات نساء مع البكاء ، بعضهن يُسعفهنْ الدمع والبعض الآخر يخذلهُنَّ ساعة الأسي ، لكنَّ سبب هذا الدَّمع الذي يأتي ولا يأتي هو غياب الرَّجل ، فدائماً هناك رجلٌ بعيدٌ أو مفقود ، وغيابه هو سِر حيرة المرأة وحُزنِهَا ويْتمِهَا الرَّمزي وإحساسها باللاجَدْوي ، أما الرَّجُل فهو مُجَرَّد فَخّ نَصَبَه لنا العنوان وحتي حينما يحضْر الرجل في القصة الثالثة "امرأة في الغربة" فإنه لا يحضر إلاَّ كما يَلُوحُ الطيف ، يحضُر بوجه يحمل أحزان العالم ، لكنَّ ملامحه التي تعرَّضت للمحو لا تكاد تتبينَّها العين ، ومع ذلك فالمرأة تجد في طيفه المُنفلِتِ ملاذاً تحاول أن تهرب إليه من غربَتها المُستبِدَّة ، لذا تهمس في أُذنَه قائلة : "حضورك يغسِل كلَّ عذاباتي ·· يمحو كُلَّ الآهات" كانت المسكينة علي الدَّوام تحلم "بزوجٍ وطفل ذي عينين واسعتين" ، لكنَّ رَجُلَ الوَهْم لا يملك غير أحزانه وقدرته العبثية علي أن يحيا بدون وجود فِعْلِي خلاَّق ليبقي غيابه سيِّداً وزاداً لآلام المجموعة وحكايا شهرزادايتها ·
وحتي حينما يخرُجْ الرَّجل من إهَابِ الطيف ويرتدي قِناعَ المارد في القصة اللاحقة ويصير له صوت مُخيف كأنه الغواء وأذرع كأذرع الأخطبوط فإنه أمام صلابة المُقاوَمة التي تَحدَّت تهديداتِه واستهجَنَت فظاظَةَ إغراءاتِهِ سرعان ما سيتقهقر مخذولاً ويذوب كما تذوب تماثيل الملح المُجَوَّفة · ومَرَّة أخري حينما يُحاول الخروج من شَبَحِيَتِه في القصص التالية فإنه يبدو في حالات بعيدة كل البُعد عن الكبرياء الذي يُبشرْ به العنوان ، فهو شخصٌ مهزوم مُتخَاذِل ، كل طُموحِهِ تأمينُ العُزْلَةِ الجَبَانَة بالبقاء بعيداً عن أعيُنِ الناس "الهزيمة" أو شخص مَمْسُوسٌ "يسير وحده في الطرقات بلا هدف" ، شخص فارغ من الداخل يحتاج إلي وَسَاطَة المرآة لكي يستعيدَ ملامحه ، وحينما يفعل فإنه يَجِدْهَا منكمشة مُنبعجة (الملامح القديمة) · بل إنَّهُ سيصِر علي تكسير أفق انتظار القارئ الذي استَضاء بالفانوس الذي علي الغلاف : العنوان ، حيث إنَّ رَجُلَ المجموعة سيفشل حتي في الاضطلاع بدور صغير في مسرحية ، فما بالَك بالدور المَنْوطِ به في الحياة ، وهكذا فإنه ما إن انتهي من آخر كلمة في دوره حتي سقط علي المسرح بعد أن خنقته الدموع" ، لقد بكي الرجل علي خشبة المسرح في (ويستمر العرض) ، وضبطته كاميرا السارد يبكي وَحْدّه خلف الباب في (حيرة) ، فأي رجُلٍ هذا الذي يحكي عنه العنوان ؟ هل هو شخص موجودٌ بالفعل ، أمّ مُجَرَّدْ وَهْمٍ شدَّنا إليه الكاتب ليَسْتَلِذ بطَعْمِ الخِذْلان وهو يتسرّبُ إلي أرواحنا خلال قراءة مجموعته القصصية ؟ 
يبدو أنَّ خالد غازي لم يترك التمثال يتهشّم تماماً ، لذا سرعان ما سيشرع في ترميمه ، فالمارد الذي مات في القصة الرابعة من المجموعة سينبعث من جديد من بين "أوراق امرأة" عاشقة في القصة التالية ، وكأنَّ الكاتب يريد أن يقول لنا أنَّ المرأة وحدها حين تعشق تُنصِفْ الرَّجُل وتُتَوِّجه أميراً في مملكة أنوثتها ، وهكذا يتقدَّم المارد المنبعث من رماد الهزيمة فارساً لا يُشَقُّ له غبار : "رأيتك تشق الزحام وتخترق كل الحواجز بعناد غريب ، تمسكين من يدي بقوة وتجذبيني خارج الحلبة" ، وهكذا يتقدَّم الرجل الجديد في إهَابِ الفارس ، فهو عنيد جرئ مغامر يشق طريقه "بإصرار" · ولأنَّ الإصرار قد يأتي مسبوقاً بالترصّد أحياناً ، وقد يقود إلي ما يُخَمِّنْهُ الإنسان عادة ، فإنَّ العشق والنزوع نحو التسامي سيخلُقُ عند رجل هذه المجموعة نوعاً من الطُّهْرانية المَرَضية ، وهكذا وبعد أن حَسَ بعَجْزِه سّيبالِغ في طَلَب الفِعْل الخارق في قصة "مع سبق الإصرار والترصد" ليقوم بقتل زوجته وهما في ذروة النشوة ، يقتلها لأنها يُحِبُّها ، كما أكد للقاضي خلال محاكمته ·
وإذا كان القتل قد صار عندهُ وسيلةً للتطهير ومَعْبراً لِبلُوغ النَّقَاءِ الأكمل ، إلاَّ أنه يبقي بالنسبة له فعلاً مُقدَّساً لا يستحقه الجميع، لذا نجد الكاتب الثوري في "الرهان علي جواد ميت" يتعفَّفْ عن ذبح الشخص الذي كان يستنطقه، نقرأ في القصة : "كان الرجل يبدو أمامي ككلب مسعور ، بداخله شعَارٌ وَحْشِي ·· كنت أريد أن أذْبَحَه·· لكن كيف أخسِرْ عمري لِمُجَرَّد تحقيق رغبةٍ في قَّتْلِ كلب !"
لكنَّ هذا الفارس التَّوَّاق إلي عوالم الطهر والنقاء لم يَخرُج فقط من بين أوراق العاشقة التي تنتظر ، بل تخَرَّجَ أيضاً من مدرسة الثورة ، بدليل أنَّ بطل "الرهان علي جواد ميت" كان يتأبط كتاب "الوعي والثورة" في الصفحة الرابعة من هذه القصة ، وَرُبَّمَا هو الذي مَرَّرَهُ في غفلة من الرُّقَبَاء إلي بطل القصة الأخيرة "أحزان رجل لا يعرف البكاء" وهي القصة التي أعارت المجموعة عنوانها ·
ففي هذه القصة بالضبط ستستعيد الشخصية الذكورية بإنسانيتها وملامحها الطبيعية ، كما سيصير لوجُودِهَا معني جديد : نبيل وواقعي في نفس الآن ، فالبطل هنا شاب مُنَاضِل تَوَّاقٌ إلي التغيير ، وهو إلي ذلك كائن اجتماعي له حبيبة ورِفَاق ، وشخص عادي يُحِبْ ويَحْزَن ، يستشعر الخجل ويُجتربُ الهزائم النبيلة ، لكنَّهُ يعض بالنواجذ علي إنسانيته ، لقد كان دائماً يُردد أمام حبيبته : "لا أريد أن أتحوَّلَ إلي آلة ، مُجرَّد آلة تحيا بميكانيكية" ، وكما يمكن أي يُعاني أيُّ شاب في مُقتَبَلِ العمر له أحلامُه وأوهامه ·
وأحياناً أخري تصير القصة مُجَرّد أوراق متناثرة من يوميات امرأة وحيدة ، أو بضعة أسْطُر تفيض عشقاً من رسالة قديمة كما قد تصير القصة لدي خالد غازي تركيباً لمجموعة من القصص المتفرقة ، لكنها تنحبك جميعاً في نفس الاتجاه ، كما في قصة "لا تؤاخذني علي صراحتي" التي تتشَكَّلْ من عشر قصص قصيرة جدَّاً ، وهكذا كانت كُلَّ قصة من قصص هذه المجموعة محاولة للِعِبِ علي أوتار الحكي بخفة وعدم ثقة ليس في مصائر الشخصيات فقط ، ولكن في عملية الكتابة ذاتها ، لقد كان الكاتب يرسم ملامح شخوصه ، ثم يمحوها بمزاج طفل يلعب بالنار رغم أنه سبق له الاكتواء بألسنتها ، ولقد آثر " غازي" أن يُشَخِّص بنفسه مغامرة الكتابة لديه في إحدي قصص المجموعة ، ألم يكن الكاتب يتحدث عن نفسه حين قال : 
"أمسك فرشاتي ، أرسم وجهك ، أمحو وجهك بالممحاة !! 
ويلي لو أخطأت الفُرشاة ! 
أرسم وجهي ·· أمحو ملامح وجهي ! هل حقاً وجهي يحملْ أحزان العالم ؟!"


© Arab World Books