Home
ركن الأدب

تحيات الحجر الكريم 

 

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
سجل الزوار

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
بحث

 


الكاتب: حلمي سالم
  الكتاب :تحيات الحجر الكريم - هيئة الكتاب
 عرض فاطمة ناعوت




الكرسي الثالث عشر، كرسي يهوذا، تلميذُ المسيح الخائنُ. باغتتني تلك الفكرةُ بعدما قرأت هذا الديوان، وربما في النهاية أستطيع أن أصوغ السبب. إحصائيًا، فضلاً عن كتبِه الفكرية والنقدية، يعدُّ هذا الديوان، الصادر عن سلسلة كتابات جديدة من الهيئة المصرية العامة للكتاب، الديوانُ الثالث عشر بين مجموعات حلمي سالم الشعرية التي تقدّم تشريحًا إنسانيًا، فكريًّا، وجدانيًا وسياسيا للشاعر. بدءًا بسؤال( الغربة والانتظار) في أولي سني كليته بقسم الصحافة كلية الآداب عام 72، وانتهاءً بالسؤال الوجوديّ: لماذا لا (يوجد هنا عميان) عام 2001، مقترحًا إجابةً هي سؤال أشدّ اجتراحًا، ربما هو الأعمي فلا يري عميانا، انطلاقا من فلسفة رؤيته للعالم حيث الإطلاق الوحيد في الوجود هو للنسبية.
يتكون الديوان من ثلاث نغماتٍ تحملُ ـ إلي جانب القيمة الشعرية والمضمونية للقصائد ـ رسائلَ يقدمها الشاعر بشكلٍ تطبيقيّ للقارئ تلخص ـ في رأيي ـ فلسفته تجاه الفن والحياة.
النغمة الأولى، التي تحمل اسم الديوان، تحيّاتُ الحجر الكريم ، هي اللّحن (الجارح) بتعبير حلمي سالم، حيث يتماهي الوجود كلُّه مع حجرٍ في يد طفلٍ عربيّ يصوّبه في وجه العالم ضاربًا جموده وعنصريته وقبحه.(حجرٌ علي حجرٍ / وكلُّ بلادِنا حجرٌ / يطيرُ ليرسمَ الأفقَ البعيدَ بهيئةِ الحجرِ / الترابُ يصيرُ أحجارًا / وطوبُ منازلِ الناسِ المُهانةِ يصبحُ السرَّ المخبأَ في الأصابعِ. مهنةُ المقلاعِ بدعُ خيالنِا المحمومِ نمنحُها إلي دولِ الصناعةِ علّها تُهدي براءتها إلي المتحضرين) . (لغةٌ تجّبُّ الضِّاد)اختار الشاعرُ أن يقدّمَ هذه القصيدة موزونةً، وتلك إحدى الرسائل التي سأتكلم عنها لاحقًا، وأحسنَ صنعا بالتأكيد، فمحنة الإنسان، سيمّا العربي، وجوديًا، وعنصريًّا ووطنيًا، تتطلب أو تسبب شيئا من الشجن حين الكلام عنها، ذلك الشجن الذي لا يأتي إلا بلمساتٍ سحرية لكمانٍ يختبئ خلف الكواليس، تتقاطع معه بين الفينة والفينة زفراتُ نايٍّ رهيفة تؤكدُ الشرخَ وتعمّقه كي لا يبرأ.
وفي( سؤال) يطرح طفلٌ يحمل نبلتَه فيما يصوبُّ حجرًا، سؤالا بسيطًا في عشرة أسطر يختصرُ فيه الشاعرُ فكرةَ الحريّة النسبية والحرية العامة، أو العدل الجزئي و العدل الكليّ إذا صحّت أيٌّ من تلك التعبيرات الجدليّة:(كان يصوِّب نبلتَه/ وهو يسائل روحَ طفولته:/ حين سيرحل عنا المحتلون/ ونصبح وطنًا حرًا:/ هل ستصير فلسطين الحرّة/ بلدًا مثل بلاد العرب الأخري/ يحلم أهلوها بالعدل/ ويُحبس فيها الرأي المختلف/ ويُغتال يساريون وإسلاميون/ إذا رفضوا كاريزما الزعماء؟ )الهزائم الإنسانية طبقاتٌ يحجبُ بعضُها بعضًا، مأساةُ الفلسطينيّ لا تزيد كثيرا عن مأساة أي مواطنٍ عربي يحيا في بلدٍ (حرٍّ) بالمفهوم السياسي العسكري، لا بالمفهوم الدلالي الفلسفيّ الأعمق و الأوحد لكلمة (حرية)، بل ربما تحجب الأزمة الفلسطينية بوضوحها أزماتٍ خفيّةً لكنها أشدُّ ضراوةً وعمقًا بل وسرمديةً يحياها المواطن العربي في كل بلدٍ يغيب عنه الوضعُ الديموقراطي الحقيقي. ثمة أمل يراود الواقعين تحت الاحتلال دومًا أن هذا الواقع المرَّ مؤقتٌ بوصفه إجراءً واضحَ الإدانة أمام الرأي الدوليّ ولابد أن تنكشف الغمّةُ بعد أمدٍ طال أو قصُر، لكن ماذا عن الاحتلال الداخلي؟ ولا أقصد بالداخليِّ القمعَ المحليَّ الذي تمارسه الدولةُ علي مواطنيها فحسب، بل أتمادي وأعني نتائج هذا القمع المتراكم الإرثي حتي يغدو قمعًا ذاتيًّا، فتنسجنُ أحلامُ وأفكارُ المرءِ داخلَ جمجمته وروحه حتي تذوب وتُمتصّ وتختفي. الشاعر لم يتوقف عند أزمة فلسطين وكأنها آخر أزمات العرب التي لو انتهت لهان كل شيء، بل يفتح مخروط الرؤية علي مداه ليطرحَ الصورةَ لا بشكل بانوراميِّ أرحب فحسب ولكنه يستخدم أشعة إكس ليري ما وراء الأغلفة فيقدم لنا الصورةَ شاملةً وعميقةً في آن. يقدم حلمي سالم سؤالَه المؤرق علي لسان طفلٍ فلسطينيٍّ يحمل كل براءة الطفولة وذكاءها وحدسها أيضا، الوطن أم الحرية؟ ثم نعود للبديهيات من جديد حيث مصيبة الإنسان الكبري في كل عصر هي الخلاف حول البديهيات، ما هو مفهوم العدل والحرية؟ ثم دراسات الجدوي أيهما نختار وبما نضحي؟ وكأن أحدهما لابد أن يأتي علي حساب الآخر منتقصا منه، الوطن أم الديمقراطية؟ مفهوم البلد الحرّ؟ هل يكون الاستعمار عسكريا فحسب، وماذا عن الاستعمار الفكريّ وماذا عن الاستعمار السلطوي (الوطنيّ)؟و لقد أصابَ حدسُ الشاعرِ حين ألمحَ أن كاريزما الزعماء في بلدٍ (حر) لا تؤدي فحسب إلي حال قمع دائمة يعيشها المواطن داخل أسوار بلده (الآمن) بغير الحاجة لمحتّلٍ، لكنها تُحيل أيضا إلي الاحتلالِ العسكري الكلاسيكيّ كما حدث في العراق.
النغمةُ الثانية، سجادةٌ لصلاة اثنين ، هي اللحن الوجدانيّ في الديوان، وجاءت متأرجحةً بين النثر والوزن، بين النثرية، من الانتثار أو المنثورات الوجودية الملموسة، وبين التجريدات المحلّقة. وكأحد أميز أدوات حلمي سالم الشعرية، استعارَ المعجمَ الصوفيّ ليعبّر عن تجربته الحسيّة وأخاله مؤمنًا بالفلسفة التي تري أن فصَّ الوجدان بالمخِّ نبعٌ واحدٌ تتدفق منه روافدُ كثيرةٌ تتقاطعُ وتشتبكُ وتنفصلُ و تتلاقى في الذات وفوق الورق وعلي اللسان.(إثمٌ يغفرُ تاريخَ الأخطاء/ وخطأٌ يرفعُ عن زندي الأوزار/ اخترتُ التعويذةَ:/ النورُ علي نورٍ/ والظلمةُ محضُ نهار/ شربتْ ماءَ العينِ مع الغسقِ/ وشربتُ ماءَ الظَّهرِ مع الأسحارْ/ ثمة عامودٌ من نارْ/ فيه من الليل صباياهُ/ وفيه من الموتِ الأشعارْ/ النورُ علي نورٍ/ والنارُ علي نارْ .)
الخطأُ الجميل، الخطيئة التي تكرّسُ بشريةَ الإنسان، والتعويذةُ التي تنقّي الجسدَ من أوزارِه ليفسحَ المجالَ لمزيدٍ من الخطأ والتبرؤ والاكتواء بالنار والنور. سجادة كليوباترا التي هربّت فيها جسدَها، تضمُّ جسدين في حال عشقٍ وصلاة، يتعرفان الصلاةَ والاتصالَ والتوّحدَ و أحلامَ السفرِ والتطهّر بإكسيرِ البشَر وماءِ المُهل وهيستريا العضلات التي تذوبُ في شهقةِ المصلّي، فيختلط الصارعُ بالمصروع في ميلودي حسيٍّ تطهريٍّ تصوفيٍّ متعدد الطبقات مرتحلا بين السفح والعلا، بين الجسد والروح.
"بهلول سقطُ المتاع "، النغمة الثالثة، يهوذا الخائن، أو إبليس الذي تمرّد علي صانعه، أعجب ما في الديوان، بل لا أتجاوزُ إن قلتُ أعجب ما قرأت من شعر.تفوّق حلمي سالم علي جرأته المعهودة ليقدِّمَ نموذجًا غيرَ مسبوقٍ في نقد الذات وجوديًا وشعريًا في نصٍّ بالغ الثراء والعجائبية. شذراتٌ مهملَةٌ من مقطوعاتٍ شعرية له (سقطت من متاعه) خلال رحلته الطويلة مع الشعر، عثرَ بها الشاعرُ فيما يفتش بين أضابيره فوجدها تكأةً لا تخلو من طرافة لينطلقَ من خلالها ناسجًا ملحمةَ سخريةٍ و إعادةِ اكتشافٍ ومساءلةٍ لتاريخِه الإنسانيّ والشعريّ، علّه يستطيعُ بحسّه الجديد استخلاصَها من سياقها و زرعها في أرضٍ جديدة تحملُ ملامحَ دماءِ اللحظة، ربما من أجل محبوبته القديمة التي هي (مزروعة في دماء الأرض) وقد تكون تلك المحبوبة هي القصيدة ذاتها.و لتكتملَ المنظومةُ علي نحوٍ موضوعيّ، لم يكتفِ بنقدِ تلك القطع القديمة، التي لم ينشرها من قبل عمدًا أو سهوًا، بل ضفَّر معها بعضَ مقاطعَ من قصائدَ منشورةٍ رأي وجوبَ نقدِها والتوقفِ أمامها، فكان ذاك النصُّ بالغَ الفرادة إذ يطرحُ المقتطفَ الشعريّ بين قوسيّ تنصيصٍ ثم يعلّق عليه مرةً بحسٍّ ساخرٍ و رسوم توضيحية (أو تضليلية)، ومرةً بحسٍّ شرحيٍّ تأمليّ وأخري بروحٍ اعترافيةٍ لا تخلو من طفولةٍ حين يعترف أنه تأثر هنا بعبد الصبور، و اختلس هنا من النفريّ، واقتبس هنا من جبران، وهنا، كان خارجًا لتوّه من عباءة المنفلوطي ( في سبيل التاج).غير أنني آخذ علي الشاعر هنا كثرة المرجعيات الخاصة في النص مما يشكّل استغلاقًا علي المتلقي في كثيرٍ من الأحيان، فتبدو بعضُ النصوص وكأنها مكتوبةٌ كرسائلَ محددةٍ لأناسٍ محددين، ومن ثمّ وجبَ إغناءُ النصِّ بمفاتيحَ أكثر تتيح للقارئ فكَّ تلك الشفرات. و الشاهد أن هذه الإشكاليةَ تنسحبُ علي تجربةِ حلمي سالم في معظمها وأنها السببُ الرئيس وراء اتهامه غير مرةٍ بالغموض والطلسمية، بل أزعم أن هذا الملمح يسمُ السبعينين بشكل أعم ولهذا اتهموا بكونهم رماةَ الشعرِ في مقتلٍ، وسبب انصراف القارئ عن الشعر بتحويلهم إياه إلي معضلةٍ فكريةٍ مُغرقةٍ في الإلغاز والمرجعيات الذاتية. يُخْرِجُ الشاعرُ إنسانَه القديم اذن؛ (بهلول، الذي يسخرُ منه الشاعر في شروحه بقوله عنه: غامضٌ و مغلق الدلالة ! )، يضعه فوق طاولتِه، يتأملّه قليلا ثم يجهّز عدَّةَ التشريحِ والقصاصِ، مجهرًا لسبرِ الغور، وسكينا ونارًا للتصفية.(أردتُ أن أنمّقَ الكلامَ عن عيونها أبتْ/ لأنها تري فؤادي الكذوبَ خلف رونق القناع / هل كان عبد الصبور نائما في الحبر؟(راجع: كان صاحبي مثقفا لا ذرِبَ اللسان/ وعاطفًا لا عاطفيًا أغنية الفتي في الإعتامِ وحيدًا: الشجرة التي طوّفت علي الدور طوفت علي البدن/ الشجرة التي تقمصت خضرة الشجن .ثم ينتبه هنا أنْ هكذا دخلت كلمة (الشجرة) نصوصه، فيكمل هكذا دخلت الشجرةُ النصوص كلها/ منذ كشفت بنت الريماويّ له طيّةً وراء طيّة/ فلا تعجب إذا شهدته بعد عشرين فسحةً/ يخطُّ في تخت السادسة في كامل عدته ذرته الريح الي صدقات هي التي لقنته مسرة البوابات، ومكنته من شرقها خلف جابر بن حيان/ لهذا رأي ما رأي.. (شرحُ جابر بن حيان:/ عطفة بها بيت محبوبي/ وبها بيت المباحث) لعلّه خارجٌ من أسي/ في سبيل التاج/ فأنا أراه تحت مجهرٍ/ و أري الفصول تعطي لبعضها الرايات) .
كأنها عملية الشحذ الذهني لا التي يقوم بها العلماء معًا من أجل استخلاص الفكرة العمدة التي هي نتاج تعاصف العقول، لكنها هنا الأصعب إذ يقوم بها عقل واحد، فنجد في هذا النص دراما عملية التفكير البشريّ وآلية تصاعده لحظةً بلحظة حتي تكتمل الرؤية والرؤيا. والصعوبة هنا ليست فقط في جرأة تعريّة الذات واستلال خيوط أزماتها وعقدها، لكنها في رسم بانوراما الذات منذ الصبا فضلا عن نقل هذا الفكر شعرا. الشاعر ينحتُ مؤسسةً كهنوتيةً كاملةً بكل مفرداتها علي الورق، وفوق مساحة طاولته الصغيرة. استخلص من ذاته شخوصَ الملهاة أو المأساة كاملين: الإنسانَ (الشاعر) الذي سيقام عليه الحدُّ، الكاهنَ (الضمير) الذي يتم الاعتراف أمامه، الفيلسوفَ (الوعي والعقل الناقد ) الذي يحلل الأمر ويقدم المبررَ وراء كل كلمةٍ كتُبتْ وكل خطيئةٍ اِرْتُكبت ومن ثم يقيم الدعوى ويحرر مسوغاتِ الاتهام أو البراءة، ثم الجلادَ الذي يقيم الحدَّ.كل تلك المنظومة البشرية تنفلت من ذاتٍ واحدة ومن عقل واحد وفي هذا اقسي ألوان النقد الذاتيّ.تتجلى بوضوح منهجية حلمي سالم الفكرية في نسف المسلمّات و إعادة البناء بغير استنادٍ علي أنماطٍ معلوماتيةٍ أو معرفيّة سابقة أو جاهزة.فنراه يهشم الكلَّ المعرفي إلي عناصرَ أوليّةٍ لا استهلاكَ مسّها من قبلٍ ولا سلفية، ثم ينشئ بناءً جديدًا مدهشًا يخصُّه فحسب، وتلك هي تيمته المميزة. إضافةً إلي ذلك نجده لا يقنع بأرضٍ يغزوها ويرفع فوقها علمَه، فبمجرد أن يتمم إعمارها، لا يلبث أن يهجرَها راضيًا مرضيًّا ليغزو أرضًا جديدةً ويرفع علمًا جديدًا.كذلك تلك المَلَكة التي يمتلكها حلمي سالم ويمارسها بجرأة وجسارة ولو كره الكارهون بأن يطعّم قصيدتَه النثريةَ بخيوطٍ حريريةٍ من التفعيلة، بين فترةٍ وأخري علي نحوٍ رهيفٍ لا تلتقطه إلا أذنٌ مدرّبةٌ وكأنها قطع أرابيسك أو منمنماتٌ قوطيةٌ دقيقةٌ تثري ـ بحساب ـ كتلةً معماريةً ما بعد ـ حداثيةَ الطراز.أيضًا ولعه بالكتابة عن الكتابة أو الكتابة بمعجم الكتابة، مثل النص المدهش الطريف في آخر المجموعة حيث يقدم تمرينًا في النحو مستغلا فيه معظمَ قواعدِ النحو والصرف ليلخّص انتفاضة الحجارة منذ البدء:
(ينتفضُ، انتفضَ، الفاعلُ منتفضٌ، ومثنّاها منتفضانِ، هما مرفوعانِ بألفِ التثنيةِ، فإذا كانا منصوبيْن نقولُ، حسدتُ المنتفضيْنِ، لأنهما مفعولٌ بهما، وعلامة نصبهما الياء، فإن كانا مجروريْن نقولُ: حزنتُ علي المنتفضيْنِ، علامةُ جرهما الياءُ أو الجرارات ).
نراه يسرّب لنا المرارةَ و ما وراء المشهدِ من خلال درس النحو بريء المظهر كما سرّب ديدبة قمعَ السلطة وقبحها علي لسان ابن آوي. تلك بعض التيمات الفكرية التي ميزت تجربة حلمي سالم، وهي، من وجهة نظري، ما جعلت منه رأس حربة السبعينيين الذي ينتمي جيليا إليهم إن جازت فكرة التجييل الشعري.يمرّر الشاعرُ إلينا عبر هذا الديوان (الجديد)، وأقصد هنا الجدّة بالمعني الدلاليّ لا الكرونولوجيّ رسائلَ عدّةً منها:
· يصدّر لنا ـ وهو صاحب( شهوة الشكل) ـ فلسفته بخصوص الشكل والمضمون وأنهما وجهان لواحدٍ، نابعان من منهجٍ تفكيريّ واحد، يؤثران ويتأثران في بعضهما، ويتفاعلان من أجل إنتاجِ لوحةٍ فنيّة واحدة. فلا شكلَ بغير مضمون ولا مضمونَ ينفصلُ عن شكل.التجاور لا النفي، فلا الشعرُ نثرًا يقتل الخليلَ الأبَ ولا الإيقاعُ الخليليّ ينكر بنوّة قصيدة النثر كأنها الطفل غير الشرعي.مؤكداً علي أن للشاعر أن يستخدم كافة الأدوات من أجل رسم لوحته راضيا بدفع الثمن الذي يطلبه كل لونٍ فنيّ مقابل ما يقدمه له من امتيازات. وهذا في رأيي يتسق مع التركيب الإنسانيّ العام، فالإنسان بطبيعته كائنٌ مركّبٌ خصبٌ غنيُّ الحال، فلحظةً يميلُ لسماع سيمفونيةٍ وفي حين يميل للاستماع إلي قطعةٍ شجية من التراث الأندلسيّ، هذا كمستقبِلٍ أو كمتلقٍّ، فلماذا نندهش إن راود كاتبَ قصيدة النثر ميلٌ لكتابةِ نصٍّ تفعيليٍّ من حينٍ إلي حين؟
· الانطلاق من فكرة أن الذات والموضوع وحدةٌ لا تنفصم، فالعالم يُري من خلال عدسة الذات الراصدة، كما أن الوجود بأسره يتسربُ داخل الذات، ولذا تتشابك وتشتبك الهموم الكبري والصغري، الذاتيّة والموضوعية، لتنصهرَ كيميائيا في بوتقة الوجدان وتخرج شعرًا.
· يؤكد ـ صاحب( العائش في الحق) ـ علي التقاء المعارف وتلاقيها وتواشجها، فنلمح بوضوح، وبغير ما تعمدٍ من الشاعر، بل بالرغم من محاولة الإخفاء أحيانا، وعيَه بالتراث البشري والحضاري قديمه وحديثه، فنراه ينقضُّ عليه ويصارعه حينا أو يتأمله ويحلله حينا أو يتعاطف معه حينا آخر. مؤكدًا أن المنجزَ البشريّ كان نتاجًا لفرديةٍ وجماعيةٍ معًا، الفرديةُ تقول إن (الواحد والواحدة) لا يصنعان كتلةً قوامُها اثنان، ولكنهما قد يشكّلان معاً قوةً معرفيةً إنسانيةً بطاقةِ اثنين، مناقضًا بذلك أو مصححا ومكملا مقولة" مارك بلوخ" إن الرجال هم أبناء عصرهم أكثر من كونهم أبناء آبائهم فيقول لنا (هيا إلي الأب) نقرأه ونهضمه ثم نثور عليه، ثورةَ الفاهم المدرك الذي يقدّر جهد السلف في سياقه التاريخيّ.يقدم لنا ـ صاحب (الحداثة أخت التسامح) ـ رسالةً في قسوة التعامل مع الذات في قصيدته الأولي بالديوان، ولا أري تناقضا في الأمر بل علي العكس أراه تأكيدا علي فكرة التسامح بالمعني الأشمل، فلو انتهجنا القسوة مع الذات لكان المعادل الموضوعي لذلك في حينٍ، أن نبرأ من أوجاعنا ومن ثم نري جمال الآخر، وفي حينٍ، نوسع مساحة التسامح مع الآخرين كردِّ فعل آليّ للقسوة مع الذات، مؤكدا مقولته الدائمة التي يخالف فيها سارتر إن النعيم هو الآخرون شريطة أن يستخلص كلُّ (آخر) من ذاته هيئةَ محلفين لمحاكمته.
· يقدم لنا ـ صاحب (فقه اللذة) ـ مثالاً إبداعيًّا علي تراسل المعاجم وانصهارها وتقاطعها، فلا مفردات تخصُّ الشعرَ وحده، ولا أخري تخصُّ العلم أو الدين أو السياسة أو الفكر أو الهندسةَ حتى، إلا أنه لا يقف عند باب المفردة ودلالتها الأولي، لكنه يغوص في التراكيب ويمازج بين الثقافات الصوفية والحسية والعلمية، ثم يغوص أكثر متخطيًّا عتبة الدلالات ليدخل متن الأيديولوجيا، ويمتص روح الثقافة المستعار منها، فتكتمل المنظومة الفكرية الإنسانية، والمثال الأكثر طرافة علي هذه التيمة قوله في ص 10 بالديوان:(المرأةُ الكتلةُ / المرأةُ المسافةُ/ هذه غيبوبةُ الكثافة).استعار الشاعرُ هنا قانون نيوتن للجاذبية، نواة نظرية النسبية، الذي ينصُّ علي أن قوة الجذب بين جسمين تساوي حاصل ضرب كتلتيهما مقسوما علي مربع المسافة بينهما حيث: ط = ك 1* ك2/ ف2، في إلماحة ماكرة يمرّر خلالها لحبيبته أن الحبَّ يتطلب اختصار المسافة بينهما لكونِ الطاقةِ الشعوريةِ تتناسبُ عكسيا مع مربعها، غير أن الشاعر أغفل أن هذا القانون قد أبطلت عمله نسبيةُ أينشتين الخاصة بعد أن أدخل الزمن كعامل أساس في المعادلة. 
· يسطّرُ الشاعرُ سرَّ كيمياء الشعر وسحره، بساطته وتعقيده، فواضح الشعر أقبحه، فينجح أحيانًا في تقديم ذاك الغموض المحسوب لا الإبهام المربِك ويخفقُ حينًا في نسج تلك الموازنة وربما تعمّد ذلك. هو تعقيد شبكة التريكو و بساطة انعكاس شعاع الشمس فوق الأرض بزاوية عمودية، فيتكون السراب المخاتلُ الذي يلهث وراءه الظامئُ من بقعةٍ إلي بقعةٍ في رحلة أوديسيوسيةٍ أبديّةٍ بغير أن يفقد أمل الريّ وبغير أن يجد الماء، ولا يظفر في النهاية سوي بمتعة الطريق والبحث والأمل والترقب، وتلكم متع ليست بهيّنة. أتساءل دومًا هل لخصَّ حلمي سالم لغزَ الشعر في عبارة (سراب التريكو)؟ لا أدري لماذا كلما سألت نفسي ما الشعر؟ قفز هذا العنوان إلي ذهني؟
في محاولةٍ أخيرة لاختيار كلمات أكثر شاعرية، أقول إن هذا الديوان ليس يهوذا الخائن ولا إبليس المتمرد كما أسلفتُ، لكنه الدرعُ في يدِ الفارسِ الذي وجهّهُ صوبَ ميدوزا لتري وجهَها لأول مرةٍ فتصعقها الصدمة وتموت. تلك هي المرآةُ التي صقلَها حلمي سالم ويدعونا لصنعِ مرايانا الخاصة لنري ذواتنا ونستقرئ تاريخنا، لا بحسٍّ نوستاليجيٍّ دراماتيكيّ، لكن بوعيٍ ورغبة في الفهم.

********************
أول الصفحة


© Arab World Books