Home
ركن الأدب

الناي و البلح في غيوم طلعت الشعرية

 

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
بحث

 


الكاتب: طلعتت سقيرق
  الكتاب :خذي دحرجات الغيوم. شعر وزارة الثقافة 2002م
 عرض نضال نجار /سوريا/






اختار الشاعر طلعت سقيرق" خذي دحرجات الغيوم" عنواناً لمجموعته الشعرية الصادرة عن وزارة الثقافة للعام/ 2002/ ، و عدد صفحاتها 110 من الحجم المتوسط،  و تضم 22 نصَّاً شعرياً......

إن أول ما لفتَ انتباهي، العنوان الذي يشير إلى ما يُسمى بالشعر الفضائي ـ البصري،
و هو مصطلحٌ غربيٌّ يتعلَّقُ بشعر الامتدادات الأفقية و العمودية ما يشيرإلى الذوق الفني الذي يتمتع به شاعرنا طلعت.......

" أمضي إلى كفَّيكِ فابتدئي التداخل في دمي/ عرسٌ من الوجدِ الجميلِ/ هواكِ يأخذُ
أضلعي في رقصة الحنّاء" من قصيدة ( أنتِ أحلام الهوى)...
لقد شعرتُ بذلك الحس الفني على امتداد صفحات مجموعته حتى بدتْ و كأنها لوحةٌ فنيةٌ تناغمتْ فيها ألوان الصور الشعرية مع ذات الشاعر......
و شعرتُ كذلك بأنَّ قصائده لم تكن تتحرَّك على أرضٍ ممهَّدةٍ بل تسبحُ في بحرٍ من التحولات الزمكانية.......

" هذا زمان كلّ قصيدة تمشي إلى أضلاعها/ و تلمُّ عن ورد الصباح رجوعها/
و تروحُ في شباكها تلتمُّ في حقل النداء/ حمامةً بيضاءَ طرَّزها الصباح فأشعلتْ
عند التقاءِ مسائها حكايتي"...... من قصيدة( من أسرج الوقت الجميل؟)..

إنه الاتحاد التام بين الشاعر و قصيدته ما يشيرُ إلى الانسجام النفسي بينه و بين الفكرة، إلى القرب من المكان و الزمان......
و الشاعر طلعت لم يلجأ إلى الغرق و الاغراق بالمسمَّيات،لهذا كانت سلسلة التلقّي متصلةً كما مرجعية الفكرة و بالتالي فهو لم يُعرِّض قصائده للوقوعِ بالتعتيم...

" سمعتكِ حين ارتسمتِ على نخلِ روحي نداءً يُموسقُ فضة هذا المساء"
من قصيدة( زجاج التراشق بالأمنيات)...

و هذه الحيوية الذهنية المتوهجة و التي أشعلتْ أصابعَ الشاعر شموعاً أنارتْ للمتلقّي دواخلَ الحروف المتشابكة فوق تقاطع هواجسه و انفعالاته...
هذه الذهنية استمدَّتْ طاقتها من العلاقة الحميمة التي بينه و الموضوع، بين وجدانه
و فِكره، بين واقعه المرئي و المحسوس...

" آخيتُ ما بين الزمان و خطوة جاعتْ لهمسِ بيوتنا
و تطلَّعتْ حتى اشتعال حنينها لشوارع أدمتْ شبابيك
الهواء بشوقها و تكسَّرتْ حبقاً على جسرِ النداء"..من قصيدة( مطرٌ على صدر المكان )

إنه نداء الأنثى ـ الأرض و الذي يموجُ بالشوق و عذابات الاغتراب، يُشعلُ الحنين
لهمس البيوت و دفء المكان...
إن الشاعر طلعت متمكِّنٌ من استخدام الصيغ الفعلية و الاسمية على حدٍّ سواء،
ففي بعض الأمكنة ،نشعرُ بهذه الدفقات الكثيفة من الصيغ الفعلية( امنحي، امتشقي،
اذهبي، ارجعي، تألّقي، افترشي،........)
" امنحي قلبي زمان الوصل و امتشقي فمي عنقود أحلام".......
" اذهبي في لحظتي حتى حقول الحب"......
" ارجعي عيني و ذاكرتي دمي و تألّقي حتى الضلوع".......
" و افترشي ندى روحي"....... من قصيدة( أشعلت رمان المكان).
هذا الدفق المتواصل لصيغة الفعل كان قد ساهم بإطلاق العنان للحركة...
و نجدُ الشاعر و قد كثَّفَ من الصيغ الاسمية في مواقع أخرى بهدف التوسع في
الوصف و دعم الحالة التأملية...
" لكِ الآن قمح صلاتي و ناي اغترابي"....( من؛ أجيئكِ ذات صباح)..
" لماذا تميلين نوراً و ناراً و نصف سؤالٍ و نصف جواب؟"....( من؛ أحبكِ)..
" ردّي إليَّ البساتين حتى أنال من الكستناء و لوز الحكايات شيئاً" ( من؛ كأنّ
السماء)..
و لم يتوانى الشاعر طلعت عن استخدام مفهوم التضاد بهدف استكمال رؤياه، تلك التي تجسِّدُ فوارقَ حادة بين الموجودات الزمكانية...
" ثلجي# ناري" السطر 11 من / خذي دحرجات الغيوم /.
" النور# النار# السؤال#الجواب" من / أحبكِ/.
" الحب البعيد # القريب ، الصباح#المساء، البدايات#النهايات" من / و جرحي
مسافات عشق/..
و نلاحظ أيضاً الأنا الشعرية المهيمنة على القصائد و التي كانت تتأرجحُ ما بين صعود
و هبوط و امتداد و انحسار و خفاء و وضوح...
" فأنهضُ بين تفاح الصباح.......، أمضي إلى شباك أحلامي.........، أمدُّ الروح.......
من / عام و تفاح الصباح/..
" أبني على جرس الكلام قصيدتي، ألمُّ عن شجر الغناء.....، أبتدىءُ الكلام.......،
أدمنت كفيَّ.......، أهوى الشوارع التي........، أدمنت أن أبني على الـــ.........،
من / بلحٌ و نايٌ صارخ/..
إن امتداد شطآن الأنا الشعرية لم يكن إلا تعبيراً عن التماسك الفكري و الايقاعي 
لدى الشاعر ما يُظهرُ العمق في التجربة و ألوانها و أشكالها فيما يخصُّ الشعر
بالطبع........
كما و نشعر بروح الديمومة التي روتْ الحدث من البداية إلى النهاية مروراً بفيوضات
من الوجدانية والوطنية..
" فأوَّلُ الاعرابِ أنَّ جنوبنا فعلٌ و بحرٌ و انتشارٌ رائعٌ و الفاعل الآن الجنوب".......
" و أشتهي أن أرفعَ الآن التراب جميعه لأضمَّ حبات الندى في كلّ رقصةٍ حبة من عطره"....... من / عرس الجنوب/..
و نلاحظ استخدامه للتكرار في الأماكن:
" هذا هو البحر الجنوبيّ الذي لا ينتهي"
" " " " " " " ينحني"
" هذا الجنوب جنوبنا"..... صفحة 88 من / عرس الجنوب/..
ما يؤكِّد أهمية الفكرة و جذب انتباه المتلقّ إليها...
و فيما يتعلّق بالجملة الشعرية فهو يُطلقها متقطِّعةً حين يريد الاشارة إلى الألم الذي
يعتصرُ روحه و قلبه:
" و أنتِ خواتم كلّ الأصابع، أنتِ الحجارة أنتِ الزنود، الوعود، الضياء، الفضاء،
النهار، البدايات،الحكايات، شمس الصهيل، انتباه الأصيل، ارتفاع الجبين...."
من / فلسطين يا قدس قدسٌ/..
و فيما يتعلَّق بالجملة المتصلة المستمرة الانفعالات فقد استخدمها حين أراد الإشارة
إلى الجرح الحارق الراعف النازف أبداً.
" هاتي يديكِ يهزَّان عند المساء توحّد عمري
بما في يديك من البيلسان، خرجتُ من الحبر
حتى شواطىء كفّيكِ كي أستريحَ من الدندنات
و كي أستبيحَ جميع الذي في الدندنات".......من / و جرحي مسافات عشق/ 
صفحة 38ـ39...
فشواطىء ( كفّيكِ) أشارتْ إلى الرومانسية التي ابتدأها الشاعر طلعت بالحسية(
هاتي يديكِ) ......هذا التحول من الحسيّ إلى الرومانسيّ كان تعبيراً عن هطولاتٍ متفاوتة ممزوجة بأجمل المشاعر و التأملات الغارقة و المستغرقة في الجمالية
و الحب.......
لكأنَّ الجملة الشعرية لديه تخرج من الأعماق، من دواخل الأحاسيس ، من دهاليز
الصراع بين الوصال و الفراق، بين البعاد و اللقاء، بين الأمس و الحاضر،
و لا أخفي أني شعرتُ و كأنَّ المجموعة سيرة عشق تعدَّدتْ ألوانه من ( تأمل
و نثرٍ و شعرٍ و سردٍ) ما أضفى على المنولوج و الحوار و الفلاش باك جمالياتٌ
صارخة...
أما عن الأنثى، فهي لديه الحب الذي تنوَّعتْ صوره من خلال النداء و الاستحضار
وإنها الجمال و الطبيعة بتقلباها المتفاوتة بين صحوٍ و لا صحو، بين ربيعٍ و شتاء، و هي العطاء و الدفء:
" أدمنتْ كفيَّ الذهاب إلى ضلوعِ البرتقال"...
و هي الغموض اللذيذ الذي أشعلَه حيرةً و قلقاً:
" لماذا تميلين نوراً و ناراً و نصف سؤالٍ و نصف جواب؟"
و هي السكينة و الاستقرار النفسي:
" و رأسي على خبز كفّيكِ مُلقى رغيفاً من التمتمات"..
" أنتِ التي وحَّدتْني بذاتي"..
و هي الزمن بتداعياته على المكان و ذات الشاعر:
" هل كنت التي تأتي و لا تأتي، رأيتكِ أم تخيَّلت امتداد فضائي المفتوح نحو
الناي موسيقا؟......"
و هي الخيال بظلاله و امتداداته و كثافته و رهافته:
" و يأخذني قلبي إلى هواكِ،و أنتشي من خمرةٍ راحتْ تبادل عريها بتسابق
القطرات من عسل الترفُّقِ في احتواءِ أصابعي"....صفحة 14/سطر 5ــ8..
و هي القصيدة،حبر المشاعر، قلق الذات،الانفعال، الأرق المبهر:
" و يا رجع الهوى أهواكِ أشعلُ قامتي عمراً يفيضُ على يديكِ
قصيدةً و نداء حلمٍ سلحرٍ"... صفحة 50/ سطر 14 ـ 15

و نأتي إلى موضوع الاغتراب؛ الذي هو الآخر بدوره يحتاجُ إلى صفحاتٍ و صفحات
لسبر أبعاده في ذات الشاعر طلعت،
و أقولُ إن العلاقة المكانية كانت قائمة على مفهوم التقاطب بين أرض اللجوء و الأرض المحتلة و ما أفرزته هذه العلاقة من ألفة# غربة، من خيال# واقع......
فالمكان، كان جزءاً من لعبة الذاكرة التي أتقنها الشاعر ، لهذا بدتْ( الأرض المحتلة) 
مكاناً يصعب اختراقه إلا من خلال معطيات سيميوطيقية مشحونة بدلالات و قيم
وجدانية تغلغلتْ في و من مسارات حواسِّه و مسامات هواجسه ما يجعله رغم الاغتراب متشبِّثاً بتلك الأرض( الجذور ـــ الانتماء)..
" هذا مكان من مكان مكاننا، هذا العبور إلى الفضاء فضاؤنا"....
صفحة 108 ، السطر 13 ـــ 14 
" أدقُّ جدارَ من ناموا على دفّ التحسُّرِ خلسةً و الوقت من وقت و من بلحٍ ومن ذكرى 
و ذاكرةٍ ومن عمرٍ فما أحلى التدفّقَ في الدروب لقصة من شمسنا من قدسنا"
صفحة 106 ، سطر 10 ـــ 14 ..
هذه العلاقة الزمكانية ولَّدتْ لديه الانفعالات و التوترات، و التي لن تزول إلا بزوال
الاحتلال..
" لن نستكين سوى بامتداد النهار على كلّ شبر
هنا عمرنا حبنا، عشقنا كلّنا و الزمان الذي
كان يبقى بكلّ الزمان لنا حين تشرقُ
شمس اللقاء فوق هذا التراب
لنا عرسنا"..... ص 103/المقطع الأخير..

إنه الاغتراب النازف للقلب و الذكريات و المساءات و الموال و القصيدة
و الأرق........إلخ.
" خذي كلّ وقتي و كوني جميع الزمان ، المكان، الحكايات، الذكريات ، ملامح وجهي 
هواي، مناي، شرودي، خطاي، رصيف حنيني"...من / كل أشواق السنين/..
" هاتي من الوقت حتى أعاودُ عدَّ ضلوعي
و ترتيب ناري و ثلجي و برقي و رعدي"...من / خذي دحرجات الغيوم/..

و أختمُ قرائتي لألوان اللوحة الشعرية بالقول:
" خذي دحرجات الغيوم" ذاكرةٌ يثقبها رصاص الألم بحثاً عن المكان في زمنٍ
تخثَّرتْ ملامحه ما أدخلَ الشاعر في حالة الصراع الدائم مع غربته......
جراحات نفسٍ يعتصرها نأي عشتار الشاعر التي بدونها لا طعمَ للحبِّ و لا لونَ
للنيروز......
" و صعبةٌ لغةُ الفراق و كلّ ذنبِ الخافقِ
المجنونِ أنّ النبضَ فتح وردة نيروز بعضِ
البعضِ أو نيروزِ كلّ لغاتها و صفاتها
و حلاوة الأشواقِ في لفتاتها و الشمس في
أوراقها و جمالها....." ص 5 / سطر 5ــــ9 ......


© Arab World Books