الكائن في مجرى الحياة  



الكاتبة: رشيدة الشارني
الكتاب :صهيل الأسئلة. قصص. المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط1 2002م
عرض محمد معتصم/الدار البيضاء/سلا:04/11/2002م




في مجموعة رشيدة الشارني تصبح قضية المرأة أو المرأة القضية ثانوية ما دام شغلها الشاغل الإنسان في حركة المجتمع وتحولاته، أو الكائن في مجرى الحياة. كائن تفرض عليه الطبيعة حينا شروطها وتختار له طريق ومجرى حياته ومصيره. أو يفرض عليه المجتمع بقوانينه وأعرافه وتقاليده التخلي عن قيمه وعن مبادئه واعتقاداته الفردية.

الحدث الختامي:

تكتب رشيد الشارني آلام الكائن العاطفية والاجتماعية والجسدية دون السقوط في حالات التشاؤم. فالحدث الختامي في قصصها يبعث على التفاؤل إذا اخترنا هنا فجيعة الجد في زوجته (محبوبة) التي سرقها قطاع الطريق نموذجا، فإننا سنجد النص ينبني على الوحدات السردية التالية:

1. الغزوة الشرسة
2. مغادرة الأرض إلى غيرها من بلاد الله
3. ترك الزوجة تحت السنديانة والتوجه إلى القرية المجاورة (الدشر)
4. العودة مع الابن (عمار) والحصان
5. اكتشاف اختفاء (محبوبة)
6. التيه والترحال
7. التئام الجرح بظهور امرأة ثانية (حدوثة)
8. تجديد العزيمة على الانتقام من الأعداء الغادرين

ينتهي النص القصصي بحدث محمل بكثير من الأمل، يقول النص:" وذات صباح خريفي وصلنا أرض العقلة،، أطللنا عليها من جبل "سيدي سلامة" كنت أرتعد حماسا ومنحولي رجال يلمع البأس من عيونهم ويبرق الخطر من سيوفهم وهم ينتظرون بيقظة وتحفز إشارة الهجوم مني" ص(99). وبذات الأمل تنتهي مأساة مهندس الكهرباء في قصة "الله يحبني يا كريدو" " ص(34). بعد انتشاله من قذارة النفط التي كادت تغرقه وتبتلعه.

وفي قصة "صهيل الأسئلة المرة" تختم القاصة حكايتها بحدث غير متوقع، عكس القصص الأخرى التي تضمها مجموعة "صهيل الأسئلة". ففي الوقت الذي يرق قلب الزوجة (المطلقة) لطليقها، والانتباه إلى تغير سلوكه في الكل وحتى مظهره الخارجي، وتحت إلحاح ابنيها طارق وهشام بالعودة إلى أبيهما ولم الشمل، يهمس (عبد القادر) الزوج الطليق في أذن الزوجة الطليقة :" لن أستطيع الحضور يوم الأحد القادم لأخذ الولدين سيكون ذلك موعد زواجي فأرجو أن تتدبري الأمر معهما" ص(146).

هناك نوع ثان من الأحداث الختامية في قصص مجموعة "صهيل الأسئلة" ويختلف عن النوع السالف؛ الحدث الختامي المتفائل (النهاية السعيدة). ويمكن أن نسميه للتمييز بالحدث الختامي اللامتوقع (تكسير أفق المتلقي) والمخيب للآمال.

نستمد ذلك من قصة "كلمات بلا نافذة" حيث تخيب آمال الشخصية القصصية في استرجاع ما فات وما عفا عليه الزمان، وتقف على مشهد الطبيب مع الفتاة الرعناء. وفي قصة "في متاهة الأقبية العمياء" تغوص القاصة في أقبية المستشفى لتقف على مشهد مثير للغثيان، بوصفها لقط شرس ينهش جثة جنين قذف به مع نفايات المستشفى. وفي ذلك موقف صريح من الإجهاض في قولها:" أ هكذا تتمزق الأجنة بين أنياب القطط في الزوايا القذرة المعتمة بينما يرقد أهلها بهدوء واطمئنان ا؟ " ص(156).

تبدو العوالم المعتمة، والسلوكات الشاذة (رحلة محسن الأندلسي) لدى الأفراد وفي المجتمع وانهيار القيم البطولية أنها تشكل الفضاء الأثير للقاصة، لكن الأحداث الختاميةتأتي لتشكل بنية مهمة في البناء العام للقصة، ولتكسر التوقعات، ولتبعث بعض الأمل والتفاؤل في نفس القارئ.


البنية القصصية:

للقاصة رشيدة الشارني تقنية كتابية تقوم عليها جل قصص المجموعة. وتتمثل في البنيات الحكائية التالية:
· إعلان الخبر
· حث الذاكرة على الاسترجاع
· الحدث الختامي المتفائل أو المثير للغثيان

ثلاث بنيات حكائية مركزية في قصص المجموعة. تبدأ القاصة الحكي بإعلان الخبر المركزي والأساس دون تقديم أو تأطير إلا فيما ندر ، وإذا وجد يكون التأطير وصفا للمكان. في قصة "طريق دار العجائب" يبدأ الحكي كالتالي:" ما كانت تتصور للحظة وهي تراه قادما نحوها يصفر ويدندن ثم يتوقف قبالتها ليسألها بلطف [..] إلى انتشال قلادتها الذهبية واللوذ بالفرار" ص(11). وتتوالى الأحداث واصفة الصراع الشديد بين اللص النيق والشخصية القصصية النسائية، ولا تغفل القاصة كما في كل قصة في المجموعة سلوكات الناس التي انحطت وما شابها من خنوع وذلة...إلخ.

أما البنية الثانية المركزية في بناء القصة لدى الكاتبة فتتمثل في الاسترجاعات والاستذكارات في صورة بنية موازية لبنية الحدث (الحاضر) الآني (سرقة القلادة). تبدأ البنية الاستذكارية بالجملة التالية:" ذلك الشارع شارعي، وتلك الأرض أرضي. منذ ثلاثين عاما وأنا أتنفس هواءها أبتل جذلى بأمطارها [..] عندما فتحت عيني بأحد البيوت الواطئة التي تقع عند نهايته وجدت بعض الناس يسمونه "طريق دار العجائب" ..." ص(16).

البنية الاستذكارية مهمة جدا على مستوى إضاءة النص القصصي. كما أنها تسمح للقصة بأحداثها وشخصياتها أن تتوسع وأن تنزاح عن المسار الأول الذي يشد القارئ إلى المتوالية الحكائية ذات الطابع الحدثي التقليدي. لأن القصة في بدايتها كانت تقوم على الراوي المهيمن والعالم بكل شيء والمتحكم في بناء القصة فلا يغفل على جانب من جوانبها العامة. وأهم ركيزة تساعد القاص على إغناء النص القصصي وعلى نمائه: "الأحداث القصصية". وهذا يعود إلى أهمية الحدث الصحافي والسياسي في الحياة العامة، وإلى أهمية التاريخ كمادة حكائية سردية لبنتها الأساس الحدث المباشر والوقائع المثيرة والعنيفة. تلك التي تهز كيان المتلقي وتثير فيه الغرائز وتشبع فضوله بالإضافة إلى نموذج شخصية البطل.

والقاصة تكسر هذا الأفق لدى القارئ بخلقها فجوة الاستذكار، واللعب على الزمان والذاكرة. فالحدث المركزي الواقع الآن، والذي يتمحور حوله الحكي ليس مادة سردية فقط بل له أهداف وغايات، وله استنتاجات هي أطروحة القاصة ومشروع القصة. ويتمثل ذلك في مقارنة الحاضر (الحدث الآني القصصي) بالماضي الذي يسكن الذاكرة، فيصعد بقوة الاستذكار لينعكس الخلل.

إن المقارنة بين الحاضر والماضي تصل إلى استنتاج حقيقة واحدة صارخة هي: اختلال القيم وتحولها من قيم الشهامة والذود عن الكرامة الإنسانية إلى الخسة والذل. ويتمثل ذلك في قصة "طريق دار العجائب" من خلال استرجاع حرب البسوس. كيف قامت الحرب عقودا من الزمان من أجل ناقة في ظاهرها لكن من أجل الكرامة الإنسانية في عمقها. بينما أهل الحي فوقفوا مكتوفي الأيدي، ولم تسعفهم قدراتهم سوى على تثبيط عزيمة الشخصية المتمسكة بحقها في استرجاع قلادتها الثمينة (هدية الزوج) ومن عزيمة العامل الذي دفعته شهامته للتدخل لولا التدخل السلبي للمتفرجين. يقول النص:" يندفع أحد الصبيان العاملين في ورشة للميكانيك لنجدتها فيمسك به بعض الرجال قائلين بنبرة هي أقرب إلى الضعف منها إلى الحكمة. – أتريد أن تدفع بنفسك للهلاك ؟ اتركها وشأنها إنها المسؤولة وحدها عن عنادها" ص(13).

إمعانا في ترسيخ هذه الصورة المشوهة للتحول تضع القاصة علامة استفهام كبيرة حول شخصية الشرطي الذي طمع في القلادة، وكأن اللصوصية أوجه مختلفة ومتدرجة من أسفل إلى أعلى. يتحكم فيها الجشع الإنساني والطمع الذي يذل النفس البشرية. تضع القاصة ذلك في الحدث الختامي الذي يشكل البنية النهائية للقصة، يقول النص:" – لا تقلقي، سنستمر في البحث عنه.
" فهمت المسألة على نحو مختلف، خزنت غيظها وغادرت مركز الشرطة، اختفت في الطرقات الداخلية المؤدية إلى ذلك الشارع الطويل تهرأت القصاصة بين أصابعها المتعرقة. فتحت قبضتها وقلبتها باستهزاء ثم لم تلبث أن فتتها إلى أجزاء صغيرة ونشرتها في طريق "دار العجائب" ." ص(24).


السارد:

تناوب القاصة في قصصها بين نمطين من الساردين: السارد الذي يحكي بصوت محايد ينقل الأحداث التي تقع ووقعت للشخصية القصصية. وهو ساردٌ منتشر في القصص التقليدية. والسارد الثاني مشارك، ويمثل صوت الشخصية القصصية. يحكي هواجسها ووقائعها وخصوصا الاسترجاعات والاستذكارات التي تتوسط وحدتين حكائيتين ومتواليتين سرديتين. متوالية "الحدث الإخباري" و"الحدث الختامي". وهما معا يكملان القصة. إن صوت السارد المشارك وصوت الشخصية القصصية في آن يعتبران صوت الذاكرة الذي يضيء النص القصصي من خلال المقارنة بين الحاضر والماضي، والقيم المثلى، والقيم المستحدثة الطارئة، وتبدل السلوك العام والخاص للناس والمجتمع. لكن التبدل، كما في جل الكتابات العربية، يتقهقر ولا يتقدم. ومن ثمة يصبح السارد بنوعيه ضرورة في الكتابة. فلا بد من سارد محايد لا يبدي رأيه ولا موقفه بل يقوم بوظيفة الكاميرا اللاقطة لمشاهد والأحداث. ولا يقف دور السارد المحايد عند هذا الحد بل يقوم بالترميم بين الأجزاء المتشظية من الحكاية (مادة القصة). ويعرض الأحداث وخصوصا الحدث الإخباري في مفتتح قصص مجموعة الشارني.

أما السارد المشارك فإنه لا يرمم القصة بل يرمم النص (الخطاب القصصي)، بإضافة متواليات سردية، وبنيات حكائية كبنية الاستذكار والاسترجاع. ثم يقوم السارد المشارك بتقريب المسافة بين السارد والشخصية القصصية المحورية، والكاتب الموضوعي الواقعي، وبالتالي التأثير على المتلقي وتحويل السرد من المنطقة الصفر (الحياد) إلى منطقة أكثر حيوية وتحولا وفاعلية (الحكي السيرذاتي). أو الانتقال من ضمير "هو" إلى ضمير "أنا".

إن السرد في قصص رشيدة الشارني يراوح بين السرد المحايد والسرد الذاتي المتفاعل.

الشخصية القصصية:

من المقومات الحيوية في الخطاب القصصي إلى جانب الأحداث والشخصية القصصية التي تقع لها الأحداث وتُوقعُ بالآخرين الأحداث أو تنقل الأحداث إلى المتلقين. وقد دُرستْ الشخصية القصصية من وجهة نظر مناهج متباينة ومتعددة وعمد أصحاب الرواية الجديدة إلى تفكيك سلطة الشخصية القصصية وتأثيرها فتحولت الشخصية الواضحة المعالم والصفات والوظائف والحالات النفسية مع الواقعية إلى مجرد حر هجائي كما في رواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا". وقد تحولت إلى مجرد علامة دون محددات خارجية أو أوضاع اجتماعية. وكل هذه التغييرات لها منظرون في النقد الأدبي، والمقاربة النقدية الاجتماعية، وله مسوغات معقولة ومقبولة نظريا وتطبيقا. فبعد الثورة الصناعية التي قضت على القوة العضلية للإنسان عقبتها الثورة التقنية التي استبدل فيها العقل البشري بالعقول الإلكترونية. ولخصت البنيوية كل ذلك مع روجيه غارودي تحت عنوان "البنيوية فلسفة موت الإنسان". وقد تحول الإنسان إلى سلعة وبخُسَ قدرهُ.

في قصص الشارني نمطان من الشخصيات القصصية متناقضان: شخصية إيجابية، وشخصية سلبية، جريا على طبيعة الصراعات الأبدية كصراع الخير والشر. لكن رشيدة الشارني تستجيب لطبيعة السرد، والأطروحة المركزية لديها. هناك الشخصية المتشبثة بأرضها وبقيمها وبالعدالة وبالكرامة، وبالحب والصدق. وفي مقابلها هناك الشخصية النقيض التي تنسلخ عن كل القيم وكل الالتزامات العليا والكبرى، وهي شخصيات مشوهة وبدون أصول، أنتجتها كالسلع المرحلة الجديدة وقد رفعت شعارا لها الضحالة والتفاهة وزوال القيم الجماعية المشتركة لصالح القيم الفردية المصلحة الذاتية والأنانية الجشعة والمريضة. هذه هي الأطروحة التي تقولها قصص مجموعة "صهيل الأسئلة". وليس غريبا أن تكون موضوعات القصص مندمجة في وقائع الحاضر: الحاضر العربي، والحاضر العالمي العولمي والدولي، وحاضر تونس. وهذا ما استوقفنا في كتابات نسائية معاصرة كثيرة مثل قصص سحر ملص من الأردن وهدية حسين من العراق، وخصوصا وبجرأة وحدة أكثر عند الكاتبة العراقية المقيمة بلندن سميرة المانع، ومن المغرب عند الكاتبة رجاء الطالبي.

إن الشخصية القصصية في قصص رشيدة الشارني تعلن عن موقفها من القضايا الراهنة. وهنا كذلك تصور الشخصية القصصية حالة التذبذب في المواقف من القضايا إما بالتمسك والمحافظة على ما كان والاكتفاء به أو الهروب إلى الذاتية والمصلحة الآنية.

في قصة "طريق دار العجائب" تتقابل شخصية "المرأة" مع شخصية "اللص" وشخصية وموقف "جمهور المتفرجين" المتخاذل. تدافع المرأة بإصرار عجيب لاسترداد قلادتها، كرمز للمحبة وللوفاء، وكإرث أيضا. لكن الناس يتقاعسون عن أداء واجبهم الأخلاقي والاجتماعي. أما اللص فكائن أحدثه التغيير الطارئ على المنطقة، وزحف المدينة على الأراضي الزراعية والحقول الممتدة. في إشارة واضحة إلى الصراع بين قيم المدن وقيم البوادي؛ أي الصراع بين القيم الفردية والقيم الجماعية. بين الأنانية والتضامن والتكافل. بين الخسة والشهامة. بين ذل والنخوة...

في قصة "الله يحبني يا كريدو" يتجلى الصراع بين شخصية المهندس "أحمد الشريف" وبين شخصية "الرئيس المباشر" في العمل الذي يصفه النص بالغباء والجشع والغلظة. أما شخصية المهندس فيدل عليها اسمها ولقبها"الشريف". ثم العنوان "الله يحبني" أي أن نجاته من ورطته وخروجه من بين الأوحال المتحركة كان استجابة لسلوكه القويم وإنسانيته التي تجلت في الحزن على صديقه الفقيد.

في "كابوس الساعة القادمة" تبرز القاصة قدرة الشخصية القصصية التغلب على الخوف وعلى حب الذات والتضحية من اجل الآخرين وقت الشدائد. يقول النص في حوار مقتضب بين الزوج وزوجته "نجاة": " يفتح زوجها عينيه على سعتهما مستغربا من تغير حالتها.
" – أ تخرجين الآن ؟
- ليس بوسعي أن أرد أحدا جاء يطلب مساعدة حتى ولو قاما القيامة" ص(50).

تنسى نجاة مخاوفها جميعا، على زوجها، وعلى ابنها، وتنسى القلق الذي ساورها بمجرد طلب جارتها العون والنجدة. وهذه القيم مفتقدة لدى الشخصية الثانية السالبة.وهي القيم التي تبحث عنها القاصة وتسعى إلى إحيائها وترسيخها. وتقول ذلك صراحة حينا، وحينا آخر من خلال التركيز على النقيض "القيم السالبة". وهكذا في باقي قصص المجموعة القصصية "صهيل الأسئلة".

إن السرد عند المرأة العربية المعاصرة مشحونة بالقيم وشديد الحساسية تجاه ما يقع في العالم من حولنا، سواء العالم الآخر الجديد والمتقدم أو العالم الذي نعيش فيه. ولعل السرد عند المرأة العربية سيظل المرجع الأساس لدراسة التحولات الاجتماعية والفكرية والسلوكية في المجتمعات العربية الحديثة لأن المرأة لا تتحكم فيها الإيديولوجيا السياسية بل تحركها الفطرة السليمة وعاطفة الأم الكامنة فيها والحاضنة الأولى للعالم.