Home
ركن الأدب

ثقافة العنف أم عنف الثقافة: بحث عن مواطن الإرهاب الحقيقي 

 

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
بحث

 

 

 

الكتاب :  ثقافة العنف في سوسيولوجيا السياسة الإسرائيلية 
دار الطليعة ، بيروت ، 2001
الكاتب :  الدكتور عبد الغني عماد
عرض :  د. محمود سليمان باحث و جامعي



إذا كان الإرهاب كما يرى المؤلف ، ليس أمراً عرضياً أو ظرفياً في تاريخ إسرائيل ، بل هو مركب عضوي و أساسي في الصيغة الصهيونية المعاصرة ، فتلك نتيجة انتهى اليها هذا الكتاب متدرجاً في ذلك من رصد الأساليب الفكرية و العقائدية و النفسية التي تربى عليها اليهود عبر العصور و الأزمان ، و ما أفرزته من ممارسات سلوكية مع الآخر بحيث يتضح بشكل جلي ، هذا الترابط عند الصهاينة ، ما بين الفكر و السياسة ، و العقيدة و السلوك ، كما بين الخرافة و الأسطورة من جهة و بين الواقع و الحقيقة من جهة أخرى . ففي ثمانية فصول ضمّها الكتاب كانت لمسات علم إجتماع المعرفة وتقنياته واضحة في إجراء حفريات معرفية لكشف الطبقات التي تتشكل منها الذهنية الإسرائيلية المعاصرة باصولها الصهيونية ومرجعيتها التوراتية والتلمودية ، وكان من الطبيعي أن يوفق المؤلف في هذا الجانب الذي هو من صميم إختصاصه الأكاديمي . 

ذهب المؤلف عميقاً نحو الميتولوجيا المؤسسة للعنف والتي تدعى الصهيونية أنها تستلهم ما تفعله منها ، على قاعدة " الشعب المختار " و " أرض الميعاد " والتي تحولت مرجعية عقيدية تزعم الإصطفاء والإستثناء وتدعي القداسة وتمارس الإستعلاء والعداء ، تجاه الآخر " الغوييم " وهم عموماً غير اليهود ، والذين هم إلى الحيوانات أقرب حسب التعريف التوراتي والتلمودي . 

وأخطر ما في هذه الأفكار العنصرية ، هو تغليفها بمزاعم دينية وإلصاقها بالرب وعلى لسانه ، وإستدعائها من التاريخ القبلي السحيق وإسقاطها على الواقع الراهن لتقوم بوظيفة سياسية على حساب شعب آخر . نشأت الصهيونية مستندة الى فيض من الأساطير ، ملأت برموزها حياة اليهود ورسمت بنموذجها سلوكهم ، واضافت الى رصيدهم عداء من تبقى من الشعوب ، خاصة بعد إنحياز الإستعمار وتبنيه قيام دولة يهودية تحت الشعار الزائف : شعب بلا أرض لأرض بلا شعب ، وهي التي قامت بالعنف والإرهاب وإقتلاع الآخرين وإبادتهم .

إن قراءة متأنية في فصول الكتاب الأولى تظهر بوضوح الترابط المحكم بين المرجعية التوراتية والتلمودية والنماذج السلوكية للسياسة الصهيونية والتي ما نجحت إلا في إنتاج العنف والإضطهاد والإرهاب لكل ماهو غير يهودي ، حتى اصبح الأمر ثقافة اكثر منه ايديولوجيا ، ونمط سلوكي كامن في صميم الشخصية وبنيتها الأساسية أكثر منه رد فعل او خيار او إجراء مؤقت او ظرفي . وهذا ما يفسر ان الصهيونية لا تعيش إلا في مناخ العدوان والحقد والكراهية للآخر بما لايفسح المجال لأي مستوى من التعاطف والرحمة ، ففي هذاالنوع من المشاعر نفي للذات واعدام لمبرر وجود الصهيونية القائم على مثلث العنف والإستيطان والعنصرية . 

من هنا نفهم مغزى الإشكالية التي اثارها المؤلف في كتابه بدءاً من العنوان " ثقافة العنف " . فالصهيونية إمتلكت شروعاً لإعادة تشكيل التفكير والمعرفة والسلوك والتفضيلات والمواقف والنظرة الى الذات والآخر والكون والمرجعية الجماعية وصولاً الى آليات إعادة انتاج الشخصية اليهودية داخل كيان خاص هو إسرائيل . والصهيونية في هذا أفضت الى كيان سياسي لم يتحول بعد الى مجتمع ، لذلك يصح القول ان إسرائيل كيان يقف على رأسه سعيداً بما لديه ، غير آخذ بعين الإعتبار الواقع المتعين وما فيه من تضاريس وحقائق ووقائع . 

ولعل الجديد والمفيد في الكتاب هو التحليل السوسيولوجي للأسس والجذور التي انتجت العنف الصهيوني ، ولا تزال تعيد إنتاجه بفعالية ، حيث الكل أوفياء لتراثهم الإرهابي . وهم في الحقيقة لا يملكون ولا يستطيعون إلا الإلتزام بهذا النمط السلوكي فهم ثمرته وحاصل إنتاجه بمن فيهم الليكود والعمل ، اليمين واليسار ، الحمائم والصقور إلى غير ذلك من التسميات والأوصاف الملتبسة .

يقدم الدكتور عماد في احد محاور الكتاب الهامة قراءة سيكولوجية للعنف الإسرائيلي انطلاقاً من تساؤلات طرحت منذ الإنتفاضة تتعلق بحالة عدم الإكتراث في الرأي العام الصهيوني بكل ردود الفعل التي تثيرها اعمال القتل والعقوبات الجماعية لآلة القمع الإسرائيلية وهي تساؤلات تذهب الى تحليل الآليات الدفاعية التي تلجأ اليها الشخصية الإسرائيلية لتحمي نفسها من ردود الفعل التي يثيرها ألم الضحايا وصراخهم ، ولتخلص نفسها من وطأة الشعور بالذنب والندم . في هذا المحور الهام يطرح الكتاب مقاربة سيكولوجية وسوسيولوجية من خلال التركيز على تحليل ثلاثة جوانب في الشخصية الإسرائيلية هي على التوالي معرفية وانفعالية وسلوكية . ويشير الى أن التنشئة السياسية والإيديولوجية لها آليتها وحيثياتها التي تقوم على التعبئة والإستنهاض كما انها تتركز على اهمية شعور الفرد وكذلك المجموعة بالإضطهاد ( البارانويا ) . وبهذا يتشكل نمط سلوكي لدى الإسرائيلي يقوم بإزاحة القلق وحل الأزمة عن طريق التغاضي عن المشاعر " الغيرية " من خلال انكاره للألم الذي يلحقه بالضحايا وإلقاء المسؤولية على الضحية نفسها . لذلك لا مجال للتعاطف و الرحمة عند اليهودي الإسرائيلي ليس لأنه فقد انسانيته بل لأن المجتمع الذي يعيش فيه تقرر سلوكياته بما يخدم " الية التجميع " التي كلما وهنت عملت الحكومات والأحزاب والمؤسسات الموازية على إستنهاضها ، ومن يخرج عن آلية الإستيطان هذه ينعت بالخيانة او " اليهودي كاره نفسه " و من يندمج ويتماهى مع هذه الآلية يصبح بطلاً او مواطناً صالحاً . 

وليس ادل على ذلك النهاية البائسة لمن خرج عن الخط الصهيوني العام ، ولعل مسألة السوسيولوجيين الجدد التي يتوقف عندها المؤلف بالتحليل والنقد خير دليل على ذلك رغم ما أثارته من نقاشات هامة في الداخل الإسرائيلي . 

يبقى الإشارة الى أن ما يحذر منه المؤلف هو إعادة إنعاش سياسات الترانسفير والتهجير والتي يستعرضها بعمق ، متتبعاً مراحلها منذ قيام الكيان الإسرائيلي . وهو يقرأ في هذه السياسات ما يوحي بإعادة طرحها وتبنيها مع عودة شارون وما يمثله من إتجاه عنصري لا يقيم وزناً الا للقوة والعنف .

إن كتاب ثقافة العنف في سوسيولوجيا السياسة الإسرائيلية يشكل إضافة هامة الى خزانة الفكر العربي . انه يشير الى مواطن الإرهاب الحقيقي في هذا العالم ، وقد جاء في وقته ليساهم في النقاش حول هذه المسائل ، وقد نجح في توظيف السوسيولوجيا والبحث الأكاديمي في قضية الأمة معركتها الأساسية ، ومستفيداً من مراجع حديثة ومتنوعة شملت بعض ما كتبه اكادميون يهود من مختلف الإتجاهات وذلك من خلال قرائتها نقدياً وهو ما كان يتهيب منه بعض الباحثين العرب . 

وإذا كان التكثيف هو السمة الغالبة على الكتاب ، فإن ذلك خفف من مساوئ الإستفاضة والتكرار التي يقع فيها البعض ، لقد طرح الكتاب الوقائع والأحداث والنصوص يشيء من التكثيف ، لكنه أعطى للتحليل والمقارنة والنقد ، المساحة الكافية لإستخلاص النتائج ، بما يثير التساؤلات التي تستنفر العقل والذهن والإدراك في وقت أحوج ما نكون فيه الى درء الأخطار عن الإنتفاضة الفلسطينية بكل مالها وما فيها من آفاق وآمال وأحلام . 

********************
أول الصفحة


© 1998-2000 Arab World Books