Home
ركن الأدب

  النهضة العربية والعولمة


 

صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
رأى وكتاب
سجل الزوار

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
بحث

 
 

 

 

الكتاب :   آفاق النهضة العربية ومستقبل الإنسان في مهب العولمة
الكاتب :  أبو يعرب المرزوقي
عرض : عبد الرحمن حللي - باحث سوري


يعتبر عقد التسعينيات من القرن العشرين عقد الفضائح بامتياز ، فحرب الخليج الثانية التي دشنت هذا العقد لم تحدث شرخاً في الصف العربي بقدر ما كشفت عن عمق هذا الشرخ الذي كان مستتراً ببعض المشاجب التي تعلق عليها المشاكل العميقة ، حتى إذا دخل العالم في ما يسمى بـ ( السلام في الشرق الأوسط ) ، وكشف الآخر القناع عن نهمه و غزوه الجديد تحت أسماء براقة تم التبشير بها بدءاً بالنظام العالمي الجديد و انتهاء بالعو لمة ، عاد السؤال الجوهري حول أزمة الحضارة العربية الإسلامية ، واستحضرت في هذا الإطار قضية النهضة في القرنين الأخيرين ، المحاولة و الانتكاس ، فكثرت القراءات ولا تزال حولها ضمن نسق من فكر المراجعات ساد في الثقافة العربية في هذا العقد ولم يخل منه حاضر الفكر العربي ومشاريعه التي وضعت على المشرحة ، وأصبح المشروع الجديد الذي يفاخر به المثقف العربي هو الحديث عن تهافت المشاريع وفضح مرجعياتها المستعارة وتطبيقاتها المتناقضة .
لقد كان لهذه المراجعات وللانكسارات التي حدثت في الواقع أثر في منظري الفكر، فأصبح الخطاب الإسلامي وغير الإسلامي السائدان يستعيران من بعضهما مسوحاً من الأفكار والألفاظ تخفف حدة كل منهما ، وهذا ما زاد من تهافتهما وتناقضهما ، وإن كان خلق مساحة مشتركة بينهما ستمهد لخطاب ثالث لا ينتمي لأي منهما هو بصدد البروز والتشكل .
في هذا الإطار نسمع صوتاً مختلفاً يرجع بأزمة الحضارة العربية الإسلامية إلى تشخيصها الأول في محاولة نهضتها مع الإصلاح النظري التيمي ( نسبة إلى ابن تيمية ) ، والإصلاح العملي الخلدوني ، باعتبارهما شخصا الأزمة بما لم يصل إليه الفكر المعاصر ، فيستعيد نظريتهما في الإصلاح مع مراعاة قضايا الحاضر وأدوائه ، ليصوغ بذلك رؤية شاملة تقارب المشروع ، فيؤكد المؤلف في فاتحة الكتاب " أن الفكر العربي الإسلامي قد أدرك جاد الإدراك أسباب الانحطاط التي ما زلنا نعاني منها إلى الآن ، ولم نستطع تداركها بحكم اقتصار فكرنا على الآزف من الحاجات وبحكم تقديم العاجل السياسي على آجل الشروط الفكرية والاجتماعية لقيام الأمم العظيمة ، ذلك أن الاقتصار على الأزمة الحالية التي يعانى منها الفكر العربي علته الأساسية التقيد بمطالب الظرف وعدم فهم الأسس التي تصدر عنها أزمات الحضارة الإنسانية "(1) .
وما دامت أسباب الانحطاط معلومة فهو يتحدث عن عوائق النهضة و ملهياتها والكسور التى أدت إلى الحرب الأهلية التي هي أكبر الأدواء فى تاريخنا منذ الفتنة الكبرى التى علتها كيف الجمع بين ختم النبوة ونفي الوصية هذا المبدأ الذي يحدد فعل حضارتنا المؤسس بصفتها حضارة أسهمت في التاريخ الكوني ، فمهمة الفكر الأساسية عندنا اليوم هي جبر هذه الكسور لتحقيق شروط الاستئناف المبدع وتجاوز المآزق الحالية أو الطرقات المسدودة(2) .
إن الكشف عن رؤية أبى يعرب لقضية النهضة العربية بمختلف جوانبها تقتضى الوقوف عند بعض المحددات الأساسية فى تفكيره ورؤيته للواقع الذي يخوض فيه الفكر العريى ، لذا سنبنى قراءتنا للكتاب على محاور أربعة هى بمثابة مدخل للكتاب ولفكر الكاتب ، وسنحاول في الأخير منها أن يكون نقدياً ينصب على أهم مسألة بعالجها .
و هذه المحاور هي :
- الرؤية الفلسفية .
- الرؤية الحضارية .
- واقع الفكر العربي والنخب .
- المؤسسة الدينية عند أبى يعرب .

الرؤية الفلسفية :
إن البحث عن الرؤية الفلسفية التي تشكل أرضية الكتاب - الذي يقدم على أنه كتاب فلسفة - يعتبر من الصعوبة بمكان لا سيما إذا لاحظنا أن المؤلف يبني كتابة استناداً إلى سلسلة من الكتب قدم فيها رؤيته الخاصة حول مختلف القضايا الفلسفية ، لكن العلاقة الجنينية بين مختلف كتب المؤلف تجعل هذا الكتاب يجلي المحاور الأساسية لرؤيته والتي تختلف عما هو سائد ، فبينما يفاخر الفكر العربي المعاصر بابن رشد و يعتبره رائداً فريداً ، نجد أبا يعرب يعكس الاتجاه فيرى أن الرشدية الجديدة أسطورة انفعل بها الفكر النهضوي العربي بتأثير من سخافات رينان(3) و أن " ابن سينا و الغزالي يمثلان مركز الثقل في الثقافة العربية الإسلامية أولاً ثم في الثقافة الإنسانية ثانياً ، فهما قد وحدا بين كل ما تقدم عليهما في الثقافتين الفلسفية العلمية والدينية الصوفية فكان كل ما تلاهما لا يمكن أن يكون إلا نابعاً من أعمالهما إيجاباً أو سلباً في شطري الإسلام ( السني و الشيعي ) أولاً ثم في ما يماثلها في الغرب أخيراً ( البروتستنتي و الكاثوليكي ) "(4) ، و يرى في ابن تيمية وابن خلدون آخر مفكرين كبيرين في الإسلام السني شخصا الأزمة بما لم يصل إليه فكر النهضة العربية فالأول شخص الأزمة النظرية وعللها الروحية والثاني طبيعتها العملية وعللها السياسية ، وأدركا أن فساد المؤسسات يعد في الوقت نفسه علة ومعلولاً لفساد الإبداع ، وأدركا كون الفكر العربي قد انتهى إلى نفى الفصل الضروري بين مستوى الضرورة الطبيعية التي رد إليها المجتمع العربي الإسلامي ، ومستوى الحرية التاريخية التي تأسست عليها ثورته الأولى ، وحاولا أن يجدا له علاجاً وذلك بالبحث عن السبل التي تحرر مؤسسات المجتمع الوسطى ( الأسرة ، المنشأة ، المدرسة ، الدولة ، المعبد ) المتجاوزة لكل دولة بمهامها السامية وقيمتها المتعالية(5)
ويحاول إعادة قراءة تاريخ العقل الإنسانى بداية ووساطة بين عصرية الذهبيين المزعومين غربيين ، وفهم عودة الفرع الغربي إلى الأصل الشرقي بفضل الدور اليهودي المسيحي القديم بداية ، وبفضل الدور العربى الإسلامي غاية وننقل عنه نصاً مطولاً يلخص رؤيته ويؤسس منه لنظرية الاستخلاف التى يعتبرها البديل لنظرية الحلول :
" وكان أساس ذلك وجوهره هو النقلة من تصور الوجود تفسيراً وتأويلاً علاقة بين الجواهر والطبائع إلى تصوره علاقة بين الذوات والشرائع بسيادة الذات الإلهية ، و هو ما ولد نظرية التراسل بين الذاتين والانتقال من سيطرة الوجود الطبيعي إلى سيطرة الوجود التاريخي . فالذات الإلهية المتعالية تبدع الموجودات والقيم في الطبيعة والتاريخ ، والذات الإنسانية تبدع أشكال تحقيقهما في النفس والتاريخ . وكلتا الذاتين تتميزان باللاتناهى . الأولى لا تناهيها مبدع للموجودات والقيم ، والثانية لا تناهيها مبدع للمعرفتين : النظرية ومؤسساتها والعملية ومؤسساتها . وقد أعادت بداية العصور الحديثة بعد الإصلاح الديني للحياة الروحية المسيحية ملازمتها الفعل التاريخي النظري والعملي بعد الصدمة بالإسلام واعتناق القول بتصور لهذه العلاقة ، فكانت عودة إلى المعرفة الإنسانية بوصفها تراسلا بين الذاتين الآلهة والمألوهة وإلى المعرفة العلمية بوصفها فعلاً تاريخياً وسياسياً لعل شكله الأول الذي أعد له كان الحروب الصليبية وحروب الاسترداد . لكن هذه العودة لم تتحقق فلسفياً إلا مع ديكارت وكنط غاية ، نظيراً لصياغتها عند ابن سينا والغزالي ، صياغتها الصريحة بداية بمقتضى التوحيد بين التجربتين الدينية الصوفية و الفلسفية العلمية في أرقى أشكالها ، ولم تصل إلى غاية انحطاطها أعني التخلص من الذات الإلهية للاستعاضة عنها بالذات الإنسانية ، إلا في انحطاط الأفلاطونية التوراتية المحدثة الجرمانية ، تخلصاً يشبه ما حصل بصور صريحة في انحطاط الفكر الصوفي بعد السهروردي وابن عربي و ابن سبعين و التلمساني . ونعتقد أن مهمة العقل الإنساني المقبلة ينبغي أن تكون رفض التنافي بين الذاتين الآلهة والمألوهة للإبقاء ، على تشاهدهما لكونهما تحييان معاً و تموتان ( ! ؟ ) معاً بمقتضى التضايف الجوهري بينهما وذلك هو معنى رفض عقيدة الحلول واختيار منزلة الاستخلاف ، منزلة وجودية للإنسان في النقد التيمي والخلدوني ، المنزلة المبرزة حقاً لطبيعة الميثاق : وهذا هو علة سمو منزلة الاستخلاف على منزلة الحلول وما تؤدي إليه من قتل للإله والمألوه "(6) .
تتجلى من خلال هذا النص المهم العلاقة بين الدين والفلسفة والتقابل بين الحلول والاستخلاف كتصورين للإله والمألوه ، فالحداثة الغربية لم تكن من ثمرات اللائكية - كما يتصور من يجهل تاريخ الفكر الغربي - بل هي حركة هامشية ومتأخرة في التاريخ الغربي " فكبار الفلاسفة العلماء من أمثال ديكارت ولايبنتس وباسكال و نيوتن لم يكونوا من دعاة اللائكية لا في الممارسة النظرية ولا في الممارسة العلمية ، بل إن البعض منهم - وهم من هم - قد كانوا من ذوي المشروعات الإصلاحية في مجالي المسائل الدينية (لايبنتس) أو التعليم الفلسفي الديني ( نيوتن ) . هذا فضلاً عن كون جيل الفلاسفة الألمان وكل كبارهم في القرنين التاليين كانوا في الأصل من رجال الدين ، تكويناً وتربية إن لم يكن حرفة وسلوكاً "(7) و بالتالي الفلسفة الغربية لاهوت متنكر رغم ارتدائها لزي الثورة على الدين في بعده الرسمي(8) والفصل بين الفلسفة الغربية والكلام المسيحي (Theologie) يبقى سطحياً وهذا ما يجهله أنصاف الفلاسفة(9) .
هذه الرؤية التي قدمنا تبقى ناقصة ما لم نتعرف على التنظير الفلسفي الذي بنيت عليه والمتمثل بنظرية الكلي المستندة إلى مستويات الوجود الإنساني وهى خمسة : (الطبيعي الحيوي - الحيوي التاريخي - العقلي النظري - العقلي العملي - الوجودي الكلي) و ينتسب الإنسان إلى هذه المستويات عبر علاقتين الأولى وجودية ( الانتساب الماصدقي إلى الكل ) و الثانية إدراكية ( الانتساب المفهومي إلى الكلي ) وبناء على هذه القسمة الخماسية يحدد الفارق بين الفلسفة الحلولية والفلسفة الاستخلافية في تحديدها الوجود الإنساني .
فكان التحديد سلبياً للإنسان بمعنييه المثالي والمادي في الفلسفة المعاصرة وذلك بناء على التثليث المسيحي الذي يستند إلى رد المستوى الوجودي الكلى إلى المستوى العقلي النظري والعقلي العملي ، واعتبار المستوى الطبيعي الحيوي والحيوي التاريخي مجرد عروض حدثي على سطح الوجود الطبيعي ( مثالية هيجل ) أو العكس وذلك برد المستوى الوجودي الكلي إلى المستوى الطبيعي الحيوي والحيوي التاريخي واعتبار المستويين العقلي النظري والعملي مجرد انعكاس لهما لكون العقل مجرد صدى معاكس للحقيقة المادية ( مادية ماركس ) . بينما كان التحديد إيجابياً في النظرة الاستخلافية بناء على التسليم بهذه الأبعاد الخمسة والفصل بينها والسعي إلى فهم الموجود المخلوق والفصل بينه وبين الوجود الإلهي لرفض تعين الكلي في الجزئي فضلاً عن تعين المطلق في النسبي وبناء عليه تم التمييز بين الإله والمألوه(10) .
هذا البديل الاستخلافى يقوم على القسمة الخماسية التى تعتبر أساً فى تفكير أبى يعرب ، والتي تتعدى مستويات الوجود إلى القيم فهى خمس :( قيم النظر والعمل والذوق ) وهي المعتادة فى التثليث ويضيف إليها قيمتي ( التوجيه والشهود )(11) وكذلك تتعدى القسمة إلى الأزمة فى تعيينات هذه القيم لدى الأمم وذلك في سلوك نخبها الذى ساد فعل التحديث في المجالات الخمسة : ( القيم الجمالية / الشعراء ، القيم الخلقية / الوسطاء ورجال الدين ، القيم المعرفية / العلماء ، القيم الجهوية / الوجهاء (الساسة بالأخص) ، القيم الشهودية / الحكماء) ، و تستمر هذه القسمة فى قضايا عديدة (12) تتجاوز التعليل الفلسفى إلى التقسيم المنهجي والشكلي الذى يبدو فى بعض الأحيان متكلفاً ولوحظ عليه تأثره بخماسية الإسلام ( الأركان )(13) لا سيما وقد قارنه بالتثليث(14) .
هذا مجمل الرؤية الفلسفية التى تشكل أرضية الكتاب الذي يكشف فيه المؤلف عن بديل حضاري تقوم فلسفته على نظرية الاستخلاف مكان المأزق الإنساني الحالي الذي أنتجته الفلسفة التى تستند إلى الحلول ، وهذا ما يحيلنا إلى الكشف عن الرؤية الحضارية كما تتجلى فى الكتاب .

الرؤية الحضارية :
الحديث عن النهضة حديث عن مشروع حضاري ورؤية متعددة الجوانب حول مختلف القضايا وأول ما ينبغي أن نلاحظه في هذا الإطار هو العلاقة بين الحضارات ، وهي عند أبى يعرب تستند إلى رؤيته الفلسفية، فهي ليست علاقة جزئي بكلي فتكون إحداهما إنسانية تامة والأخرى إنسانية ناقصة ، ولا بين جزئيين ، إنما هي علاقة بين جزئيين يدعيان تمثيل الكلي ويطمحان إلى تحقيقه(15) ، وكذلك هي ليست علاقة بين أنا وآخر إذ لو كانت كل حضارة في جوهرها غير غيرها من الحضارات لما اشتركت الحضارات في ما ليس من جوهرها فلا تستمد جوهرها إلا من هذا السلب والصحيح هو العكس فما تتميز به الحضارات هو العرضي وما تشترك به هو الجوهري الذي لا ينحصر في ما تحقق منها بل إن جله يتمثل في ما تسعى إليه ( صبوها الواحد إلى المثال الإنساني )(16) .
وفي ضوء تلك العلاقة بين الحضارات يمكن فهم وتشخيص الحاضر ، فالأزمة الحضارية أزمة عالمية لا تخص الحضارة العربية " إذ الأزمة ليست خاصة بنا كما يزعم البعض بل إن الإنسانية كلها ترزح تحت آثار الحلول التي استندت إلى الانفصام الناتج عن التوحيد الممتنع بين المثال والواقع "(17) ويتجلى هذا البعد الإنساني من عنوان الكتاب ( .. ومستقبل الإنسان في مهب العولمة ) إذ " الظرف العربي بما هو حالة خاصة ذات دلالة في المصير الإنساني بحكم ما نلاحظه من اجتماع جل أدواء العصر فيه "(18) .
فالبعد الإنساني للأزمة يضفي بعداً كونياً للحضارات التي لم تخل منه لحظة " فكل لحظات التاريخ الإنساني كانت كونية أي أنها تشمل عولمة عصرها الفاعلة إيجاباً وفعلاً ، وتعود إلى من بيدهم الأدوات التي تمكنهم من فرض خاصهم على الآخرين ليكون عاماً وهي تشمل عولمة عصرها المنفعلة سلباً وانفعالاً ، وتعود إلى كل من يستسلم لهذا الفرض تسليم اندماج أو تسليم هروب إلى الخصوصية ، إذ الصراع الوحيد الممكن في التاريخ الكوني كان ولا يزال الصراع بين ضروب العولمة ، أو إن شئتم بين الصور النموذجية للإنسان في الحضارات المختلفة : أي النماذج التي تسعى الحضارات إلى تحقيقها في التاريخ وتلك هي طبيعة الحضارة . والمعركة اليوم هي بين النموذج الاستخلافي الذي نمثل بذرته التي لم تكتمل بعد ، والتقاء النموذجين الأدنى منه والأسمى المزعومين ، أعنى التقاء الشرق الأقصى والغرب الأقصى "(19) .
فهو يرفض الحلول المطروحة للتعامل مع العولمة الحالية المتصورة واقعة حتمية لا مرد لها ، ولا مثيل لها في العصور السابقة ، هذه الحلول التي يطرحها إما المعارضون ( أصحاب التأصيل ) وتتمثل في الانكماش في خصوصية مزعومة وأصبح نقد العولمة وكأنه دعوة إلى التخلي عن العالمية والتوق إلى الوحدة الإنسانية بما هي أفق مثالي تسعى إليه الحضارات . والحل الثاني الذي تمثله النخب العربية - مدعية التحديث دون فهم لطبيعة الحداثة - هو تلمس سبل النجاح في الاندراج فيها لظنهم أنه لا بديل من هذا الاندراج إلا البقاء المزعوم على هامش الحركة التاريخية(20) ، بل إنه يتحفظ على خلفية طرح إشكالية العولمة التي " تبدو في الظاهر دفاعاً عن الهوية الحضارية " و لكنها في الحقيقة مستندة إلى اليأس منها "(21) ، ويرفض تصور العولمة المطروح وما رافقه من حلول " فكل عولمة تامة وهم غايته حصر المثال في الواقع ، إذ العولمة هي بالطبع دائماً أمر بصدد الحصول بمقتضى قانونها الذي هو قانون نسبة الممكن اللامتناهي إلى الحاصل المتناهي منه "(22) فطبيعة العولمة صراع إرادات بين ضربين من العولمة إحداهما : تصحر الوجود الإنساني الحضاري التاريخي فتفقره وتفسده ( المؤسسة السياسية الحديثة التي تستند إلى القوانين الطبيعية العمياء ) والأخرى : تثمر الوجود الإنساني فتثريه وتصلحه ( المؤسسة الدينية الحديثة التي تستند إلى القوانين الخلقية العزلاء ) والسؤال الإيجابي الذي يطرح في هذا الإطار : كيف يمكن قيادة الصراع بين العولمتين قيادة تمكن العرب والمسلمين من استئناف دورهم التاريخي الكوني وتقديم رسالة الحضارة الإسلامية ذات العالمية الفريدة للإنسانية بوصفها ضرباً روحياً خلقياً من العولمة الموجبة التي لا يتنافى فيها الدنيوي والأخروي ؟(23) أما الإجابة فلا تترك خياراً أمام التحدي الذي يفرضه وجها العولمة الأبشعان : الخصوصية النافية لكل من سواها ( إسرائيل وفلسطين) والعمومية الساحقة لكل من عداها ( أمريكا في العالم ) ، فالتغلب على هذا التحدي صار شرط بقائنا فضلاً عن كونه شرط أدائنا لدورنا في التاريخ الكوني حماية للإنسانية والكون بمقتضى الاستخلاف(24) .
فما هى صورة هذا النموذج الذى يمكن أن يغير القبلة من جديد لو تخلى الفكر العربي الإسلامى عن الجبن التاريخي وارتقى به الوعي إلى مسئولية الرسالة ؟
هذه العولمة البديل ليست أمراً حاصلاً فيمكن تقديمه ، وإنما هي مثال أعلى وضعه الفعل المؤسس للرسالة الإسلامية ، لكن التاريخ الإسلامي لم يحقق من هذا المثال شيئاً يذكر يمكن أن يعتد به أو يعود إليه الإنسان ، فالعولمة الإسلامية ليست ماضيها ، بل هي مستقبلها الذي لا يزال غير محدد المعالم ، لأن الأجداد اكتفوا بالاندراج في عولمة عصرهم الحاصلة وتخلوا عن العالمية الإسلامية التي حدثت الثورة باسمها ، الماضي الإسلامي ليس مطابقاً للرسالة الإسلامية ، وكل محاولة لحصر مستقبل الإسلام في ماضيه يعد ابتعاداً عنه ، فكل ما يمكن أن نسلم به لهذا الماضي هو الفعل المؤسس ( منزلة الاستخلاف ) وتحقيق شرطه التاريخي ( الثقافة الإسلامية الحالية ) والجغرافي ( العالم الإسلامي الحالي ) وعلينا أن نحدد مضمونه الموجب في القرون المقبلة(25).
هذه الرؤية الحضارية - كما تجلت في الكتاب - تستند إلى قاعدة صلبة وفكر واثق من جذوره ، غير مزكوم برياح العولمة التي يلتمس لها مدلولاً إيجابياً واحداً وذلك باعتبارها " الأمل الوحيد المتبقي للقضاء على النخب الطفيلية المؤيدة للكيانات الهزيلة التي ينتسبون إليها لاستبدالها بكيان عربي قادر على البقاء و الإسهام في تحديد مستقبل الكون "(26) .
إنه فكر متفائل من خلال الواقع الإمكاني ، فهو يتحدث عن آفاق تحول دونها الملهيات والشواغل السطحية التى تعيشها النخب الطفيلية فى الواقع الفعلى .. فما هى قصة هذه النخب عند أبى يعرب حتى يعتبر القضاء عليها أملاً ؟


واقع الفكر العربي والنخب :
إن الحيز الذي يحتله واقع الفكر العربي والنخب التي تمثله بمختلف أصنافها ووظائفها - في الكتاب - والنقد الموجه له والموقف الساخر منه ، يجعلنا نعتبر ذلك محوراً أساسياً من محاور الكتاب الذي خصت فاتحته وخاتمته لفضح هذه النخب فضلاً عما في ثناياه .
ولو أن هذه المواقف قد صدرت من أحد قطبي الفكر السائد الإسلامي أو غير الإسلامي لكان مفهوماً ولا يحتاج إلى الالتفات ، أما أن يصدر من أبى يعرب الذي لا ينتمي لأي منهما بما هما عليه ، والعارف بما لديهما فهو أستاذ الفلسفة العربية واليونانية ويعرف هذه الأخيرة من مصادرها الغربية وبلغاتها الأساسية الفرنسية والإنكليزية والألمانية ، فأن يصدر موقف من شخص عنده هذه المعطيات أمر يحتاج إلى التفات ومزيد اعتبار .
بداية يسجل أن واقع هذه النخب جعل الرأي العام يستخف بهم ويتهم الجميع فييأس من كل النخب(27) وهو لا يستثني أي صنف من أصناف النخب ويخص منهم النخب الفكرية المنتسبة إلى الأصوليتين الحاليتين والوسيطتين : العلمانية منها بالاسم الدينية بالفعل ، والمتكلمة باسم الدين ، فالحرب إنما هي بين حزب يريد السلطان باسم الدين ومن يريده باسم الفلسفة ، أو الحرب بين وثنية القانون المنزل ووثنية القانون الوضعي ، فالأولى تدعى تمثيل الوحي والثانية تمثيل العقل(28) ، ويؤكد اليأس العام من صنفي الفكر السائد فيقول " لا أعتقد أن أحداً يشك في موت الفكر الذي تستند إليه حركات الإحياء الديني وبدائيته وخوائه ، ولا في موت الفكر اللائكي بشقيه الوضعي والماركسي وبدائيته وخوائه ، إذ حتى هروب أصحابه بعد إفلاس هذين الفكرين إلى الفكر الفينومينولوجي والفكر الذرائعي ( رغم تخفيف الموقف الوجودي السلبي فيهما ) لا يعد فكراً حياً ، لكونه مثله مثل سابقه لم يصدر عن سؤال فلسفي حقيقي ، وإنما هو مجرد تتلمذ سطحي وخارجي يمضغ كلاماً أجوف مضغ الببغاوات لكلام قواعد العجائز "(29) .
فالسائد هو المضمون الأيديولوجي الذي يبقى دائما أيسر ما يكون في متناول المتفلسفة الذين ليسوا معاصرين لقمم الفكر الإنساني القديم منها والحديث والمعاصر ، وبفضل مفكرينا العظام عدنا من جديد إلى الذهنية الناتجة عن انحطاط الأفلاطونية التوراتية المحدثة الجرمانية انحطاطا آل عندنا إلى الجدل العقيم حول الخصوصية والكونية، الأنا والأخر ... الخ من السخافات التي لا تسمن ولا تغني ، لكونها لا تنتسب إلى الفكر إلا اسمياً ، مازال مفكرونا أصحاب المشروعات يتصورن التفلسف ممكنا بالشكل الكلامي القديم والوسيط(30) فهؤلاء الثائرون على رجال الدين هم أكثر الناس انتساباً إلى الفكر الديني الميت الذي يمثله اللاهوت القديم المتأخر والوسيط (علم الكلام) الموروث عن العهد التوراتي الفلسفي إما بتوسط عودة ابن رشد أو اسبيتوزا أو كونت وماركس ، وليس الكلام في هذه الأمور هو المعني إنما الكلام فيها على غير علم بما وراءها ويتعين ذلك بمجرد اعتبارها الحل في حين أنها هي المأزق . فما زال الفكر العربي في طور الصراع بين المتكلمين والفلاسفة أولاً وبين الفقهاء والمتصوفة ثانية ، رغم الحداثة الخارجية التي لا ينطلي طلاؤها إلا على الجاهلين بالحي من الفكر الغربي(31) .
" هل إشكالية العلاقة بين الحكمة والشريعة مثلا في الشكل الذي عالجها فيه ابن رشد لا تزال ذات دلالة بالنسبة إلينا في حين أن الشريعة ليس لها في تنظيم حياتنا الاجتماعية والسياسية أدنى دور يذكر وأن الفلسفة عديمة الوجود إلا في هذا المستوى الأيديولوجي الذي يستحي منه من اطلع أدنى اطلاع على الفكر الغربي الحديث والمعاصر بل وحتى من علم جيد العلم الفلسفة القديمة ؟ "(32) " إننا إلى الآن لم نشرع في التعلم الحقيقي على الغرب ، لا بما فيه من غربي متعين ، بل بما فيه من إنساني متعين وسع آفاق الوجود الإنساني .. ويكفى دليلا على عدم شروعنا الفعلي في التعلم الجدي عدم ترجمة أهم الأعمال الفكرية التي ثورت التاريخ الإنساني أو رداءة ما تم منها "(33) .
فى ظل هذا الجهل بما يجرى من حركة فكرية فى الغرب أصبحت حركات الحداثة وما بعد الحداثة مضغات ممجوجة عند المجترين منا للشعارات ، ولا سيما عندما تصاغ صياغة صحفية لا يحدد توالي الأفكار فيها إلا المقص واللاصق السحري الذي يجعل السطو على المجلات الغربية السيارة مصدراً للإلهام والإبداع في مجال الفكر والنقد(34) ، وفضلا عما يجري في الفكر العربي المعاصر من اجترار وسطو وتسطيح لما يظن حياً في الغرب ، فإن الفكر العربي هو الأخر لم يدرس لذاته وإنما درس من خلال أثر غيره فيه أو أثره في غيره حصراً فيهما(35) .
هذا الوضع الذي شخصه لواقع الفكر العربي يبقى دون ما وصلت إليه الصياغة الأخيرة للمأزق التي انتهى إليها الفكر العربي الإسلامي فأوصلته إلى الانحطاط ، ويعني صياغتها عند ابن خلدون من مدخل نظرية العمل وصياغتها عند ابن تيمية من مدخل نظرية العلم ، ويستعير لوصف حال النخب العربية (التي مركزت هزيمة 1967 في تفكيرها) المصطلح النيتشوي (الأمية الثقافية) والذي يعنى عدم إدراك مقومات الحضارة الحقيقية ما هي ؟ (36)
يبقى لنا في هذا المحور أن نسجل تحفظاً على طابع الإطلاق والتعميم الذي لم يستثن احدأ ، ولئن كان هذا مقبولاً كموقف معرفى فإنه مبالغ فيه بما رافقه من أحكام تتعلق بالنوايا والولاءات ؛ وقد استثار هذا الموقف النخب على المؤلف فمارست التهميش والتجاهل لأطروحاته وربما التصنيف الأيديولوجي ، والنقد والنقاش في بعض الأحيان _(***) .

المؤسسة الدينية عند أبى يعرب :
يحفل الكتاب بالحديث عن المؤسسات ودورها في النهضة ولعل الأهم منها المؤسسة الدينية التي نلمح أول ذكر لها في الكتاب عند الحديث عن رجال الدين أو الوسطاء كنخبة خلقية تعين فيها التحديث في مجال القيم الخلقية كواحدة من القيم الخمس(37) ، ثم نجد حديثاً عن السلطة الروحية التابعة كواحدة من الفئات الخائفة من العولمة ويصفها بأنها مطلقة ومحمية تابعة مباشرة لسلطات المستعمر الروحية ، ويعبر عنها في نفس السياق بالسلطات الدينية(38) ويرى أن " عدم التجديد المؤسسي في الإسلام مع الاستغناء عن السلطة الروحية الرسمية جعل إشكالية تحديد هذه المؤسسات أمرا عسير الحسم بل والمصدر الأول للحرب الأهلية العربية الإسلامية التي لا نزال إلى الآن نعاني منها لكون أمرها لم يحسم "(39) .
وفى معالجة هذه المسالة يطرح إشكالاً يتمثل في الخلط بين الدنيوي والأخروي في الإسلام ( القيم الروحية والقيم المادية / بعدي الفعل الوجودي ) والذين لا ينفصلان وبين السياسي والديني من حيث التنظيم المؤسسي ( بعدي أدواته ) والذين ينفصلان . ومشكلة التفكير الأصولي أنه يجعل الثاني مثل الأول ، ومشكلة الفكر اللائكي أنه يجعل الأول مثل الثاني . ويرى أن هذا الخلط بين هذين المستويين هو الذي أفسد طرح المشكل في المعركة التي دارت رحاها بين الشرق الأدنى والغرب الأدنى في شكلها القديم حول العلاقة بين بعدى الفعل الوجودي ، وتدور رحاها الآن حول العلاقة بين أدواته ، وأن التأثير المتبادل بينهما خلال المعركتين قد بين عدم صحة الحلين الإسلامي والمسيحي ، فالغرب الأدنى حافظ على الفصل المؤسسي بين السياسي والديني وانتهى تدريجيا إلى التخلي عن الفصل بين الدنيوي والأخروي ، وذلك هو معنى الإصلاح الديني منذ بدايات القرن السادس عشر ، كما أن الشرق الأدنى قد حافظ في العصور الحديثة على الوصل بين الدنيوي والأخروي منذ بداية القرن التاسع عشر وهو يسعى تدريجيا إلى التخلي عن التوحيد بين المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية ، ويرى أن هذه المعركة في المسيحية والإسلام معركة ذاتية وليس للصدمة بالآخر سوى دور المحفز وإعادة الصياغة(40) ويرى أن " المشكل كله مشكل زائف ولا علاقة له بطبيعة الدين الإسلامي أو المسيحي وإنما مصدره تحريفهما إذ إن التوحيد المبدئي بين المؤسستين والفصل بين البعدين ليسا موجودين أبداً في أي منهما ، وإن كان الخلط بين الأولين والفصل بين الآخرين حاصلا في جل الحالات بحكم يسر فقدان التوازن بين السلطتين الزمانية والروحية فقداناُ يبحث لذاته عن تأسيس مبدئي فيؤدى إلى التحريف الديني "(41) ، " وما الثنائية المؤسسية وإمكانية استحواذ أحدهما على الأخرى إلا دليل قاطع على كونهما بالطبع اثنتين ، وأن الخلط بينهما مسألة فنية علتها عدم تحقيق شروط المحافظة على تقاسم المهمات بينهما"(42).
" الإسلام إذن يفصل بين السلطتين بما هما أدوات الفصل الجماعي رغم كونه يوحد بين بعدي الوجود الإنساني الفردي والجماعي ، السياسي المؤسسي والديني المؤسسي مفصولان ، وفصلها شرط في أدائهما لوظائفها "(43) .
هذا الفصل المبدئي بين السياسي والديني (المؤسسي) في الإسلام رافقه إخفاق في الواقع في مستوى نظرية المؤسسات الذي يعتبر من أكبر علامات الإخفاق في تحديد طبيعة العلاقة بين المطلق والنسبي والكلي والجزئي ، فكان من ثم أساس الحرب الأهلية الأولى والحالية في العالم الإسلامي ، ثم يهون هذا الأمر ويرى أن هذا الفشل الفني ليس ضاراً (؟!!) فلعله هو المدخل إلى ما تحاوله الحضارة العربية الإسلامية حاليا لتأسيس الديمقراطية الحالية(44) .
ويعود للحديث عن المؤسسة الدينية في إطار الحديث عن البديل الاستخلافي فيتحدث عن المؤسسة الروحية أو المعبد خامسة المؤسسات الاجتماعية (المنشاة / الاقتصادية - الأسرة / التربوية - المدرسة / التعليمية - الدولة / السياسية)(45) ، ثم يؤكد أن مؤسسة المعبد تكون دائما تابعة في الوجود الخارجي للدولة لكون سلطان القيم الرمزي لا يمكن أن يصمد أمام سلطان الآليات المادي ، لكن التبعية الحقيقية هي دائما وبالذات للمؤسسة المعبدية إذ إنها هي التي تصوغ الدوافع بدرجاتها الخمس ، ولا تتعين في أي مؤسسة مهما تمت لكونها الرأي العام الروحي للإنسانية ، شاهدة المطلق شهوداً استخلافياً ، وهى السلطة الوحيدة التي برأها الرسول من الخطأ القيمي ، وما خلا مجتمع إنساني من العبادة قط حتى وإن خلا من الإيمان الاستخلافي(46) .
" لذلك فإن الاستغناء عن المؤسسة الدينية الرسمية في الإسلام ليس بوليد الصدفة إذ ليس يمكن لهذه المؤسسة إن وجدت أن تكون إلا تابعة للدولة أو متبوعة لها فتكون في كلتا الحالتين قد تعينت في آلياتها تعيناً يفقدها الاشرئباب الدائم لطلب القيم المطلقة "(47) .
"فالمعبد في التصور الاستخلافي - الذي لم يتحقق تصوره إلى حد الآن - ينبغي أن يكون نظاماً خاصاً من السلطات لا يتعين في أي مؤسسة رغم كونه الموفق المطلق بين السلطات الأربع المتقدمة عليه وهذا المعبد الذي يمكن أن نطلق عليه اسم سلطة إجماع المجتهدين الضمني المستند إلى الرأي العام الروحي أو عصمة الأمة "(48) .
هذا الحل (الإجماع الاجتهادي) الذي نعتبره أسمى الحلول ما هو إلا مجرد تطبيق الغاية التي بلغها تصور المعبد(49) وذلك في المجتمع المعبدي الذي لم يتحقق رغم كونه هو عينه الثورة الإسلامية(50) ، فالدورة المعبدية تأتى لتعيد الوجود الإنساني إلى أبعاده وتصل الإنسان بالوجود المخلوق ككل بما هو آية الوجود المطلق .. فتقوم الدورة المعبدية بدور تحريري من التضييق في الثورة التربوية والاقتصادية ، والدورة التعليمية والسياسية فالمعبد بالمعنى الإسلامي للكلمة لا يمكن أن يتعين في خلايا لكونه هو الإجماع الاجتهادي المحدد لبناها جميعا والساعي إلى تجاوزها ، لئلا تنقلب إلى تطبيقات لتصورات حلولية للوجود . ولذلك فهذه الدورة (المعبدية) مستغنية عن القيام الذاتي المستقل في مؤسسات معينة لكون قيامها هو الوجود الكوني عينه ، وفعلها هو الشهود التجاوزي المعبر عنها في الإدراك الإنساني مما يجعل نفى السلطة الروحية بما هي تعين سلطاني فوق الوجود الإنساني نتيجة واجبة لهذه الخاصية(51) .
هذا مجمل ما ورد في الكتاب حول المؤسسة الدينية التي يبدو في البداية أنه مقرٌ بوجودها ويستعير لها تسمية غير متداولة في الإسلام بل هي مرفوضة من حيث المبدأ (رجال الدين - الوسطاء) وهى مؤسسة متعينة بأشخاص يتحدث عنهم كسلطة روحية تابعة وخائفة من تهديد العولمة لمصالحها (ونلاحظ هنا تعميم الحكم على الأشخاص من خلال نماذج يعرفها ولم يسمها) ، فهي مؤسسة موجودة وقائمة ولها سلطة ويؤكد هذا الإقرار بوجودها في الحديث عن الثنائية المؤسسية (الدينية والسياسية) وأن الإسلام يقر بالفصل بينهما ويدعو إلى التمييز بين الديني والسياسي كمؤسسات والدنيوي والأخروي كبعدين للفعل الوجودي ، ويعتبر الفصل بين المؤسستين شرط لأداء وظائفهما .
إذاً المؤسسة الدينية (السلطة الروحية / الدينية - رجال الدين ) أمر واقع وقائم ولها وظائفها ويعترف الإسلام بها ، بينما نجد نقضاً لهذا الأمر في الحديث عن استغناء الإسلام عن السلطة الروحية وأن هذا الاستغناء لم يكن وليد الصدفة ، ويزداد هذا النقض لتعين المؤسسة الدينية في الواقع عند الحديث عن المعبد أو المؤسسة المعبدية المتعالية عن التعين في أي مؤسسة أو خلية وتبقى سلطة خامسة توفق بين السلطات الأربع وهى بمثابة الرأي العام الروحي (ويسميها سلطة الإجماع الاجتهادي) فهي بهذا المعنى بمثابة رائز أخلاقي يرافق السلطات الأربع (التربوية والاقتصادية والتعليمية والسياسية) ويوفق بينهما ، ونتساءل هنا ماذا اختلفت عن البعد الأخروي المقابل للدنيوي في الفعل الوجودي، فهي بعد خلقي (لا يتعين) ملازم للمؤسسات الأربع ، فالمرافقة مع عدم التعين يرادف عدم الفصل بين الدنيوي والأخروي وبالتالي يتناقض ذلك مع التأكيد على الفصل والثنائية بين الديني والسياسي المؤسسي ، لا سيما وقد اعتبر الفصل بين بعدي الفعل الوجودي (الدنيوي والأخروي) والبعد الأداتي (المؤسسي) هو المدخل للفصل بين المؤسسة الدينية والسياسية في حين آل الأمر في الحالتين إلى عدم الفص وعدم تعين المؤسسة الدينية .
وبغض النظر عن التردد بين الإثبات والنفي لتعين المؤسسة الدينية كما يبدو في الكتاب يُطرح تساؤل حول وظيفة المؤسسة الدينية في الإسلام والتي تحدث عنها في البداية مع الوسطاء / رجال الدين / السلطة الروحية ؟ إن هذه المصطلحات المستعارة من ثقافة دينية أخرى تحمل في طياتها معان ووظائف دينية غير موجودة في الإسلام وبالتالي تصبح شاذة في السياق الإسلامي ، فكل مسلم رجل دين ، وهو وسيط نفسه إلى الله وفى ضميره وفطرته وازع أخلاقي هو السلطان الروحي عليه ، وهو كمسلم مكلف بأن يمارس هذا السلطان على جميع البشر من خلال الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ... أما ما قد يوصف في الواقع بأنه مؤسسات دينية كالأوقاف.. إنما هي مؤسسات مدنية شانها شان جميع المؤسسات الاجتماعية وليس للدين فيها سوى الضبط القانوني في الإطار العام ، ونستطيع القول بناء على ما طرحه المؤلف حول المؤسسة المعبدية أن كل مؤسسة هي دينية بالطبع من حيث حضور الرائز الديني الخلقي في التوجيه والتوفيق بين المؤسسات .
إن تصور المؤسسة الدينية - كما تجلى لنا في الكتاب - يبدو ضبابيا ومضطرباً ، وإن كان ما انتهى إليه ينفي وجود المؤسسة الدينية التي نظر لها كواحدة من المؤسسات في أول الكتاب ولولا هذا التنظير لأمكن فهم الحديث عن رجال الدين والوسطاء على أنه توصيف لما هو عليه الحال في الواقع من مؤسسات تمارس سلطة دينية في المجتمعات الإسلامية .
ويبقى الفشل في ضبط نظرية المؤسسات - عموماً - ذا أثر سلبي كبير في التاريخ الإسلامي وليس هيناً كما ذكر المؤلف .
هذه المحاور التي عرضناها إنما هي مدخل للكتاب لا يغنى عن قراءته ونقده ، فهو كتاب يستثير القارئ ، ويدعوه إلى مراجعة أفكاره وتحديد موقفه ، إنه يعود بالفكر العربي إلى أسئلته الحضارية الخاصة به التي لطالما ابتعد عنها إلى قضايا لا تعنيه .
ــــــــــــــــــــــ
1)
1) آفاق النهضة العربية : ص 5 ، ويؤكد ذلك في أماكن عديدة مثلا ص 13 (الهامش)
2) انظر : م . س : ص 25-26 .
3) انظر : م . س : ص 66 .
4) م . س : ص 78 .
5) انظر : م . س : ص 6-7 .
6) م . س : ص 92-93 .
7) م . س : ص 42 .
8) انظر : م . س : ص 144 .
9) انظر : م . س : ص 158 (الهامش) .
10) انظر : م . س : ص 150-151-152 .
11) انظر : م . س : ص 24 .
12) انظر نماذج القسمة الخماسية في الكتاب في الصفحات التالية : 67-94-115-120-123-126-128-133-135-152-162-167-176-179-194-198-206 .
13) انظر عقيل الخطيب ، عرض الباب الأول من الكتاب في مجلة الحياة الثقافية (تونس) العدد : 115 ، السنة : 25 ماي - 2000 ، ص : 23 .
14) انظر: آفاق النهضة : ص 24 - 176 (الهامش) ، وانظر : ص 179 .
15) انظر : م . س : ص 130 .
16) انظر : م . س : ص 132 ، وما ورد هنا يناقض ما ذكره ص 114 " لكننا من القائلين بالتنافي الجوهري بين الحضارات والتلاقي العرضي بينهما " .
17) م . س : ص 123 ، أنظر : ص 200
18) م . س : ص 202 .
19) م . س : ص 118 .
20) انظر : م . س : ص 127 .
21) م . س : 111 .
22) م . س : 128 .
23) انظر : م . س : ص 128 .
24) انظر : م . س : ص 148 .
25) انظر : م . س : ص 122 .
26) م . س : ص 117 .
27) انظر : م . س : ص 13 .
28) انظر : م . س : ص 208 .
29) م . س : ص 147 .
30) انظر : م . س : ص 206 .
31) انظر : م . س : ص 203-204 .
32) م . س : ص 49 .
33) م . س : ص 212 .
34) انظر : م . س : ص 199 .
35) انظر : م . س : ص 69 .
36) انظر : م . س : ص 211 .
37) انظر : م . س : ص 25 .
38) انظر : م . س : ص 124 .
39) م . س : ص 138 .
40) انظر : م . س : ص 139-140 .
41) م . س : ص 140 .
42) م . س : ص 140 .
43) م . س : ص 141 .
44) انظر : م . س : ص 144 .
45) انظر : م . س : ص 163 .
46) انظر : م . س : ص 164 .
47) م . س : ص 164 .
48) م . س : ص 166 .
49) انظر : م . س : ص 169 .
50) انظر : م . س : ص 171 .
51) انظر : م . س : ص 172 - 173 .

_(***) انظر مناقشةً لموقفه من النخب من خلال كتابه عند : رسول محمد رسول ، أبو يعرب المرزوقي وإشكالية النهضة العربية الحديثة ، صحيفة الدسنور

 

**********************

أول الصفحة


 © Arab World Books