في آخر أيّام الماء




سعد كمّوني شاعر وكاتب من لبنان

 

في آخر أيّام الماءْ ،

والأرضُ تدورُ بلا خجلٍ في كفِّ مرابينَ عراةْ،

أعلنتُ أمامَ الأشجارِ طيورَ القلبِ

وقد سحقتها الغربةْ،

ملأتْها العتمةُ أحلاماً

لم تورقْ رغم الرفرفةِ المُثْلى

مذ كان القلبُ

وكان النبضُ على أعتابِ الغاباتِ البكْرْ.



في آخر أيّام الماءْ

والغيمُ يعانقُ في الأفْقِ معادنَ وثنيَّةْ ،

لا يذكر ثلماً من قريته

أو أيّ جرار!

يرقصُ في أنديةِ الأجسادِ الخرساءْ .

فتحَ القلبُ كتابَ الرملِ

وأذّن في الأطيار لتنسجَ من كلِّ سماءٍ تعرفها

أغنيةً تبقى في جسد الوقت وفي روح الأشياء .

غنّتْ في صدري أغنيةً آراميّةْ

كانت "هاجر" قد غنّتها في حفل يباسٍ هائلْ

فاندفع الخلقُ وراءَ الطيرِ... وكان الخلقْ .



....

في آخر أيام الماء

رسم الليلُ أباريقَ الفخّارِ الفينيقيّةْ

وانتبذ جناحاً في الكونِ

ليتلوَ في التجّار أناشيدَ البحرِ

وأشرعةَ الأرباحْ .

يفتح آفاقاً سوداءَ

يخبّئُ في أضلعها أسرار الدرب إلى الإنسانْ

يكتم أشياء عن النسوة في أحضان الغرباءْ

ويزيّن أنفاس العتمة بالعطر الموصول بأنفاق الرغبة!

كان الليلُ انتبذَ جناحاً في الكونِ

فصار الكونَ

وغابت كنعان بأكملها في شجر "الغرقد"

مَنْ يمضي في الليل ، ومن دون هواجس؟!

يا أسئلة الأنسامِ عن الأمداء انتبهي

حين تضمّين حنيناً للأوراد

فالليل ضليع بالتضليل

وبالتزوير

لأفئدة العشاق .

ما زال الليل صديقاً للقرصان وما زال عدوّي.

هذا قدموس يعود ليغزو عينه

يوصد باب الحبرِ ،ويلقي بالألواح أمام البيت الأبيضْ

لا يقبل أن يقرأ سطراً من أزهارٍ مصطنعةْ،

يعرضُ ما يَلْقَى في آخر أيّام الماءِ

على ما يمطر في روحهْ ،

ينكر أنّ الغمرَ أمام الأوطان مياه ،

ينكر أنّ الجاري بين حقول الأرضِ مياه ،

ينكر أن اللون اللامع في الوجنات مياه ،

لا يملك أن يقبل شيئاً من هذا

في حضرة روحٍ من ماءْ؛

ولذا ؛

يُلقي للبيت الأبيض بالألواحِ وبالحبرِ وبالفخّارْ

ويقول: "إذا قلَّ الماءْ ؛

تتناثرُ أعشابُ الرُّوحِ

وتيبسُ أفئدةُ العشّاقْ".

لكنْ،

إنْ غارَ الماءْ

تتحكّمْ قبضاتُ الرّملِ بأفكارِ الشمسِ

وترميها كالعظمةِ عندَ خلاءِ الكونْ"

آهٍ قدموسْ

...كانت أمّي قد وضعت في قلبي

حرزاً ضد الرمل القادمْ

دسّتْ في روحي شيئاً

من عشب أصابعها

النابتِ من ضرْعِ الرَّحمةْ،

لكنْ

ما أعطتني حرزاً ضدّ غبارٍ يتراكمُ في عيني ،

غيرَ غبارِ الحاراتِ ،

وغيرَ غبارِ الأولادِ على البيدرْ ...

ما أعطتني حرزاً

ضدّ الصدأ المتنامي في أعراقي ،

من ثالث أكسيد الإعلام .

أعطتني عيناً

أرصد فيها نبض الشمسِ

وأحلامَ الأنجمِ في الأفلاكِ

وما أعطتني أقداما تحملني نحو امرأةٍ تحملني.

...قالت:

" إنّ الحب طيورٌ تهجرُ قلبَكَ

نحو سماءٍ خضراءَ

وماءٍ فضّيٍّ ساحرْ ،

فاتبعْها من دون سؤالْ ..

قالت :

"إنّ الحبَّ فؤادٌ ينبضُ في الصَّدْرِ

ويركضُ في الطرقاتِ... وليس يعودْ ،"

فاتبعْه من دون سؤالْ



....

...لم أسألْ!

ما زالت في صدري كلُّ مروجِ الأمسِ

وما زال الأفقُ على طرقاتِ الغدْ

لكنْ... سقطَ الماءْ !

اللحنُ الآراميُّ الأوّلُ يهوي

ويسيبُ

ولا طيرٌ يأتي أو خلقٌ يبدأ

!!!!!!!!!!



في آخر أيّام الماءْ

ترسو في عينيَ حاناتٌ

تتلألأُ فيها الأجسادُ بشكلٍ مجّانيّ..

أمضي في المشهد مرتجفاً ،

مسكوناً بالحور الوجدانيِّ الشامخْ

أبعث في قلبي الجرأة كي تمتدّ يدي

نحو ذراع أو خاصرة أو ..

في اليوم التالي

أفلَتَ قلبي من خفقته بعضَ امْرأةٍ

واستبقى تلك الأجسادْ .

في يوم آخرْ ،

صرت بلا قلبٍ

وانسحب النملُ الفاخرُ من تحت الجلدِ

وغارَ النبضُ عميقاً في صخرِ النزوةِ

والشهوات

فوجئت بأنسامٍ عبرت من غير عبير

سمعَتْ نبضَ الأشجارِ وعشقَ الأوراقِ

ولم تحفِلْ .

حدّثت الأطيار عن السحب الأولى فوق الغابة؛

فانكمشت ..

حدثت عن النسوة بين جفون مراهقَ

فانكمشت..

حدَّثت عن الماء

فاندفعت أنياب البيت الأبيض نحوي

وانقطعت أنفاس الأحرف والكلمات

واصفرّتْ ألسنة الخلق

ونام الصوت على أعتاب "الجنز"

وغارت أشعار العشق وما يبست أحلام العشّاق .

وانا..

لا أقدر أن أنسى "هاجر"

أو أنسى "قدموس"

وماء أسّس في الظلماء الماء .



جب جنين/لبنان