Home
ركن الأدب

يا عمُّ نجيب، نَمْ مِلءَ جفونِك عن شواردها  


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
خدمات
بحث

 




فاطمة ناعوت


"الطريق" إلى نجيب محفوظ
ثلاثون عامًا تفصل بين أول وآخر لقاء بين نجيب محفوظ وبيني. الأخيرُ كان في الربيع الماضي بفندق "شبرد" الذي يُطلُّ على نيل مصر. حيث قاعةٌ ضوءُها الخافتُ رفيقٌ بشبكية رجل جاوز التسعين، بينما فرادةُ عقله وقوةُ إبداعه قد أثبتتا أنهما تحييان خارج الزمن، بتعبير عبد الصبور. تحدث معنا بمحبة كعادته مع كل مريديه وحوارييه، ما أغراني والشاعر الفلسطيني ناصر عطا الله بالركوض على سلم البهو نزولا ثم الخروج ودخول فندق سميراميس المواجه ومن ثم ارتقاء الدرج حتى الطابق الأول حيث المكتبة التي تضم معظم أعمال الكاتب الكبير. لم أتحيّر كثيرا أمام الاختيارات، لأنني أعلم أن أصابعي رأسًا سوف تقع على "الطريق". الرواية الأقرب إلى قلبي. حيث البحث عن حُلم. البحث في ذاته هدفٌ وليس الوصول إلى الضالة. كلنا ينتظرُ شيئا ما، بصرف النظر عما ننتظر، ولو تحقق ما ننتظر لانتفى سببُ وجودنا. عدنا ركضًا وكان الأستاذُ ينتظر بقلمه كي يوقّع باسمه على الكتاب: نجيب محفوظ، 2/4/06. طبعًا لم ينس أن يكتب تاريخ اليوم، ولو استغرقتْه كتابةُ التاريخ خمسَ دقائق أخرى مضافة إلى الخمس الأولى التي كتب فيها اسمه بخط مرتعش، غدا الآن مُميّزًا لأحب توقيع لدى المصريين. دسست كتابي، الذي غدا ثروةً قيّمة، في حقيبتي ثم أخذني الصمتُ الطويل. أستمع له وأستمتعُ بخفة ظلّه وقفشاته السياسية وإلماحاته الذكية التي تشير إلى نصاعة وعي لم يستطع أن ينال منه تراكمُ العقود وغزارة العمل. أما لقائي الأول به فكان في كازينو "قصر النيل". النيل أيضًا؟ ترى ما الرابط بين النيل ومحفوظ؟ كان عمري وقتها سبعَ سنوات أو تسعًا. سأختار الآن أن أكون في عامي التاسع لسببين. أولهما أن تتفق الروايةُ مع قصيدتي الوحيدة التي كتبتها في نجيب محفوظ بعنوان: "الطريق" وأهديتها إلى نجيب محفوظ:
"لن أصفحَ /برغم أصابعِكَ التي تجمّدتْ على قبضةِ القلمْ/عند سفح المقطم./لأن تعثري/في سنواتي التسعِ/بين مقاعدِ مقهىً مقصوصٍ من العاصمة/و بين أميالِك التسعة/من النهرِ إلى البحر/أفلتَ التاجَ من الوجوديين/ليستقرَّ في يدِ صبيتيْنِ/تحملانِ لقبَ العائلة."
والسبب الثاني في اختياري أن يكون عمري تسع سنوات بدلا من سبع حين رأيت محفوظ لأول مرة، حتى أضيفَ لعقلي بعض الوعي ولقامتي بعض الطول. أما الوعي فيلزمني لكي أتأمل الرجل الذي يجلس بين تلامذته يحكي لهم ويسمع منهم ما لم أفهم منه شيئا. وأما الطول فيلزم لكي يساعدني حين "أشبُّ" على أطراف أصابعي لكي أراه بوضوح وأتأمل تلك "الحَسَنَة" الكبيرة جوار أنفه. يسمونها "زبيبة". أمي تشير إلى طاولته من بعيد وتقول لي ولأخي: ده نجيب محفوظ، كاتبٌ كبير. وأنا أحاول أن أربط بين الحسنة الكبيرة وبين الكاتب الكبير. معنى هذا أن روايتي كانت في منتصف السبعينيات من القرن الماضي. بعد ذلك بعقد ونيف سوف يحوز نوبل. لكنه كاتبٌ كبيرٌ قبل نوبل بدليل أن أمي قالت ذلك. أدفسُ وجهي في كأس الكاساتا بالفراولة والفانيليا، وأشبُّ بين الحين والآخر على قدمي كي أحدّق في الكاتب الكبير. هل يختبئ الإبداعُ الكبيرُ داخل هذه الزبيبة الكبيرة؟ أفحصُ وجهي في مرآة التسريحة الإيديال السماوية في غرفتي فلا أجد زبيبة. كبيرة أم صغيرة. يعني لن أكون كاتبة كبيرة أبدًا!

أمينة وزبيدة وما بينهما!
لم أكن قد قرأت له حرفًا. وحين أكبر قليلا وأبدأ في قراءته سأحب "الثلاثية" فقط ولا شيء آخر. وبعد عدة سنوات أخرى سوف أبدأ في تكوين ملاحظات على رواياته معظمها، وحتى على الثلاثية التي أحببتها. وسأبني وجهة نظر تجعلني ناقمةً بقوة على الكاتب الكبير. سأتحفّظ مثلا على طريقته في رسم شخصية المرأة المصرية في أوائل القرن الماضي. المرأة لدى روايات محفوظ إما ساقطة أو فاضلة رغم أنفها. يعني فاضلة لأنها لم تستطع أن تسقط. ذاك أن رجلا ما قد حبسها وقيّد حريتها فصارت فاضلة. تسييرًا لا اختيارًا. فاضلة بسبب قبضة الرجل المسيطر على معصمها. أين إذن جداتنا وأمهاتنا اللواتي اخترن الفضيلة اختيار لا قسرًا؟ ومحفوظ نفسه يحكي عن أمه أنها كانت مثقفة دون كتاب ولا معلّم، ترتاد المتاحف وتستمع إلى الطرب الرفيع!

البحثُ عن الجدة
نجيب محفوظ سطّر تاريخ مصر كما لم تكتبه كتبُ التاريخ الزائفة والمؤرخون المرتزقة. لم أعرف العصر التي عاشته مصر بعد ثورة 19 وقبل ثورة يوليو 52 إلا من روايات العم نجيب. لذلك كان حزني شديدا لأنني لم أر نموذج المرأة الذي كنت أحلم أن أراه. المرأة المثقفة بفطرتها، الفاضلة باختيارها، الواعية بحقها الخاص بعيدًا عن عباءة الرجل. المرأة المصرية العظيمة لكونها مصرية. هل حرية المرأة دون قبضة رجل بالضرورة تعني سقوطها؟ هن نساء عشرينيات وثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي؟ يعني مجايلات لجدتي مثلا؟ أكلهنّ كنَّ إما زبيدة أو أمينة؟ طيب أين جدتي يا ترى؟ جدتي لم تكن زبيدة الساقطة، ولا أمينة الفاضلة رغم أنفها. جدتي كانت تقرأ وتعزف البيانو وتحفظ الشعر وتتكلم الفرنسية وكان بوسعها أن تسقط لأنها كانت صاحبة عصمة ولها زوج يحبها لا يقمعها. كانت تلبس ملابس أوربية وتخرج وترى الحياة، لكنها لم تسقط، لأنها اختارت أن تكون فاضلة. فلماذا لم أر جدتي في رواياته؟ أعلم أنه اختارَ أن يفضح سلبيات المجتمع، وأنه كان داعيةً لحرية المرأة رغم نماذج بطلات رواياته، لكنني رغم ذلك كنت أتوق إلى رؤية جدتي بين سطوره.
سأحب "الطريق" وأنتظر وصول أبي سيد سيد الرحيمي، أو سيد حسن ناعوت طول العمر. سأظل أنتظر ولن يأتي. أعلم. سأنقم طويلا على ذلك الكاتب الكبير. على إنني سأفرغُ طاقة نقمتي عليه في قصيدة واحدة ثم أصفو له بعد ذلك. متى كتبتُها؟ بعد أول لقاء لي معه وقد غدوتُ كاتبة. المكان: فيلا يحي الرخاوي بحي المقطم والزمان خريف 2003. هذا الشيخ الجليل الذي تجمّدت أصابعُ يمناه على وضع واحد هو نجيب محفوظ. قلت للجالس إلى جواري: انظر! كأن أصابعَه تقبض على قلم! هو لا يترك رفيق عمره حتى بعدما ذهب النظرُ وخارت قوّة القبض على القلم. هذا كاتبٌ كبير حقًّا. بعض الأدباء ممن يقرأون له سوف يقرأون عليه قصيدتي المنشورة في جريدة "القاهرة" ويبلغونني بعدها أنها راقت له. صحيح؟! رغم أنني قلت فيها: "تعلّمت أن أكرهك!". نعم. ذلك أنه كاتبٌ كبير.
"تعلمتُ أن أكرهَك/برغم "سيد سيد الرحيمي"/حسنتِك الوحيدة/التي زملّتني بدثارِ الولدِ الباحثِ عن هُويّة/و برغم أبي/"سيد حسن ناعوت"/الذي أطلقتَ إسارَه في منتصفِ المسافةِ/ليمسحَ جدائلي برهةً/فيما يحكي عن أنثى العقربِ/وصندوقِ الحذاءِ المسحور/ثم يمضي/قبلَ أن يكتبَ تعويذتي/وقبل أن يسمعَ/ نقرتي الوحيدة./الكلابُ كثيرون/لكنَّك لا تراهم/لأنك ابتلعتَ نصفَ التاريخِ/فتكورَّتْ " أمينةُ "/على سُلَّم البنايةِ الخشبيّ./ماتتْ/وتوزّعتْ هزائمُها علينا/وأعضاؤها/على أهلِ الهوى/و الشُّطار./لاشيءَ يغريني اليومَ/أنْ أدّخرَ قروشيَ/من أجلِ رحلةِ نهايةِ الأسبوع/إلى سورِ الأزبكية/لا شيءَ شريفًا فوقَ الأرففِ/سوى الغبار./اِبحثْ عن خُدعةٍ أخرى/لأن الجلالَ/مشارفةَ النهايات/وانفصالَ الشبكيةِ/وحتى عصا الأبنوسِ الحزينةَ/لن تجعلَني أحبُكَ/على الأقلِ الآن./لا شيءَ ينجيكَ من غضبتي/سوى تحريرِهن/من ثنائيةِ الوَيْل،/أو/سأكمنُ في عزلتي/حتى أصادفَ قيثارتَها/جدتي الجميلةَ/التي وأدتها بين سطورِك."
قبّلته وسأقبلّه بكل حب الكون. قبلةَ من يشعر بالذنب سوى أنه لا ينوي التوبة. كأنني أعتذر عن موقفي من موقفه من المرأة. موقفي الذي لم يتغير إلى الآن وحتى إشعار آخر. يا نجيب محفوظ، عِشْ ألفَ عام! وسوف تعيشُ ألفَ عام.

فرعون مصر وحرفوشها
أحببتُ عمّ نجيب لأنه يضعني رأسًا أمام المثال الذي أحبُّ أن أعود إليه كلما آلمني حالُ مصرَ والمصريين. فهو النموذج الأجلى لفراعين مصر. حيث دقّة العمل واحترام الوقت وتنظيم الحياة وسَوسُ النفس إضافة إلى الإبداع الملهم. مصر بتركيبتها الحضارية والثقافية الثرية. أين هي الآن وما هذا الذي آلت إليه؟! كلما أخذني القنوط تأملت نماذجَ من شاكلة محفوظ ومجدي يعقوب وأحمد زويل وطه حسين وزكي نجيب محمود وحسن فتحي وغيرهم الكثير. أتأملهم فيعود إليّ اتزاني وثقتي بالحياة. ما معنى أن يقضي رجلٌ ما يزيد عن ثمانين عامًا من عمره يعمل دون توقف؟ سيما إذا كان عمله هو "الإبداع"، الذي اشتهر أن أصحابه لابد وأن يكونوا بوهيميين فوضويين يحيون خارج الزمن، حسب عبد الصبور، دون نظام أو ترتيب. ينتظرون الإلهام و"يفوضون" حياتهم بحجة الفن والانطلاق من الأرضية والثوابت. يجلس العم نجيب إلى مكتبه كل يوم من السادسة حتى التاسعة صباحا، حتى يبرمج عقله على استجلاب المادة الكتابية في هذه الساعات تحديدا. حيلة تعلمها من نظرية الارتباط الشَّرطيّ لدى الروسي إيفان بافلوف، ونجح بالفعل في أن "ينظّم" ما لا انتظام فيه، وأن يبرمجَ مَلَكةً هي في الأساس عصيةٌ على البرمجة ونقيضٌ للتنظيم. حتى بعدما يدٌ جاهلةٌ طعنته في عنقه من دون أن تقرأ له حرفًا في أوائل التسعينيات، ظلَّ يحلم ويكتب ولم تقعده العاهةُ عن الإبداع، إذ أيُّ عاهةٍ تعيق الحلُم؟! طعنه شاب جاهل مُسطّح لأنهم "قالوا له" إن رجلَ "أولاد حارتنا" كافرٌ ملحد ! سوى أنه ظلَّ يكتب والخنجر مغروس في عنقه دليلا دامغًا على تسطحّ الوعي لدى كتلة المصريين الراهنة، وعلى انهيار منظومة التعليم فيها. ومصر الآن بلد المضحكات كما قال المتنبي، وإلا لقررت وزارة التعليم على طلبة المدارس بعضا من رواياته كي يدرسوها. ليس حتى بوصفه مبدعًا فذًّا، بل في القليل من باب أنه صاحب نوبل! نحن الذين لا ننتبه لنفائسنا إلا حين يشير لنا الغربُ عليها. عاش محفوظ زمن ازدهار مصر الذي لم أره وليس من شاهد لي عليه إلا حكايات الجدة والأفلام الأبيض والأسود. من نافلة القول ويعد في خانة المزايدات أن أتكلم عن فرادة هذا الفذ الذي وضع نوبل للآداب في كأس مصر والعرب لأول مرة في التاريخ. عظيمة هي مصر، عظيمة بحضارتها وبحداثتها رغم كل الانهيارات الطارئة الراهنة. أتمنى على الله أن تكون طارئة.

زمن العِظام
عاش محفوظ زمنَ العِظام. جايل طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم. وعاش فترة رقيّ جريدة "الأهرام" التي صارت حالُها الآن مُضحكةً مُبكية. زمن كان يرأس تحريرَه هيكل، في أواخر خمسينيات القرن الماضي، الذي انتبه لفداحة وجرأة "أولاد حارتنا" فسارع بنشرها "يوميًّا" على صفحات الأهرام، كسابقة في تاريخ الصحافة، قبل أن ينتبه أشاوس الأزهر لمنعها. وقد منعوها بالفعل حتى يومنا هذا! ورغم منعها، أو بسببه، حققت أكبر معدل للقراءة بين كل ما أنجزته مصر من كتب! أليست بلد المضحكات؟ أوَ لم يحن الحين بعد لفك إسارها ونشرها الآن؟ هل تحمل "أولاد حارتنا" جرأةً وجسارة أكثر مما تحمل "فاوست" و"رسالة الغفران"؟

يا عم نجيب، نَمْ مِلْءَ جفونِك عن شواردها، فقد سهرَ الخلقُ وقرأَ كلَّ ما كتبتَ، واختصموا.

أول الصفحة


 © Arab World Books