Home
ركن الأدب

التسامح الحضاري في سيرة محفوظ و أحلامه 


صفحة البيت

بيت الكاتب العربى

المكتبة

نادى القراء

ورشة فن الكتابة

ركن الأدب

مقالات

 من الأخبار

ركن الحوار
أحداث بارزة
رأى وكتاب
سجل الزوار
استفتاءات

فهرس للصفحات العربية

اتصل بنا

منتدى الكتاب العربى

مجلس الأمناء
فى أجهزة الإعلام
خدمات
بحث

 


محمد سمير عبد السلام

 

يحظى موضوع التسامح الحضاري باهتمام واسع ضمن حقول الأدب في تداخلها مع الجغرافيا السياسية المعاصرة ؛ فمسألة تجاوز العنف المتولد عن حب البقاء و مبدأ القوة الإنساني ، لا تصير واقعا إلا بتنمية التفاهم و الخروج من أسر الأحادية الثقافية المغلقة ؛ و يطلق إيهاب حسن على هذه العملية Beyond Postmodernism أي بعد - (ما بعد الحداثة) أو تجاوز ما بعد الحداثة و يميزها بانفتاح الأنا على الآخر الثقافي ثم الكوني و من ثم تغييب الفواصل المزعومة بين الهامش و المركز و الكوني في حوار مفتوح ( راجع – إيهاب حسن – from postmodernism to post modernity 2001 ) و قد لاحظت أن سيرة محفوظ و مجموعة أحلامه تؤسسان لمثل هذا الحوار بوعي أو بلا وعي في مخيلة المؤول التاريخي أو الثقافي ضمن الصيرورة الإشارية التي يختلط فيها النص بهوامش قراءات عديدة تعيد إنتاج العلامة في المستقبل ، مما يسمح بخلق مستمر غير معروف سلفا للرموز الثقافية .
و أرى أن عمليات استدعاء المكون الثقافي أو الفولكلوري في النصوص و الأعمال الفنية المعاصرة ، تمثل بحد ذاتها انقلابا على مفهوم الاستدعاء نفسه إذ ينفجر الزمن في سردية جديدة لها طابع سلبي مثل الذي يصفه بول ريكور حين يتجاوز الوعي منطق الإدراك نفسه ؛ فالفن المعاصر يتجاوز الماضي و يفككه من خلال رموزه و من ثم فهو يتجاوز الثقافة بالكشف عن انتشارها اللا محدود ، كما أنه في الوقت نفسه يستشرف ما بعد التفكيك من خلال إعادة تمثيله في حرية مفرطة تتبع ما يسميه آرثر دانتو Danto كل شيء يصلح أو any thing goes إنها حرية الالتباس الأول فيما هو واضح أو واقعي دون مبالغة كما يذهب بودريار و غيره ؛ إننا أمام حالة من العمل و الصمت معا.....هكذا نخرج من الاستنزاف و الصمت فيما بعد الحداثة كما يؤولها إيهاب حسن و جون بارث لنعمل في الفراغ كممارسة حرة تضرب بجذورها في الثقافات و الواقع معا .

إن مفهوم الحكمة عند الأديب الكبير نجيب محفوظ يعيد تكوين الثقافات و التوجهات الفلسفية الإنسانية ، بشكل يلتبس فيه المدلول الثقافي الكامن بالظواهرالافتراضية الفريدة و الشخصيات كعلامات غير قابلة للاختزال . هكذا تصير الثقافة في النص المحفوظي مادة material قيد التشكل المستمر في صيرورة الكتابة الإبداعية ، تأتي إذا صورة سعد زغلول في أحلامه لنرى مفهوم التنوير عابرا سياقه الأصلي إلى صور العودة المقدسة للذات الإنسانية ، سواء أكانت حاملة لرمزي أدونيس أو حورس في ثقافة بابل ومصر . ولم يكن المدلول الثقافي المخبأ بوعي أو لا وعي مكتفيا بسياقه و لكنه يعبر عن خيالات العودة القريبة المقدسة إلى التنوير و الطليعة الجديدة ، ممثلة في افتراضية الواقع كحلم لا ينتهي أو مزيج من اللعب، و أرق العزلة الوجودية دون فكاك منها. الحكمة هنا تستعيد قداسة الفاعل المقاوم للموت و تتعاطف مع الاندماج الثقافي المتجاوز لحدود الزمكانية التقليدية ، فكثيرا ما نقرأ في أصداء السيرة و الأحلام ، البهجة الكامنة في انقطاع الحياة عن بعض الأحبة و الزملاء ، حيث تنفتح حدود الصورة الكونية لتصعد شجرة محفوظ المجاورة للقبر الذهبي ، الانقطاع في أصداء السيرة تحول ديناميكي نحو مجال آخر من الحقيقة يتقاطع فيه الزهد باحتفالية صاخبة بالحياة التي تنبع من الأرض وتمتد بلا حدود في الهواء و كأن آلام الفقد ملتبسة بالأساس بجماليات الاختفاء ، حيث يختلط الوجود بالفراغ في نزعة إيروسية متكررة في السيرة و الأحلام على حد سواء .
في نص ( رسالة ) – ضمن أصداء السيرة – تبرز رائحة الوردة من كتاب السارد حاملة لآثار النسيان والتذكر معا ، لقد بزغ الماضي منها ليحتل النسيان من داخله ... الوردة تقاوم حياتها بالاختفاء السابق للحظة الحكي ، بينما تحمل رسالة متجددة لوعي السارد بوجود جديد حيث تتبلور الرائحة و تنشئ مجالا جديدا لتأويل الحضور رغم الاختفاء المعلن .
وفي ( النسيان ) يرصد السارد حالة المتأمل الفقير ، حيث التأويل الوجودي للكينونة خارج المسار المتصل للتاريخ ، فالشيخ مدرس اللغة العربية الذي أحيل إلى المعاش منذ أكثر من عشرين عاما يعايش لحظات تأمل كأنما يرقب ما وراء التاريخ و الهوية إذ تبخرت قواعد النحو ووجوه التلاميذ و الجيران من رأسه ، ليدخل سياقا جديدا و يعلن ضمنيا فراغ الوجود السابق فهو كالهواء العابر .
و في ( الطرب ) يتساءل السارد حول هوية العجوز الذي ألح عليه ليذكره بنفسه دون فائدة ، وعلامة هذا الرجل أنه كان يغني لهم في المدرسة الابتدائية بصوت جميل .. العدم هنا يشبه النسيان فالعجوز وفق هذا الوصف غير موجود ، هل هو السقوط المحتمل دائما ؟ أم أنه عبث الفراغ والعدم بوصفهما حياة ؟
و في ( التلقين ) يتحدى السارد مركزية الحياة الأرضية الكامنة وراء المشيعين لجنازة ، من خلال الوصف الظاهراتي للنعش الذي أتى كطائر أسطوري يتخطى الجميع رغم أنه محمول على الأعناق , هل يلتحم النعش بصفاء مجرد لا يدركه الحاضرون ؟ أم أنه نفي جمالي لمركزية الحياة من داخل مظهر الطيران ؟
و في ( مفترق الطرق ) يمتلك الاسم طاقة سحرية تصويرية ، كما يقع في علاقة تناقض أساسية مع الهوية الإنسانية التي يدل عليها ، فعمة السارد هي أم البيه ؛ لأن مدلولها يرتبط بالاحتفالية المصاحبة لوجوده . هكذا يتسلل البيه إلى الأم و يشعرنا باختفائها الضمني ، بينما يصير هو مستبدلا بصورة أخرى لأخيه الذي يشبهه إلا أنه يرتدي جلبابا بسيطا و مركوبا لكنه كان أقرب لنفس السارد . لقد تجرد الاحتفاء بالبيه من مركزه / البيه نفسه ويصير صورة دون مركز ، فالبديل اكتسب طاقة المركز ليفكك حضوره الطاغي و يصبح الأخ حاملا مدلول البيه .
و في ( الصور المتحركة ) تشرق الحياة في الإطار الحامل لصور الموتى من أحباء السارد كأنها بعثت للتو من الذكرى ، ولا نجد في النص إشارة واحدة للغياب . فالحياة عند محفوظ هي لا وعي الصور بوصفها تكوينات فاعلة و قادرة على صنع مسار جديد دائما من خلال الآخر .
و في ( من التاريخ ) يعاين البطل لحظة حروجه إلى آفاق أنثوية متسعة ، فقد قيل إنه هاجر أو هرب ، لكنه كان يجلس متأملا النيل ، فبزغ له رأس امرأة جميلة أخذته بقوة سحرية نحو الماء ، أهي لحظة بدء جديدة للتكوين الذكري حين يتأمل أنوثة وعيه الهامشية ؟ أم أنها أشباح للقرابين جاءت حاملة للحرية و الاتساع من خلال كثافة الماء المضادة لاختزال مفهوم الهوية ؟
و تبدو الصحراء كواقع افتراضي فائق يواكب ممارسات ما بعد الحداثة postmodernism في نص ( الأشباح ) ، فقد مرت أشباح غير محددة الملامح أمام السارد كرجال الأمن حتى وجدهم مجموعة من الهياكل العظمية التي تتسلل من الرمال ثم تتكاثر . إن بزوغ عناصر الحياة من الرمال يدل على القوة السحرية للتداعيات النصية الافتراضية بين العلامات فوهج الرمال يمنح الحياة لأنه نشأ في نص محفوظ المتجاوز لحدود العلاقة بين الدال و مرجعه . هل هي الهيئة التمثيلية الانفجارية للموت ؟ أم أنها الحياة في صورتها الوحشية المقاومة للموت و تقادم التاريخ ؟ إننا بصدد جماليات انعدام الوضوح في أصل إشاري غائب و لكنه متحول في اتجاه الاختفاء ، إذ يستهلك معرفة الذات المدركة بالكشف عن سلبيتها الكلية في عمليات التمثيل الزائفة ، المضادة أيضا لزيف المحاكاة ، فواقعيتها تستعصي على التحديد مثل الإشارات الحضارية في تسامحها التكويني الجديد .
وفي ( القبر الذهبي ) يصف السارد قبرا ذهبيا قائما تحت أغصان شجرة سامقة مغطاة بالبلابل الشادية مكتوب عليه " هنيئا لمن كانت نشأته في بوتقة الهجران "
إن اختيار السارد للشجرة فيه عودة إثنولوجية للاحتفاء بالحياة في صعودها الملكي / الأبوي . يكتب جيمس فريزر أن وظيفة ملك الغابة يبررها انتزاع الملك لأحد الأغصان من شجرة معينة في الروضة المقدسة ، وهذا الغصن هو الغصن الذهبي ، و رغم أن فريزر لا يضع تقديس الأشجار في المرتبة الأولى من نشوء الأديان فإنه يضعه في مكانة ثانوية بعد الخوف من الموتى ( راجع / جيمس فريزر / الغصن الذهبي / ت – فوزي العنتيل – هيئة الكتاب 2000- مقدمة فريزرص79) , النص المحفوظي يبدأ من موضوع الموت كمادة للبهجة لا الخوف ممثلا في القبر الذهبي الذي استبدل الحياة الملكية المخبأة في الغصن الذهبي , من هنا تحتل الشجرة مركز القداسة ، فهي امتداد أصيل للسعادة المتولدة عن الفقد أو الهجران .
من القبر الذهبي يولد عبد ربه التائه – وفق تداعيات القراءة – فهو شخصية إشكالية من حيث الاسم و التاريخ . يذكر السارد أنه ظهر في الحارة ينادي على ولد تائه . هل كان الولد هو هوية الشيخ التي هجرها عامدا ليتأمل بهجة الموت و الفقدان ؟ أم أنه الصوت الآخر للسارد ، صاحب التاريخ التمثيلي المضاد للقناع الأول ؟ لا يمكن إغفال هوامش الكتابة التي يهيمن عليها عبد ربه في أصداء السيرة .
عبد ربه التائه رجل زاهد لكنه يعايش صعوده المقدس من خلال احتفالية جنسية مجردة بالحياة . هذه الاحتفالية أكثر ارتباطا بالصورة و إيحاءات الرؤية ، و يتصل هذا المبدأ ثقافيا بالحكايات و الأساطير الهندية لأتبع كرشناKrishna ، إذ يذكر جفري بارندر اعتقادهم في مغامرات كرشنا الغرامية ، خاصة مع حالبة البقر ، و إمكانية بعث هذه المغامرات إذا جمعت تجسيدات رفاقه لعله يلعب معهم مرة أخرى ( راجع – جفري بارندر – المعتقدات الدينية لدى الشعوب – ت – إمام عبد الفتاح – المجلس الوطني للثقافة بالكويت 1993 ص 185 ) .
الأثر هنا يرتبط بالحياة رغم هيمنة خطاب الموت ، فالأخير ما هو إلا مقدمة للصعود و التوحد المرح بالصور الكونية كتجليات مقدسة . ومن ثم فعبد ربه زاهد في أحادية الحقيقة الواقعية ؛ لأنه يعشق الأثر و ما يحمله من لذة رغم ظاهرية الفقد .


و لننظر إلى النص الآخر المعنون بالقبر الذهبي في أصداء السيرة ، فالشجرة فيه غاصة و ليست مغطاة . و الهجران اقترن بالموت و الحياة ، لا النشأة ، و كأن القبر الذهبي قد تحرر هنا من مدلوله في النص الأول ليصير حاملا لصفات الشجرة و بهائها ، فكان بحد ذاته صعودا لا طريقا للمعرفة ، حيث معاينة الحب دون تحديد للحبيبة ، و معانقة أنفاس الكون و صوره من داخل حالة الانقطاع .
وسوف نعاين تلك القدرة الإنتاجية المتجددة لحياة المدلول في مجموعة الأحلام ، فى الحلم (1) يؤول الراوي واقعه وذاته وفق إلحاح الجوع عليه ، ولكن التجسيد الإبداعي للموضوع أو ( المطعم ) يحول حركة الوعي إلى ظاهرة لاواعية ، من خلال تحولاته التكوينية فالخرابة الكبيرة تستبدل المطعم الفخم كأنها تمثل دوره من جديد ، أو تجسد وجهه الآخر ، أما صديق البطل ، وهو دليله إلى الغابة التي يحاول أن يبلغها السارد ، يراوده الاختفاء والعدم ، كأنه طيف يؤكد وجود آثار اللاوعي فى الواقع نفسه ، إذ إن هذا الواقع تفترضه عملية ( السرد ) ، إن غياب الصديق معناه غياب الوساطة والطرق التقليدية في الفهم ، كما يعني أن للراوي المادة الافتراضية أو الطيفية نفسها في الوجود والإدراك معاً . أو أنه يسائل ثوابت تجربته الإنسانية الماضية في حضور مستمر جديد حتى فيما يخص الغرائز .
هكذا يضيق الشارع بمدلوله فى الحلم ( 5 ) فيعيد تمثيل ذاته فى مسرحية جديدة بأن يصير سيركاً للألعاب ، يمتلئ بالمهرجين والحيوانات ، ثم بروز ( البلياتشو ) فى المشهد ، كأنه إدراك السارد للعالم ، مثلما ظهر عبث القرد من قبل فى ( ثرثرة فوق النيل ) فهل كان هذا الوجه إعلانا للذة التحول واللعب فى الواقع ؟ أم أنه يعارض انتظام حركة التاريخ ويفتتها إلى وقائع جزئية ؟ أم أنه يصنع الهامش وهو العلاقات والمضامين اللاواعية فى موقع التاريخ ؟
وفى الحلم ( 6 ) يستحضر الراوي صور الموتى ، وكأنها داخل الموقف والأداء السردي الحاضر ، أو أنها تكمل ما لم تقم به صورتها فى ( الدنيا ) من خلال مشهد شبيه بالأول ، فالشيخ محرم المتوفى ، وهو أستاذ للبطل – يكمل دروسه ويصحح له مشاهير المشايخ أخطاءه فى الحلم أو الجانب الهامشي من الإدراك إن الصورة هنا تقوم تراتبية الزمن والمنطق من داخلهما .
ويعاد اكتشاف التاريخ فى الحلم ( 9 ) بتأثيره الوجودي الآتي فى البطل وأصحابه ، فاستحضار أحدهم للملكة الفرعونية التى أغرقت من قتلوا زوجها يستدعي – فى النص – هطول المطر وانعدام الخلاص إلا بالطير إلى الفضاء ، وكأن واقع البطل له منطق التداعي النصي فى وجوده نفسه إلى درجة تحويل الصورة للأخرى التى تليها إلى مسرحة ناقصة لها ، فهل كان المطر سحرياً ؟ أم أنه لذة التدمير التى انفصلت عن بنيتها التاريخية ؟
وتصل هذه الحركة القصصية الى قمتها عند محفوظ فى الحلم ( 25 ) إذ يتجسد خيط من التراب فى سقف غرفة البطل ، كان قد سمع به فى قصة بوليسية حكاها أحد أصدقائه منذ قليل على المقهي . أهذا يعني أننا نحاكي ما هو سردي تمثيلي بالأساس ؟
أم أن الرواية هى قصة وعينا بالتاريخ والوجود ؟ أم أننا نخرج من آخرية السرد والرواية لأنها أصبحت واقعاً نعيشه ؟
إنها التجربة المضمونية الجديدة لمحفوظ ، ومواكبته لما وصل إليه الوعي الإنساني بالتناقض وكسر النزعة الأحادية فى الفن والفكر على حد سواء . هذا الوعي يتطور فى الحلم ( 41 ) إلى تمثيل حركة الاختلاف عبر انتشار الفئات الهامشية التى تقاوم شمولية الجنس البشري ، فالبطل فى سيرك يحوي ما يمثل حضارات وفئات لها خصوصية ، فبعضها يستدعي الأسطورة فى الواقع ، والآخر يجسد من يغني أو يسب أو يهتف وكأن اللحظة الراهنة مزيج من تجاور الصور فى سيرك كبير. و في الحلم ( 97 ) دخل السارد حجرة السكرتارية التي شيع جنازات موظفيها منذ زمن ، ووجد الوجوه القديمة نفسها ، إلا أنها لم ترحب به . لقد انتصر الموت بشكل غير واع للحياة فظهرت تلك الصورة الأخرى للزملاء ، ولكن من وراء حاجز شفاف من الوحدة الوجودية التي تمنع الوعي قدرة على التأمل الظاهراتي في كينونته من خلال مصير الآخر . أما الصورة المتكررة للوجوه فقد كسرت قلق الموت من داخل الستار الشفاف للمعاينة . و في الحلم رقم ( 100 ) تولد المحكمة كسياق إبداعي افتراضي من داخل مفردات الواقع نفسه ، فالواقع في الأحلام سياق تصويري فريد و متغير . فالسارد / المتفرج في ساحة المحكمة يصير متهما و مسئولا عن الجرائم .إن إدانة الذات هنا هي إدانة لفعل المشاهدة بوصفه معرفة بالعبث المتكرر . العارف خبير بالجريمة حالم بها و ممثل لها في النص . ومن ثم اكتسب مدلول الفاعل في تداعيات الكتابة . هل هو التلصص المصاحب لتاريخ الكاميرا عند سوزان سونتاج ؟ أم أنه استشراف لإحلال الذات في السياق الفوتوغرافي بوصفه تمثيلا ؟
و تتسع مساحة الفراغ كمدلول شديد الثراء بالثقافات و الرؤى الجديدة في الحلم رقم ( 120 ) فقد دخل السارد بصحبة مرشد إلى المملكة التي تغنى بروعتها الشعراء ، فوجد بحيرة ثم متحفا و مقبرة . ثم دعا المرشد مجموعته إلى الراحة حتى لا يصدمهم الانبهار . و أخيرا ابتسم وواصل . لقد ترك محفوظ مساحة فارغة في نهاية النص لكنها تمتد في حضور مادي كأننا نراها في كل سياق أو أسطورة جديدة محتملة .
هل يمكننا قراءة تلك المساحة من خلال الحلم ( 118 ) ؟ و فيه يظل السارد منتظرا بين القاطرة و شباك التذاكر حتى انطلاق صفارة الإنذار و ذهاب القطار . ثم يقول " وهكذا فاتني القطار " إن انقطاع الفعل عن غايته في صورة القطار المذكورة يحيلنا مباشرة لمملكة الشعراء التي لا ينتهي عندها المدلول . هكذا يرصد محفوظ لذة الغياب من خلال حيادية الرؤية / وجهة النظر .و يمتد الاحتفال بالحياة في الأحلام حتى يختلط بالتدمير ثم البعث و هكذا في الحلم رقم ( 145 ) حيث يقام مهرجان عظيم تحضره رموز الأمم و يسلمه رئيس المهرجان كرة فقرر أن يتبرع بها لأعمال الخير ، لكنها انفجرت لحظة الانقسام و تناثرت حولها بقايا الإنسان و الحيوان و النبات و الجماد . هل هو لعب بتناقضات الأوضاع السياسية ؟ أم أن الموت يمثل احتفالا آخر بالصورة التعبيرية عقب الانفجار الكبير ؟ . ومازالت أحلام محفوظ تحمل في جعبتها الكثير من التأويلات الممكنة .

**********************

أول الصفحة


 © Arab World Books