نجيب محفوظ هو الزعبلاوى نفسه



تقديم
أصداء السيرة الذاتية لنجيب محفوظ
ترجمة وتقديم: د. عفاف عبد المعطى



 

كانت مفاجأة سارة للعالم العربى فوز الروائى الكبير نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب فى عام 1988 لأنه بذلك اختط للعالم العربى قدراً أدبياً مهما طالما سعى هذا العالم إليه ، وربما يرجع الفضل فى ذلك إلى الترجمات الانجليزية التي قدمت نصوص محفوظ فأتاحت للعالم الغربى معرفة هذا الكاتب غزير الانتاج عميق المعانى فيلسوف الحكاية. ثم فازت الكاتبة الافريقية البيضاء نادين جوديمر التي تدافع عن حقوق السود ضد العنصرية بالجائزة نفسها عام 1991 لاعتبارات غير سياسية ، بينما حاول الإعلام الغربي أن يلصق بها صفة اليهودية فاعترفت بأنه على الرغم من أن والدها يهودى الأصل إلا أنها تدين بشدة ما يحدث ضد الفلسطينيين من ممارسات.

وهي أول امرأة تفوز بالجائزة بعد ربع قرن من فوز نيللي ساخس بالجائزة .وقد شكلت نصوصها ظاهرة فى الكتابة ت دافع عن كرامة الانسان ومن اشهر مؤلفاتها: وجهاً لوجه1949 ، صوت الأفعى الناعم 1952، عالم الغرباء1958 ومناسبة للمحبة 1963 وعالم البرجوازية المتأخر 1966 ، وقد"حظيت نادين جورديمر باهتمام عالمى مبكر بسبب موضوعات قصصها القصيرة وكذلك رواياتها؛ فرواية السلاح 1974 قارنت بين عالم من الصناعيين الأثرياء البيض من جهة وشعائر ومعتقدات الزولو من جهة مقابلة، بينما كتبت رواية "ابنة بيرجر" 1979 أثناء انتفاضة سويتو وأثارها الكارثية؛ ففى الرواية ثمة ابنة تكثف علاقتها بأبيها الذى يقاسى جراء الحركة المضادة للفصل العنصرى . أما رواية قوم جولى 1981 فتستشرف فيها المستقبل وتدور حول عائلة بيضاء فرت من حرب دمرت مدينة جوهانسبرج باتجاه الريف حيث بحثوا عن ملاذ لهم برفقة خادمهم الإفريقى فى قريته" .

ناصرت نادين جورديمر الزعيم الزنجي يلسون منديلا ابان سجنه. وقد قامت بتقديم نص أصداء السيرة الذاتية للكاتب نجيب محفوظ الذى صدر عن الجامعة الأمريكية بمصر بترجمة دينيس جونسون ديفز . ونقدم ترجمةً لمقدمة جورديمر للسيرة الذاتية لنجيب محفوظ لاعتبارات عدّة أهمها حصولهما (نجيب محفوظ ونادين جورديمر) على نوبل العالمية فى الأدب. ثانياً لكون جورديمر امرأة كاتبة من العالم الثالث حصلت على نوبل نتيجة لشرف مواقفها العامة . وثالثا أنها امرأة كاتبة تقدم كاتب . ورابعا لأن أصداء السيرة الذاتية لمحفوظ قد تشابهت فى غايتها مع غاية جورديمر فى الكتابة ، حيث كلاهما يكتب عن البشر والبشر غاية من التعقيد والتناقض والغموض ، وثمة سر إنسانى يحاول كل منهما أن يكتشفه وفى الكتابة غاية لكل منهما للوصول إلى السر الكامن فى الحياة. آخر ما قدم لنجيب محفوظ ترجمة لنصوص الأحلام صدرت عن الجامعة الأمريكية فى يوم ميلاده 11 ديسمبر2004 ، واخر ما صدر لنادين جورديمر كتاب تحت عنوان "لنحكى حكاية "يضم قصصاً مشتركة مع مجموعة من الكتاب العالميين ممن حصلوا على نوبل أمثال ماركيز وجونترجراس واتشيبى ووولى سونيكا أو غير الحاصلين على نوبل أمثال سوزان سونتاج وقد ترجم إلى خمسة عشر لغة كما بيع منه 50 الف نسخة خصصت عائدها لصالح مرضى الإيدز فى العالم. وقد ذكرت نادين جورديمر فى مقدمة أصداء السيرة الذاتية أنها لم تلتق بمحفظ أبدأ لكن ذلك حدث بعد صدور المقدمة بسنوات قليلة إذ التقيا فى بيت محفوظ إبان إقامة معرض القاهرة الدولى للكتاب بالقاهرة 2005 حيث كانت جورديمر ضيفة المعرض .

(النص)
حـوار الأصـيل
زرت القاهرة ثلاث مرات خلال حياتى، لم أقابل فيها نجيب محفوظ نهائياً المرتان الأوليان فى عام 1954 ، و1958 . ولم أسمع فيهما عنه أو عن نصوصه ، لكن المرة الثالثة فى عام 1993 ظهرت كل نصوصه متاحة عبر الترجمة إلى الإنجليزية التي أصبحت مألوفة جدا خاصة بالنسبة لى .
نصوصه -حسب رؤيتى- تمثل جزءاً من الإنجاز الأدبى العالمى المعاصر ، فى عام 1993 طلبت من مجموعة من الأصدقاء الحميمين ترتيب مقابلة معه ، لكن لحماسهم للترحيب بى حشدوا مقابلة لى مع عدد آخر من الكتاب المصريين ، وربما نسوا طلبى أو ربما حساسية محفوظ البالغة وعزلته نتيجة لعمره المديد لا تجعله يشهد بعض الأحداث العامة. كانت أيامى فى القاهرة قليلة ولا وقت لالتماس فرصة أخرى. جوهر الكاتب فى العمل وليس فى التركيز على الشخصية ، لذلك قيمة العمل تنجز عبر أشياء أخرى خلافاً لذلك. ويمكن بدلا من ذلك النظر إلى الأسباب التي تجعل الكاتب يُرى فى المرناة (التلفزيون) مقارنة بالقراءة عندما هو أو هى يتحقق بالفعل عبر الكتابة.

أنا أميل إلى تصديق أن تقييم الكاتب ربما يتحقق تطبيقاً على السيرة الذاتية, حيث عبر تتبع الكاتب/الكاتبة للظواهر الإنسانية تظهر موهبته أو موهبتها . وبفضل الخيال الإبداعى الذى يستحضر توهج الحياة وزينتها بالألوان الزاهية أو بالإفراط فى وصف طريقة معيشته فى المغامرات أو حياة السُكر والمرح،أو عبر التجارب الجنسية .على اية حال السيرة الذاتية نثار متلاحقة لكيفية مثول أحداث الحياة للعيان كى تكون مكرسة للحقيقة. إنها تحتوى تدفقاً من السرد الصريح قد يكون ذلك أحياناً نكاية فى الكاتب وبالطبع هناك استثناءات. عامة الكُتّاب هم نتاج السير الذاتية ومن تكون سيرهم الذاتية أفضل من رواياتهم لديهم شئ يشير إلى موهبتهم.

يمتد أثر كُتَّاب السيرة الذاتية إلى تدوين تاريخ الحياة منذ ظروف الميلاد الأولى مروراً بجمال الصِبا حتى التوارى فى الثرى. كيف يُنتج الكاتب ذلك المدى الزمنى الذى يكون موجوداً بالفعل وينتقل فيه بحرية بين الزمان والمكان، ظهر ذلك خلال الأقوال المأثورة ، والأمثال، والحكايات فى نص نجيب محفوظ التي لم تُذيّل بتاريخ ، لذا لم تكن محسوبة تاريخياً عندما كتبها. دُوَّنَت منذ زمن بعيد فصاعد إلى آخره حيث كان الذهن الإبداعى لمحفوظ متسعاً متيقظاً، بدلا من التجَوّل بين الماضى والحاضر مع جموع من الأحداث لاتعد سوى مجرد تذكر. فى الحقيقة مع كونها تجربة تمثل نزوة مصغرة فهى ومضة من التعمق فى جميع معتقدات نجيب محفوظ. يمتلك محفوظ ذاكرة متخمة مثل(شخص عملاق ذى معدة تتسع لكميات كبيرة وفم يستطيع أن يبتلع فيلاً) فتخيلت أننى أسأله بذهول، من أنت يا سيدى؟ فيجيب فجأة "أنا النسيان". كيف يمكن أن تنسانى؟. عامة كان محفوظ مدركاً للماضى وخبرة تجربة الحاضر. تلك القطع الأدبية فى أصداء السيرة الذاتية ما هى إلا تأملات تمثل رجع الصدى للذى حدث وكيف كان الكاتب نجيب محفوظ آنذاك؟ .

ويمكن أن تنطبق تلك الكلمات على إحدى قطعه النثرية المُعنونة بـ "حوار الأصيل"(ص69) أنا لا أصدق اى سيرة ذاتية بمعناها الحتمى لتقديم الكاتب لنفسه. يمكن الاتفاق على سبب وجودنا فيها؟ أو ربما نتساءل لماذا نحن الآن؟. إذا كانت قطع النثر ليست مذيلة بتاريخ ،فلكل منها عنوانه وكلها دالة على التساؤل حول حقيقة الإنسان. وكلها (القطع النثرية التي تتضمنها أصداء السيرة الذاتية) تجسد اكتشاف محفوظ وإمعانه للنظر فى الحياة.
الاستغراق فى تلك التأملات يستكشف روعتها ويظهر للعيان رموز قص محفوظ حيث الكلمة المفردة أو العبارة تنهض على الدرس الأخلاقى؛ العدالة، الزمن، الدين، الذاكرة، اللهفة، الحركة،الجمال، الطموح، الحرية، الصفح،وأخيراً الفرج. كل ذلك يكون ملاحظاً عبر التركيز على تضييق السخرية وأخذ موقعاً وسطاً بين المرح والعاطفة للانفتاح المتسع على الوقار.

ويحث محفوظ على المعانى نفسها عبر عناوين أخرى مثل " قطار المفاجآت" "فى عيد الربيع يحلو اللهو ويطيب، وقفنا جماعة من التلاميذ فى بهو المحطة وكان علينا أن نختار بين رحلتين وقطارين قطار يذهب إلى القناطر الخيرية وآخر يمضى إلى جهة مجهولة يسمّى قطار المفاجآت قال إحدانا: القناطر جميلة ومضمونة.فقال آخر: المغامرة مع المجهول أمتع ولم نتفق على رأى واحد، ذهبت كثرة إلى قطار القناطر وقلة جرت وراء المجهول"(ص22) هنا اتيحت لمحفوظ الحرية فى إعادة صياغة ما أشرت إليه وتظهر كيفية ملاحظة أن محفوظاً يمتلك الموهبة كأحد الكتاب العظماء الذين تأملوا كل الإمكانيات المتأصلة فى الحياة . والتي تَطرح –على الأرجح- هذا أو ذاك من الصعوبات لترسيخ كتابته التي تصور الصراع وصولاً إلى الإجابات التي يحاول أن يستنطقها .

فى نص "رجل يحجز مقعداً يعمل الأوتوبيس فى ضاحية نائية حيث يقول الراوى:"بدا الأوتوبيس مسيرته من الزيتون، فى نفس اللحظة التي انطلقت فيها سيارة رجل ثرى من مسكنه فى حلوان.. غيرت كل منهما سرعتها، أسرعت وأبطأت، وربما توقفت دقيقة أو أكثر تبعاً لما لاقته فى سيرها من ظروف الطريق. ولكنهما بلغا ميدان المحطة فى وقت واحد، بل ووقع بينهما تصادم خفيف أتلف مصباح الأوتوبيس وكشط مقدمة السيارة ، وكان رجل يمر فانحصر بين السيارتين وسقط فاقداً الحياة..كان يعبر الميدان ليحجز مقعداً فى قطار الصعيد"(ص39). يقرأ كل منا الجملة الختامية الموجزة كتعليق جانبى. العنوان مفاجئ ويتخطى ذلك إلى حيث يكون نموذج خطير. قرأته هكذا: الأغنياء والفقراء يصلون فى نفس النقطة عند القضاء والقدر حسب القسمة البشرية مهما كانت وسائلهم ، حتى الرجل الذى يرتحل -لاهنا مع الفقراء فى الأتوبيس ولا هناك مع الغنى فى السيارة-ويلتمس المرور من بين الاثنين لا يستطيع الإفلات أو الهروب ، فلا يمكنه منع القضاء والقدر. لأنه لا فرار منهما فى الوضع الإنسانى، إنهما الاتجاه المقصود للموت.

نجيب محفوظ رجل مُسن ومن الطبيعى بالنسبة له أن يتفكر بإمعان فى القضاء والقدر اللذين لا مفر من التصديق بهما إنهما قدر محتوم للمؤمنين والمتشككين على حد سواء، لكن بعضنا ممن يقوم بعمله يعرف أنه يحمل فكرة الموت فى ذهنه مثل جزء من سؤال الوجود عن كون الحياة نفسها.
عامة كلنا نماذج فى بنية اجتماعية نتحول خلالها إلى انعكاس لقوة البيروقراطية، حيث المصلحة القومية مَثَلُُ لتنظيم الوجود والطموح العظيم لعمل مهيب، تلك هى القصة الرمزية للموت التي لابد أن يلقب بها نص "الحركة القادمة " فالسؤال فيه يكون عن النهاية الرمزية لإنسان ربما يسأل نفسه الآن" لما لم تُهئ نفسك لمصير لا مفر منه؟(ص7)، عندما تتأمل فى شخصيات محفوظ الخيالية مبكراً جدا تجدها تدور حول سؤال" لماذا لا تجهز نفسك لذلك عندما تعرف قدرك الحتمى؟".وربما قال شخص،مع ذلك، إنه يأخذ ذلك بعين الاعتبار لكنه يتجنب الحديث فيه ويبرر عمله. كذلك محفوظ واقع تحت تأثير مارسيل بروست فى نصوص" قبيل الفجر"، " السعادة "،" الطرب"، حيث تحدث لقاءات متباينة فى الشيخوخة وليس من السهل تمييز أحدها عن الأخرى مثلما فى الاحتشاد النهائى فى رائعة بروست "البحث عن الزمن الضائع"، لكن يبقى السؤال شديد الوضوح ، ما الذى يخسره الإنسان؟.

فى نص" الطرب" يقابل الراوى مطرباً كبيراً فى السن ويذكره بالتواشيح الموسيقية التي كان يتولها والتى لا تزال تمثل الحياة الأبدية المبهجة التي تطرح جانباً كل ما هو دنيوى، بينما السياسة الحتمية والموت وتجسيد الحكمة تتم بحساب مدى العمر بيننا وبين محفوظ . الأطفال فى القرن العشرين والأخلاق السياسية المعقدة والعلاقات الشخصية هى محور أعمال نجيب محفوظ "ثلاثية القاهرة" وفى بعض أعماله الأقل منها .
فى نص "ليلى" العنوان يعبر عن اسم امرأة والأخلاق الجنسية هى الخيط الرئيسى فيه يقول الراوى:"فى أيام النضال والأفكار والشمس المشرقة ، تألقت ليلى فى هالة من الجمال والإغراء. قال أناس: إنها رائدة متحررة. وقال أناس: ما هى إلاّ داعرة. ولما غربت الشمس وتوارى النضال والأفكار فى الظل هاجر من هاجر إلى دنيا الله الواسعة ، وبعد سنين رجعوا وكل يتأبط جرة كمن الذهب وحمولة من سوء السمعة. وضحكت ليلى طويلاً وتساءلت ساخرة: ترى ما قولكم اليوم عن الدعارة؟.(ص62)

السؤال الجوهرى فى النص التالى"التحدى":متى يمكن لواقع البلد أن يكون ذا مغزى؟ والإجابة يحدث ذلك عندما يَصدق الناس. والنتيجة هى الخوف المشؤومة أكثر من الأحداث التى تؤثر السلامة ، بينما أوامر هذه الأخلاق السياسية ليست سهلة الاتباع ، يتضح ذلك الجدل السياسى فى نص:" فى غمار جدل سياسى سأل أحد النواب وزيراً. هل تستطيع أن تدلنى على شخص طاهر لم يُلوث؟ فأجاب الوزير: إليك –على سبيل المثال لا الحصر- الأطفال والمعتوهين والمجانين فالدنيا لا زالت بخير" (ص31)
مرة أخرى يفاجئنا محفوظ بالمواجهة عبر الإدانة اللاذعة . بالمفارقة ، والاتهام والاستهزاء من أنفسنا. فهل يكون ذلك عصيان للدوافع نحو الأصلح ؟. ثم المر نفسه يتكرر إذا لم يتحقق المغزى من السعادة مقارنة بهوان الخليلة فى نص "سؤال وإجابة" " سأل العجوز السيدة: معذرة يا صديقة العمر ، لماذا تبذلين نفسك للهوان؟. فأجابت بوجوم: من حقّك علىّ أن أصارحك بالحقيقة. كنت أبيع الحب بأرباح وفيرة، فأمسيت أشتريه بخسائر فادحة ولا حيلة لى مع هذه الدنيا الشريرة الفاتنة " (ص30)

فى نص "الخلود" يدنو أحد المتسولين من الشيخ عبد ربه التائه الضرير الذى يتجول عبر نصوص محفوظ مراوغاً فى الإجابات المُنجية لمُريديه " قال الشيخ عبد ربه التائه: وقفت أمام المقام الشريف أسأل الله الصحة وطول العمر دنا منى متسول عجوز مهلهل الثوب وسألنى "هل تتمنى طول العمر حقاً؟" فقلت بإيجاز من لا يود الحديث معه: ومن ذا الذى لا يتمنى ذلك؟ فقدم لى حُقاّ صغيرا مغلقاً وقال: إليك طعم الخلود ، لن يكابد الموت من يذوقه! فابتسمت باستهانة فقال: لقد تناولته منذ آلاف السنين ومازلت أنوء بحمل أعباء الحياة جيلا بعد جيل. فغمغمت: يالك من رجل سعيد. فأجاب باسى: هذا قول من لم يعانِ كر العصور وتعاقب الأحوال ونمو المعارف ورحيل الأحبة ودفن الأحفاد. مع شروق كل شمس أبكى أيامى الضائعة وبلدانى الذاهبة وآلهتى الغائبة! (ص112) تلك صرخة حزن على العالم الذى يمثله صوت محفوظ ، لكنه لا يصعد لمرتبة النقش على الضريح مقابل الخلود الذى يعنى اختيار شروط سحر الحياة.

فى مؤتمر لاحق قدمت محاضرة عن " ثلاثية القاهرة " لنجيب محفوظ فى هارفارد منذ سنوات قليلة. بعض المؤيدين للنسوية هاجموا صورة المرأة فى تلك الروايات ، ونبع رأيهم من مشهد رسم شخصية أمينة زوجة السيد أحمد عبد الجواد التي لا يؤذن لها بالخروج من منزل العائلة ما لم تكن بصحبة زوجها ، وحسب مصير البنات فى الأسرة ، فقد تزوجن من الرجال الذين اختارهم لهم والدهم عبد الجواد ، دون احتمال لتحقيق استقلالية وجودهن . كان طلابى بالفعل مستنكرين للعبقرية التي تحملها تلك الروايات التي وصفوها بأنها رسالة للقتل ، حيث كان نجيب ينقل حالة قمع أمنية وبناتها حسبما وجد. لم يكن مدافعا عبر استبصاره للعلاقات الاجتماعية والجنسية المعقدة طبقاً للعادات والتقاليد آنذاك.

هكذا فسجن النساء يشوه حياة المرآة فى أسرة عبد الجواد التي كانت بعيدة جدا عن الاحتجاج على جبروته مقارنة بما يتهم به محفوظ من انحيازه الأدبى المفرط للمرأة المكرس فى قيمة حاضر حياة محفوظ . فالمرأة ليست رمزاً للجمال وبهجة الحياة فحسب، إنما لتنفس الحرية المعنوية ، هذا هو التشخيص الذى يمثل الاحتفاء ليس لمناصرة المرأة بل لتصوير حياة المرأة بنضارة عبير الزهور. كى تحتفظ بنغم موسيقى القلب. دعنا نمتح ذلك من نصوص محفوظ، إذا لم تكن مجرد صدفة للحب والبهجة غير المنفصلين ،ولذا فمراجعة نصوص محفوظ بتوسع تنفى عنه سلبيته فى الدفاع عن صورة المرأة. ففى نص "الرحمة" يتجسد تعاطفه مع المرأة حيث " البيت قديم وكذلك الزوجان ، هو فى الستين وهى فى السبعين جمعهما الحب منذ ثلاثين عاما خلت، ثم هجرهما مع بقية الآمال ، لولا ضيق ذات اليد لفر العصفور من القفص ، يعانى دائماً من شدة نهمه للحياة، وتعانى هى من شدة الخوف. ويسلى أحلام يقظته بشراء أوراق اليانصيب لعل وعسى . كلما اشترى ورقة غمغم "رحمتك يا رب " فيخفق قلب المرأة رُعباً وتغمغم "رحمتك يا رب ". (ص29) هنا يصور محفوظ مشهداً ديناميكياً جوهره الترهيب والتدين لكنه يأتى معاكساً لرغبة كل من الزوجين. الطمع فى الحياة مقبول فى كل نصوص محفوظ ، مقابل ذلك هناك إفراط فيه لكنه غير متحقق.

الآن كيف يكون خجل من يطير من الفرح بينما يصير هذا الفرح الوهمى إلى زوال، يحدث ذلك وهو ذو مغزى فى نص "العريس" يقول الراوى:" سألت الشيخ عبد ربه التائه عن مثله الأعلى فيمن عاشر من الناس، فقال: رجل طيب تجلت كراماته فى المداومة على خدمة الناس وذكر الله ، وفى عيد ميلاده المائة سكر ورقص وغنى وتزوج من بكر فى العشرين، وفى ليلة الدخلة جاءت كوكبة من الملائكة فبخرته ببخور من جبل قاف".(ص124) إنه الانفصال عن الخطايا فى مقابل الحياة، كذلك عندما يقول الراوى فى نص" ذلك الحب" " قلت للشيخ عبد ربه التائه: سمعت قوماً يأخذون عليك حبك الشديد للدنيا.. فقال: حب الدنيا آية من آيات الشكر، ودليل ولع بكل جميل وعلامة من علامات الصبر" (ص129). فغير منكر أن تكون تلك الحياة حزينة، إنه بمثابة حكم نهائى حيث يسير الرجل مندهشاً بين الألم والسرور. وفى نص "حزن الحياة " سَئَل الشيخ عبد ربه التائه: هل تحزن الحياة على أحد؟ فأجاب: نعم..إذا كان من عشاقها المخلصين" (ص134)هنا-على الأصح- مقارنة بالراهب فى عشق الحياة وهو ما يتأكد عبر نص "السحر" " قال الشيخ عبد ربه التائه: تبدو الحياة سلسلة من الصراعات والدموع والمخاوف، ولكن لها سحر يفتن ويسكر" (ص135) فإذا قدم شخص عملاً يحمل قدراً من الاختلاف أو التميز ، فذلك هو سر الفناء وهو ما يتجلى فى نص "الخصم القوى" " قال الشيخ عبد ربه التائه: يا من أيقظتن الفؤاد فى دار الفناء، أشهد بأنكن خلقتن الخصم القوى الذى يتحدى الموت" (ص 141) فماذا يُجدى نفعاً فى تلك المعتقدات السائدة حول مذهب الحياة؟، أو أى ميل لذلك. ومن ثم تكون الفردوس ليست النهاية التي تجعل الوجود الدنيوى ذا مغزى. هذه الحياة عندما تُكتشف وتُقبل كاملة وبشجاعة بواسطة الشكوك المتلاحقة عبر المطاردة العنيدة لخلاص راوى محفوظ فهذا يكفى، ففى نص"شكر" "قال عبد ربه التائه:الحمد لله الذى انقذنا وجوده من العبث فى الدنيا ومن الفناء فى الآخرة"(ص144) يأتى الفناء عبر سكون الشيخ وتأمله فيه وقد اختار الصورة نفسها بعناية أيضاً فى نص "خفقة قلب" " قال عبد ربه التائه: ما بين كشف عن وجه العروس وإسداله على جثتها إلا لحظة مثل خفقة قلب"(ص151) بعد التحذير المتوارى السابق من الموت فى إحدى الليالى دارت كل كلمات الشيخ حول الله عوضاً عن خلود الحياة ؛ فتكون الحركة هى أصل الحياة كما فى نص"الحركة" قال الشيخ عبد ربه التائه: جاءنى قوم وقالوا إنهم قرروا التوقف حتى يعرفوا معنى الحياة، فقلت لهم تحركوا دون إبطاء، فالمعنى كامن فى الحركة "(ص152)

وإذا كان الانغماس فى الشهوات ظاهراً فى الإحساس المتسع بكل النماذج البشرية المطروحة فى النص، فإن ذلك ليس عاملاً معارضاً لجانب من الروحانية القارة فى النصوص مثل نص" لا تندم":" قال الشيخ عبد ربه التائه: اخفق يا قلبى واعشق كل جميل وابك بدمع غزير إذا شئت ولا تندم" (ص152) أو نص"الدَين" "قال الشيخ عبد ربه التائه: الحياة دينُُ ثقيل، رحم الله من سدّده" (ص154) .
محفوظ بدرجة ما يحمل توتراً إبداعى بين مغزى الدال على اللهفة و أول لمسة لروح الحياة ، وفى هجر الملذات التي تتطلب قيداً لإحراز الروحانية. إن ذلك يجسد وقوع نجيب محفوظ تحت تأثير الصوفية. معرفتى الشخصية بالصوفية سطحية جدا ومحصورة فى فهم أنها مركز الإيمان الذى يتمثل فى إيقاظ الحياة الداخلية للإنسان الذى يكون فى حال فهم لطبيعة التحقق الإنسانى، بينما الحقائق الإنسانية الداخلية والخارجية متلازمتان.
القراء مثلى ربما يستقبلون الصوفية عبر انتقال محفوظ للحديث فيها. خذ مثلا مؤكدا لذلك فأى شخص لا يكون مسيحياً ربما يأخذ عقيدة المسيحية خلال دعوات عيد الفصح "وعامة تكون تلك رابطة مباشرة بين طرق الصوفية وعقيدة المسيحية فى مناسبات مثل الفِصح لنيل أى شئ من الإله الظاهر لكن لابد أن يتصل ذلك بالباطن". بالفعل لا أهمية لسؤال فى ماذا يعتقد؟ أو ما العقيدة؟ ذلك يُؤخذ من المنحنى الفاصل للفردية مطلقاً وبالخبرة والتأمل فوق ذلك للمعبود. ربما من أجل ذلك يؤخذ ظواهر تدين فلسفة المتصوفة التي تظهر فى معتقدات محفوظ لتكون أصلية وحسب تعاليم الدين يبقى الاحتفاء مضاعفاً بالإبداع تطبيقاً للعقيدة عبر تساؤل ماذا يمكن أن يؤخذ بوساطة الإيمان؟.

إذا تناولنا ذلك بصورة محددة فى قراءة نصوص محفوظ أعتقد أننا لابد أن نتذكر أكثر الشخصيات تألقاً أو ألمع شخصية الدالة على ذلك وهى شخصية كمال عبد الجواد فى ثلاثية القاهرة حيث يعلن كمال أن اختيار الايمان لا يزال غير مُحدد كسبيل للمواساة على تعاظم الحياة وعندما أمتلك أن أكون فذلك ليس أفضل الآن. بالنسبة للبحث فى حياة محفوظ فى كيفية ما يجب على الإنسان أن يفعله كى يجد نفسه رمزاً أعلى فالنص الذى يؤيد ذلك قصة زعبلاوى فى مجموعة "دنيا الله" عندما يُوصى الأب راوى القصة أنه لابد أن يجد الزعبلاوى الشيخ الذى ما سأله إنسان فى شئ إلا وجد عنده ضالته وكلما ذهب الراوى إلى حيث يصف له الناس وجوده لا يجده وكأنه ليس إلا رمزاً يسعى وراءه الخَلق: "زعبلاوى! أنت فى حاجة إليه؟ الله معك، ترى أين أنت يا زعبلاوى؟! " (دنيا الله ص144) ثم تواصُلا مع البحث عن زعبلاوى يذهب إلى أحد مُريديه فى بار وهو رجل متعب يشعر بالاحتياج إلى النوم لكنه سرعان ما يدعوه للشراب كشرط للحديث عن الزعبلاوى ثم تحدث المفارقة عندما يحضر الزعبلاوى نفسه لكن الراوى الذى طالما بحث عنه يكون قد وقع تحت طائلة السُكر : "خسارة! كان يجلس إلى جانبك وكان يتغزل طيلة الوقت بعقد من الياسمين حول عنقه أهداه إليه أحد المُحبين ، ثم عطف عليك فراح يبلل رأسك بالماء لعلك تفيق"(ص150) تلك إشارة إلى الوجود الفعلى للزعبلاوى، مما يجعل الراوى يحمل مزيداً من الإصرار للبحث والتنقيب على الزعبلاوى طوال حياته وفى إصرار ينهى الراوى سرد القصة قائلاً:" نعم علىَّ أن أجد الزعبلاوى" (ص151).

النصف الثانى من النثر الموجود فى المجموعة متفانٍ فى التعبير والخبرات لشيخ آخر يدعى عبد ربه التائه الذى يتحدث ربما يتخيل نجيب محفوظ لبعض من رموز الورع فى تاريخ الصوفية مثل "رابعة العدوية" المرأة التي كانت معروفة بالزهد فى البصرة والإمام الفارسى "جنيد البغدادى" والخواجة " شيستى منين الدين" الموجود فى الهند، والشيخ" المظفر" فى اسطنبول. بكل ثقة أيضا الزعبلاوى أخُُ لهؤلاء فى الهيام والتجول والظهور والخفاء ليعذب المشتاقين للخلاص والنجاة من عذابات الدنيا. فى الشوارع التي تضمها نصوص محفوظ عرض وسحب للغز الوجود وتوجيه إلى كيفية الحياة برغد. هذا يتم عند ظهور الولى فى ربع القاهرة حيث يخترع نجيب محفوظ فى دفتر ملاحظاته صيحة له تقول:" إذا ضل أحد يولد بدلا منه مهتدون". جوهر فلسفته الأولى كانت فى إجابته على لسان الراوى أو كل رجل -بدلا من محفوظ- مثل الذى يقدم طلب الانضمام إلى كهف الشيخ الأفلاطونى فى نص "عندما التقت العينان": " قلت بعد تردد: أكاد أضيق بالدنيا وأروم الهروب منها. فقال بوضوح: حب الدنيا محور طريقتنا وعدونا الهروب. فشعرت بأننى انطلق من مقام الحيرة"(ص104)

أحد الأقوال المأثورة للشيخ لمريد الشيخ عبد ربه التائه:"أفعل ما تشاء بشرط ألا تنسى وظيفتك الأساسية وهى الخِلافة "(ص140). كثير من حكايات محفوظ الرمزية ذات مغزى وتكون عصية على الفهم فى قمع السلطة و التماس المستحيل لغير ذلك عبر حدوث دمار هائل للراوى فى نص "بعد الخروج من السجن" فبعد أن يفشل الراوى فى مقابلة الرجل/السلطة يزج به فى السجن بعد تحايله على المقابلة وما يكون من الرجل/السلطة فى النهاية سوى تعزيز سجن المظلوم: "غص البهو بطلاب الحاجات . جلسنا نتبادل النظر فى قلق، ونمد البصر إلى الباب العالى المُفضى إلى الداخل المُغطّى بجناحى ستارة عملاقة خضراء. متى يبتسم الحظ ويجئ وردى؟ متى أُدعى إلى المقابلة فأعرض حاجتى وأتلقى الرجاء؟ الباب مفتوح لا يَصد قاصداً لكن لا يفوز باللقاء إلا أصحاب الحظوظ. على ذاك تمضى الأيام ، فأذهب بصدر منشرح بالأمل ثم أعود كاسف البال. وخطر لى خاطر: لماذا لا أختفى فى مكان فى الحديقة حتى إذا انفض السامر وخرج الرجل لراحته المسائية رميت نفسى تحت قدميه, لكن الخدم انتبهوا لتسللى وساقونى إلى القسم ومن القسم إلى السجن فألقيت فى ظلماته.

عبثاً حاولت تبرئة ساحتى. كيف أذهب طامعا فى وظيفة شريفة، فينتهى بى المآل إلى السجن؟ وانتهى إلينا التهامس بأن الرجل الجليل سيزور السجن ويتفقد حاله ويستمع إلى شكاوى المظلومين ، عجبت أن تيسر لى فى السجن ما تعذر فى الحياة. وهذه حاجتى إلى عطفه تشتد وتتضاعف ، وأحنيت رأسى بين يديه وقصصت قصتى لم يبد عليه أنه صدّق أو أنه كذب . قلت بضراعة: كل ما أتمنى أن يسمح لى باللقاء بعد الخروج من السجن. فقال بصوت هادئ وهو يهم بالسير: بعد الخروج من السجن! " (ص80) فى هذه القصة لا يستطيع أى منا إلا يقارن بين محفوظ وكافكا، ربطى بينهما لأن كافكا نشد الاستغراق العمق فى التفكير الزائف فى أى شخص يتشكّي ضدّ الإحباط البديهى من السلطة. فى إجابة لسؤال صحفى لمحفوظ قال الصحفى: ما الموضوع الأقرب إلى فؤادك؟قدم محفوظ إحدى الإجابات النادرة التي تمثل نفسه: ..الحرية..الحرية من الاستعمار.. الحرية من الحكم المطلق للملوك..الحرية فى الكتابة عن سياق العائلة أو عن المجتمع.. تلك الأنماط من الحرية يجب أن تتبع الواحدة تلو الأخرى". فذلك الحب للحرية يستنشق فى كل خط فى هذا الكتاب ، وذلك طبع أيضا عندما قال كمال عبد الجواد "الكفاح نحو تصويب الحقيقة فى الواقع من فضائل البشرية والحياة تصبح بلا معنى بدون ذلك". ومع حديث سمح بين كمال وصديقه حسين أوضح كمال أن " المؤمن يستمد حبه للقيم من الدين.. بينما الرجل الحُر يحب القيم لذاتها ".

مهما يكن تأويلك الشخصى فإنه من المستحيل قراءة هذه السيرة الذاتية دون كسب لذة هائلة وامتنان تنويرى بواسطة نوع من الكتابة يأتى بالمفارقة التاريخية الغريبة فى الحديث عن الوجود. عندما تكون المعلومات مصّدق بها مأخوذة من عبق المكان. أستطيع أن أردد بتمهل محفوظ يمتلك حكمة و يتدلى أمامنا حفظا على اللغز. إن محفوظ هو الزعبلاوى نفسه.

1. Naguib Mahfouz- Echoes of an Autobiography-Foreword “The Dialogue of Late Afternoon” by: Nadine Gordimer-The American University in Cairo Press.

2. نيللي ساخس حصلت على جائزة نوبل عام 1966 بالرغم من انها كاتبة مغمورة ولدت في مدينة برلين عام 1891 وهربت الى السويد مع امها واستقرت في استكولهم ولم تترك السويد حتى الموت وهي شاعرة لها ديوان: (هروب ومسخ للكائنات) و(جسر الالغاز) والبرج المائل واحلام اليقظة وسفينة من الحمقى لكن شهرتها الرائعة تقوم على ديوانها(جواد واهن) . (المترجمة)

3. هكذا تكلمت المرأة-أحاديث وحوارات- ترجمة الياس فركوح وحنان شريخة-دار أزمنة-ط1-2005-ص33.
4. للمزيد عن مقابلة كل من جورديمر ومحفوظ انظر جرائد Al-Ahram Weekly 3/9 February2005-أخبار الأدب6 فبراير 2005.
5. نادين جورديمر-الزعبلاوى"الجانب الخفى من الكتابة" طبعة جامعة هارفارد- 1995.
6. تقصد: بين القصرين 1956– قصر الشوق1957- السكرية1957.