الطلل في النصّ العربي




دراسة في الظاهرة الطللية مظهراً للرؤية العربيّة

سعد كمّوني شاعر وكاتب من لبنان

 



كان المخطط لهذا البحث أن يكون في "دلالات الظواهر الأسلوبية في شعر خليل حاوي" وبينما أقوم بجولة تفقدية خلال ديوانه "نهر الرماد" أتحسس أجساد القصائد، وألتمس الضوء الكاشف للعناصر التي تنطوي عليها البنى الشعرية، بهدف دراسة العلاقة البينية التي أنتجت الدلالة، لاحظت أنني مدفوع إلى هذا العمل بتأثير من سؤالٍ ضمني في مقتضى تسمية الديوان بهذا الاسم: "نهر الرماد" .

أخذني التأمل الطويل، وراحت تتراءى لي ضدّية النهر والرماد على أنها المكونُ الأساسي للرؤية العربية، وكون الآداب وجهاً من وجوه وعي الواقع، أي مظهرَ الرؤية؛ افترضت التعبير الأدبي اكتناها لهذه الثنائية الضدّيّة : نهر/ رماد وافترضت النظرة الثاقبة في الأدب، ينبغي أن تكون من خلال هذه الثنائية. لذا، عَزَفتُ عن متابعة البحث في “دلالات الظواهر الأسلوبية في شعر خليل حاوي" وانصب اهتمامي على هذه الثنائية. فالذي افترضته وجهةُ نظر تحتاج إلى تأكيد وإثبـات، وتبقى هائمة لا طائل تحتها ما لم تؤيدها الوقائع الأدبية. فكونها مظهر الرؤية العربية؛ كان لا بدّ لي من محاولة الكشف عن ينبوع الرؤية بعامة، ورؤية العربي بخاصة، وعن مظهرها في النص الأدبي، فافترضت الظاهرة الطللية تمظهراً للثنائية الضدّيّة : نهر/رماد. وهذا يقتضي مني تعريف الظاهرة الطللية، والكلام على موقعها في النقد الأدبي، قديمه وحديثه، والاختتام بوجهة نظر خاصة بالظاهرة الطللية بوصفها تمظهر الرؤية العربية.

وعمدت بعد ذلك إلى فصلٍ آخر ينطوي على مراقبة هذه الظاهرة في النص وتمظهرها المختلف باختلاف الزمن.

اخترت أولاً من العصر الجاهلي نصاً للأخنس التغلبي.وكان وراء هذا الاخـتيار تعريف صاحب "ديوان الحماسة" له أنه "شاعر جاهلي عاش قبل الإسلام بدهر.

واخترت من العصر الإسلامي نصاً قرآنياً، لأن القرآن ، أدبياً ،يشكل ظاهرة تعبيرية متميزة، فقد طرحت هذه الظاهرة قطيعةً أبستمولوجية مع العصر الجاهلي، وتأسيساً جديداً لأسلوب النظر.

أما من العصر العبّاسيّ، فقد وقع الاختيار على نص شائع لأبي نؤاس "الحسن بن هانئ" وذلك لذيوع صيت هذا الشاعر ناقماً على ذكر الأطلال، والأعاريب، والطريقة العربية، والقيم العربية.

والفضول المعرفي يثير أيضاً باتجاه الكشف عن تأثير الانقلابات الفكرية على تقاليد التعبير.

أما من العصر الحديث، فقد لا يكون مستغرباً اختيار نص من الشاعر "خليل حاوي" وهو قصيدة "نعش السكارى" من ديوانه: "نهر الرماد". وذلك أن هذا الديوان هو المحرّض المباشر لإنجاز هذا العمل.

** ** **

أما المنهج الذي اعتُمِدَ في معاينة هذه النصوص، فهو يقوم على اعتماد النص بنيةً تنطوي على عناصر تتبادل التأثير فيما بينها، إذْ إنها تشكل في علاقاتها ظواهر أُسلوبية، يجري رصدها ووصفها وتقديمها على أنها بمقتضى فكرة أو معنى كامن يعتمل في ذات المبدع.

يقوم هذا المنهج بتحليل المركّبات البنيوية تحليلاً لغوياً يقف على مقتضى التركيب ذاك ، بحسب علم النحو. ولا ينفع مع هذا المنهج أن تُدرس شخصية الشاعر ومناسبة النص أو أي شيء من خارجه.

فهو منهج يفترِضُ النصَ قادراً على تقديم كل ما يبغي تقديمه، لكون مقتضاه هو الذي شكّله

وأعطاه مظهره النهائي. منطلقاً في ذلك من نظرة عبد القاهر الجرجاني إلى التركيب إذ يقول "إن الألفاظ إذا كانت أوعية للمعاني فإنها لا محالة تتبع المعاني في مواضعها. فإذا وجب لمعنى أن يكون أولاً في النفس وجب للفظ الدال عليه أن يكون مثله أولاً في النطق" الأمر الذي يعني أنه إذا أردنا الوقوف على المعنى وحقيقته فإن ذلك لن يتأتى لنا من دراسة شخصية المبدع ومناسبة إبداعه، بل يكون لنا من دراسة العناصر المكونة للتركيب دراسة نحوية، لأن النظم هو "أن تضع كلامك الموضع الذي يقتضيه علم النحو" وعندما يقرر أن المعنى المقدم في النفس يقتضي تقدّم مفردته في النطق، فإنه في ذلك يدلنا إلى السبيل الذي ينبغي اتّباعه في معرفة النص.

أما المراجع التي اعتمدتها متكأ لإنجاز هذا العمل فهي أنواع:

- هناك مراجع استفدت من منهجيتها في معاينة النصوص، فكان لها الفضل الكبير في إضاءةِ الطريق أمامي.

- وهناك مجموعة من الدراسات النقدية، شكلت مراجع نظرية استفدت منها في فهم الأسلوبية والبنيوية

- وسوى هذه المراجع، مراجع شكلت رصيدي الثقافي الذي أنطلق منه إلى العوارض. وليس هناك من كتابٍ محددٍ شكَّلها غير أن القرآن الكريم وسيرة الرسول والثقافة الإسلامية الشعبية بمجملها هي التي كوّنت المعيار اللاإرادي، والذي مهما حاولتُ أن أكون موضوعياً، يتدخّلُ للحدّ من الاغتراب عن الذات. ويشكل الفكر القومي العربي بمختلف روافده ضابطاً لهذه المنظومة القيمية الفكرية، إذ إني من خلاله أحاول أن أقرأ نصوص التراث والحداثة على طريق الإسهام العربي في بناء الحضارة الإنسانية القائمة على العدل ونصرة الحق.

وتشكل المعاجم والموسوعات وكتب النحو والبلاغة أيضاً، مراجع ذات أهمية بالغة، وقد كان تقميش مادتها صعباً للغاية، واستحالةُ تحديد المطلوب منها مسبقاً، جعلها ملازمةً لي ما دمت منشغلاً في عملي، فكان فضلها كبيراً، وما جنيته من فوائدها كثيراً.

- وهناك أخيراً المراجع التي أخذت منها النصوص التي تعاملت معها.

***

هل تمّ إنجاز ما رمى هذا العملُ إلى إنجازه؟

لا يمكن ـ إذا كنا موضوعيين في عملنا ـ أن ندّعي إنجازَ كلِّ ما رمينا إلى إنجازه، فالطموحات الكبيرة قبل مباشرة العمل، ظلّت تتعاظمُ بعد الانتهاء منه. الأمر الذي يشير إلى أن القلق الرئيسي لم يستطعِ الكشفُ عن مكوناتِ الرؤية العربية، أن يبدده، أو يحدَّ منه على الأقل. فكلما انكشفت مساحةٌ، جدّت مساحة. إذ إن الكشف عن الرؤية العربية، يبقى غير ذي أهمية تذكر، ما لم يتحوّل إلى حافزٍ لتجديد القراءة للمنجز الأدبي العربي بوصفه تمظهراً للرؤية.

كما أنه لن يكون على أهمية تذكر ما لم يُلْحظْ من زاوية التأكيد على ديمومةِ التاريخ. فهذه الثنائية الضدّية: نهر/رماد، أو معادلتها: بعث/دثور، بوصفها المكوّنَ لبنية الرؤية من زاوية اهتمامنا، بدت لنا في المعاينة النقدية أنها التاريخ الذي لن ينتهي. وطالما أن الخراب لن يغيب مع "انتشار الديمقراطية الليبرالية الغربية في العالم كله" فإن ذاكرة الخراب ستظلّ تخلق اللغة "وحيث تكون اللغة يكون العالم، وحيث يكون العالم يكون التاريخ".

وعليه، إن ما أنجز في هذا العمل، يكون من شأنه أن يفتح باباً يفضي إلى إعادة قراءة المنجز الأدبي العربي بهدف الكشف عن مقومات استمرار التاريخ، والتأكيد عليها، لا من أجل الإنسان العربي فحسب، بل من أجل إسهام الإنسان العربي في إنقاذ الإنسان من محاولات تسليعه عبرالعولمة وإخضاعه لحاجات مصطنعة.

أما ما أتيح لنا من هذه النصوص التي تعاملنا معها، فهو قد أضاء لنا السبيل إلى التعرف على حركيةِ العقل العربي. ولا يدّعي هذا العمل أنه أحاط بكل تفاصيل هذه الحركية. وما كان ذلك من أهدافه. إلاّ أنه برصده لبعض نتاجات هذا العقل، الموزعة على مختلف الأزمنة العربية، رصدَ العالم الخاص، أي العالم الخاضع لنظام اللغة كما تبدّت لنا في الكلام بوصفه الصورةَ النهائية والجدّيَّة لإعمال الذهن في الأشياء.ومن خلال هذا الرصد، تبينت لنا أهمية الماضي في صياغة المستقبل عند العربي.

إذن، العقل العربي يسترجع لحظة الهناء من الماضي، في مواجهة الخراب في الحاضر. وفي رحلتنا ما بين النصوص والمراجع والمصادر وجدنا تمايز الغايات من وراء استرجاع الماضي، كما وجدنا أن الماضي لا يسترجَعُ بكليته، بل يُسترجعُ منه ما تحتاجه لحظة المواجهة الراهنة. وكذلك وجدنا تمايز الخراب في حقل النظر العربي. وبالتالي نفهم الحلم المتمايز، الحلم الذي اكتنه العلاقة التي أنشأها الكلام ضمن النظام اللغوي العربي،بين الخراب القائم والعمران المنصرِم المنشود في المستقبل.

لقد تأكد لنا أن الماضي لا يسترجع إلاّ لوظيفةٍ يؤديها في الحاضر. كما تبيّن لنا أن النهرية في مواجهة الترمّد، ليست جاهزةً في الماضي. بل اللغة هي التي تخلق المضاد الحيوي الذي يأخذ من انتمائه إلى الماضي بعده الفاعلي، لما يكتسبه من العراقة، وما يُضفى عليه من هالاتٍ قدسيّة. والشاعر الفردي الشخصاني المنعزل أو الشاعر الثوري القومي الإنساني، كلاهما يثير الخرابُ اهتمامَه. ولكلّ خرابٍ ماضيه المناسب.



ملاحظة : الكتاب في 180 صفحة حجم كبير ومن توزيع المؤسسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت .ص.ب6311/113