ملاحظات على هامش رواية شجرة في الرأس




 

سعد كموني تعذِّبه الكلمات
بقلم د. علي مهدي زيتون
رئيس قسم اللغة العربيّة في الجامعة اللبنانيّة- الفرع الرّابع





بين "شجر الخيبة " ديوان سعد كموني الثالث 1996 و"شجرة في الرأس " روايته الأولى الصادرة هذا العام عن دار الحداثة في بيروت ، مسافة ليست كالمسافات تبدأ من نقطةٍ وتنتهي إلى غيرها ؛ بل هي مسافة تبدأ من مكانٍ في القلب عصيٍ على السَّبْر ، لتنتهي في مكانٍ من القلب عصيٍّ على التأويل .

تبدأ بالشجرة وتنتهي في الشجرة ، تثير المشكلة وتطلق كلّ العصافير .

الكلمة في أول هذه المسافة هي المشكلة تولد مع ولادة الأشياء ، تحدوها ، ولا ترتاح حتى ترتِّب لها علاقات جديدة غريبة مرسومةً على صورتها ومثالها . فهي ساحرة مسحورة تماماً كما العالم محمولاً على ريشة شاعر . تحاول أن تتماهى مع الأشياء تقاربها ولكنّها لا تنعم بالحضور .

والكلمة في آخر هذه المسافة ملتبسة بالرؤية تولد مع ولادتها ، مطواعة تماماً كما العالم مسكوناً بريشة روائيّ ، تحاول أن تمسك بالهم ، تقاربه ولكنّها لا تنعم بالحضور .

سعد كموني تعذّبه الكلمات ، والمعذّبون بالكلمة هم الشعراء الأصفياء والكتّاب المهمومون. و الشجر هو اسم الرؤيا في اللغة العربية ،اختاره العقل العربي ليشعّ إلى احتمالي الوجود (الجدب/ الخصب ) و(الرماد/ النهر ) و الصحراء / الجنّة) . واذا أضاف سعدٌ هذا الاسم إلى الخيبة فلِيمسك بالحلم العربيّ الراهن قبل أن تجرى المسوح على وجهه فيبين على غير سجيّته دعوا الشاعر يحلم فالخيبة لا تقضم لنا كلّ الحلم ولا تنسئه " فالنسيئة زيادة في الكفر " . ما زال النسغ الأخضر يجري في عروق الشجر على تكاثر القوارض وتعاظم أسنانها فـ" ثمّة رصاصة تفرّدت بالرقص " وسعد ما زال يرتكب الحلم ، ويداه :

تلامس الغمام

تحدّث السماء عن حقولنا الجديبة

وكانت السماء

تحدّث العيون عن غمامةٍ

تزيّنت بالقمح والنساء .

وثمّة " رحمٌ خضراء " وسعد مازال يغمض عينيه كي يبصر الرؤيا ، مازال يغمضها أكثر ما يقدر كي يسبر عمقاً عربيّاً في الذات الكبرى .. صارحتْه دالية الدار:

كيف براها الله تتظاهر بالموت

وحين يشيخ الثلج على كتف الغيم

تبدأ بالغنج فترسل في الأمداء

دروب عصافير وافياء غناء

انفجرت عنقوديّة

فانتفض الحقل

وجاء الشهداء الأحياء

قلت : القُبلة

فازَّيّنتِ الدنيا بالقبلات .

" شجر الخيبة " ظل خارج القصيدة ، فهي قد أخذت على نفسها ألا تدخل بين حروف مباهجها ضحكةُ تاجر ، خصوصاً بعد أن أعتقها السلطان مكرها فخرجت من مقصورة الحريم ، وقرّرت ألا تعود إليها . أقسمت القصيدة العربيّة بذمّة الشعراء أن تظلّ وفيّة للشعر وألا تشغل بالها إلا بالعرسان الفرسان الذين أعادوا للنخوة سالف شدتها ، وافترعوا الأرض فأزهرت تحت أقدامهم . " شجر الخيبة " عنوانٌ يصلح للمرحلة . فهو اسم للجانب المهترئ من وجودنا ولكنّه ليس اسماً لكل وجودنا . من رحم الموت نستولد الحياة دائماً ، قد نتصحّر ، وقد نغدوا رماداً تذروه الريح ، ولكن رمادنا يعرف دائما كيف يخبّئ الجمرة العصيّة العنيدة .

والشجرة اسم للرؤية في لسان العرب . كيف لا ، ونحن همّة الصحراء المهاجرة دائماً من خط الاستواء إلى ضفّة الخضرة والماء . مازال الراوي يجهش " كان يا ما كان " .. ونحن نتمثّل السِّير الغرّاء غذاء كاملاً يجترح كل علامات الخصب والحياة . وإذا حدّد سعد كموني للشجرة مكانها ،فقد قدّم لنا الرؤية السرديّة يقتلها الحنين إلى الشعريّة .

دعوا الراوي يرى ، دعوه يحلم ، فالشحرة التي تنبت في الرأس تفسّر كيف استطاع الرّماد أن ينقل المعركة إلى ساحة الفكرة حيث الذمّة موضع خلاف ، وكيف استطاع النهر أن يعاند ، أن يجأر بأن ذمّة الفقراء ذوي اللثغة العربيّة ليست تباع وليس ترسم على دفاتر البيّاعين .. بذرةُ هذه الشجرة تكثّف طهر السماء ، إلى خيول الريح إلى ما رسمت شمسنا المقهورة من سحنةٍ على الوجوه .

لا تهدموا بيتاً .. لا تقتلعوا شجرة .. لا تؤذوا طفلاً .. شيخاً .. امرأةً ..إيّاكم أن تبيعوا شبراً من أرضٍ ، فالأرض ذمّتكم وماء وجوهكم .

تكثّف هذه البذرة نقاءً بات نادراً ، ولكن وجودها يعلن عن وداعتها ويكشف لنا عن سرّ ماء روّاها متحدِّرٍ من زمن الهمّة .

كيف تناسل ذاك الماء تحت جلد الرّماد ولم تدركْه حربَة المارقين ؟ كيف تسلّل الراوي ليتلبّس شاعراً ؟؟

لم يدع لنا مسافة نتبيّن فيها الفرق بين اللغتين ، وهو حين صار الشاعر ألغى نفسه من دون أن يعبأ بكلّ كلام الرّواة المنمّق الذي يعدّونه للمتلقّين .حدّثنا الشاعر الراوي قال :" الشيء الذي أرغب فيه الآن هو أن تيبس تلك الشجرة ، الشجرة التي ما زالت في رأسي رغم آلاف الفؤوس التي هوت عليها في السنوات الأخيرة .تيبس...! لست أكيداً من حقيقة هذه الرّغبة . غير أني أكيدٌ من التعب الحقيقيّ الذي أعاني منه بسببها " . فهل يصدّق أحدٌ أنّه واقف في حضرة راوٍ بارد الأعصاب ، عارفٍ بما كان وما سيكون وهمّه أن يلذّ السامعين ويسليهم .؟؟

هذا الراوي هو سعد الشاعر .. يتعرّى أمامنا ، يصرخ بما يعانيه الحلم العربيّ في زمن المصيدة ..

يتجاوز فرديّته ليعبّر عن همّ كل المتضررين من الحبال والحبائل التي تحاك حول الأعناق .

ولا تزهر هذه الشجرة في وجد الراوي ورؤيته وحدهما ، تزهر في شخصيّات الرواية أيضاً . معظمهم ريفيّون . وهل يوجد من هو أحنّ من الريفيّ على الشجرة ؟إنّه ربيبها العارف بهمومها … يبكي لبكائها ، ويفرح لفرحها .. يبيع رداءه ليشتري لها الدواء ، ويسقيها بدموع العينين … إنّه منها وهي منه .وهذا الشاعر الرّاوي يرى إلى القرية أمِّ الشَّجرة على أنّها "المكان الذي فيه يأخذ الزّمان قيمة انطلاقه ، فإذا انعدمت القرية لا يمكن للمدينة أن تبقى ، وبالتالي لا يمكن للزّمان أن يستمرَّ في اندفاعاته."

وأشخاص الرواية هم سعد نفسه .. وشوكت وإسماعيل وعباس ، لم تعد الرواية إنتاجهم بل أبقت على قسمات وجوههم كما هي من دون أن تخاف من الوقوع في النسخيّة فهؤلاء الأشخاص هم بطبيعتهم التي فطرهم الله عليها ، جزء من الرؤيا / الحلم من دون أن يدخلوا عالم التوهّم ؛ فالسيريّة في الرواية عملٌ فنيٌّ صعب وقد أجاد سعد كموني التعامل معها ، أو مكّنته طبيعة الأشخاص من ذلك ، ولا يخرج زمان الرواية ولا مكانها عن الانتماء إلى تلك الشجرة / الحلم .

إنّه التورّط في الكتابة يا صديقي ، فازددْ ، وتورطك مطلوب ولا غبار عليه ، أطمئنك إلى أنك لست ممن تطول أعمار فضائحهم ؛ كتابتك تفضح من يجب أن يُفضح وهذا سرّ روعتها .