حارثة المياه حاصدة اللؤلؤ





الكتاب : حارث المياه

المؤلف : هدى بركات

الناشر : دار النهار - بيروت

عرض: محمد توفيق




الكاتب هو فى الأصل جوهرى ، بدقة يزن الذهب ويفحص الزمرد ، برهافة حس يزرع فى المعدن النفيث حجرا كريما ، يصنع الجمال ويحفظ الذوق والقيمة ، سر صنعته الميزان ، لكنه ميزان معنوى ، ميزان غير مرئى وإن كان مع هذا حيويا ، فمن تحديات الكاتب ضرورة الوصول إلى نقطة أو نقاط للإتزان ، أولا ما بين خصوصية شخصياته والرؤية الذاتية لكل منها من جانب ، والبيئة المحلية المحيطة بهذه الشخصيات على الجانب الآخر.

أما الاختبار الحقيقى ، والذى لا يجتازه سوى كتاب قلائل ، فيتمثل فى الوصول من خلال هاتين الدائرتين - دائرة الرؤية الذاتية ودائرة المجتمع المحلى - إلى الدائرة الثالثة ، دائرة الرؤية الكونية الشاملة ، تلك التى تتسع لتشمل البشرية جمعاء آبية أن تعترف بحدود للزمان والمكان ، وهو الامتحان الذى اجتازته بجدارة هدى بركات فى روايتها الأخيرة "حارث المياه ".

ببراعة غزلت الكاتبة اللبنانية عالما فريدا حول شخصية ابن تاجر للأقمشة ، تاه فى وسط بيروت خلال سنوات الحرب الأهلية ، فوجد نفسه بمحض الصدفة أمام محله الذى هجره عند احتدام المعارك ، فى المنطقة الخراب التى تفصل بين المتحاربين ، فأقام فى الجزء المتبقى من محله ، وحيدا فى عالم مهجور ، محاولا استعادة أشلاء حياته الضائعة .

وتبرز من خلال اللوحة الغنية التى كونتها هدى بركات قضايا ، ليست كلها جديدة على الأدب العربى المعاصر ، بل إن معظمها قضايا محورية متكررة فى قصصه ورواياته، لكنها مع كل تناول جديد تستحق الوقوف أمامها ، بالتأمل والدراسة ، خاصة حيثما يكون التناول على هذا النحو الفريد ، ولعلنى أقدم على طرح بعض الملاحظات من خلال ثلاثة زوايا أو مناظير :

أولا : المأساة

تتمثل فى الحرب الأهلية اللبنانية غالبية العناصر المكونة لمأساة الوجدان العربى ، إن لم تكن كافة هذه العناصر مجتمعة ، ولقد حرصت الكاتبة فى تناولها لأبعاد المأساة أن تتجنب منزلق الميلودراما ، والبكاء قبالة الأطلال ، ونجحت فى تشييد عمل فنى حديث الشكل لكن تنبض فى أعماقه مأساة إغريقية كاملة ، فالبطل كان شاهدا فى طفولته على خيانة أمه ، تلك المرأة التى لم تقبل يوما وضعها كزوجة تاجر قماش بل ارتأت فى نفسها مغنية أوبرا حبيسة حجبتها ظروف حياتها عن الأضواء ، فكانت خيانة حتمية مقررة سلفا مدونة فى دهاليز الأجرام السماوية ، وإن حاول الأب أن يبررها - ربما قبل وقوعها - قائلا : "هناك نساء من حرير ... أمك من حرير ... ستفهم حين تكبر ..."

المأساة كاملة فى إصرار الأم على أن تُلبس ابنها ثياب البنات وتعلمه الغناء الأوبرالى، والمأساة حتمية عندما يقع البطل بدوره فى عشق خادمته الكردية شمسة ، ويأخذها فى رحلة استكشاف القماش مدركا أن محطتها الأخيرة ... الحرير لا مناص .

لكن المأساة أشمل فهى كامنة فى موقع الأحداث أصلا ، لقد حذر جد البطل أباه من الإقامة فى بيروت ، لكن الرجل - الشاب آنذاك - سمح لزوجته أن تغويه إليها ، فعل ما طلبت وهو مدرك لا بد لوخامة العواقب ، فبيروت - طبقا لتحذير الجد - مدينة عليها لعنة ، لا تكاد تدب فيها الحياة وتزدهر حتى يجتاحها الدمار ، كمدن الشرق بنيت على أنقاض سالفاتها، طبقات متتالية من الدمار والازدهار ، فى لعنتها سحرها ...

وحين تـُغزل المأساة بقسوتها وشجنها فى ثوب من الشاعرية نكون حقا بصدد فن رفيع .

ثانيا : الهوية

لعل أنجح ما فى الرواية هو توظيف هدى بركات للأقمشة والتى تلعب فى واقع الأمر دور البطولة دون منازع ، أنظر كيف ربطت مكامن النفوس على امتداد التاريخ بخيط متصل من خلال الأقمشة ، والذى جسد ملمسها وحفيفها وبريقها وأساليب صناعتها وعيا جماعيا مكتملا يُذَّكر بنظريات أحد رواد علم النفس كارل يونج .

فما أجَّل تاجر الأقمشة التقليدى فى الشرق الذى يحمل على كتفيه علما ومثلا وتاريخا، الذى يستمع إلى الأقمشة ويحدثها ، الذى ينظر إلى الكتان فيرى صانعه ولابسه ودوره فى تسلسل الحضارات ، الذى ينفذ ببصيرته فيرى روح القماش وقصته ، ويحرص كل الحرص أن يسلم الأمانة لابنه ، ماذا فعلت به ـ وبنا ـ تجارة الديولين الغربية التى لا تعرف غير لغة الربح ؟

ليس من قبيل المصادفة أن البطل عندما أعاد اكـتشاف محله ـ الذى ورثـه عن أبيه ـ وسط الحرب الأهلية اللبنانية وجد أن الدور العلوى الذى يحوى الديولين والأقمشة الإصطناعية قد انهار والتهمته النيران ، بينما بقى مخزن الاقمشة القيمة تحت مستوى الأرض سليما لم تمس محتوياته يد عابثة ، وليس من قبيل المصادفة أيضا أن يكتشف البطل دهاليز مدينته الممتدة المتصلة بديلا عن أنقاض حداثتها ، عندما ذهبت البنية الفوقية غربية الهوية لم يبق للبطل سوى هويته الحقيقية يستكين إليها ويحتمى بها ، بل ويعيد استكشافها وتعريفها ، ويوظفها توظيفا جديدا.

من جهة أخرى نلاحظ أن عشق البطل للفتاة شمسة الكردية يتبلور مع تبادل الحكايات بينهما ، تروى له قصتها وقصة قومها ويحكى لها قصته - قصة الأقمشة ، وبهذا يتعدى الانصهار بينهما البعد الذاتى المحدود ليشكل اندماجا ثقافيا متكاملا قابلا لأن يمتد ليشمل المجتمع بأسره ، يمثل النقيض بعينه للأقتتال الذى تزخر به دنيا الواقع . فالبطل الذى " لا يريد أن يرى إلا ما يريد " يكتشف عبر شمسة الكردية - ومن خلال الكلب الضال " ثلج " - طريق الخلاص .

ثالثا : الصوت

رغم أن الحاسة التى يتعامل القارئ من خلالها مع الكتاب هى بطبيعة الحال حاسة الإبصار، فإن الفن الروائى يخاطب تقليديا الأذن لا العين ، وهو ما يرجع لا شك إلى جذور الأدب المنتمية إلى فن الحكى الشفوى ، وفى الوقت الذى يمكن اعتبار أن قدرا كبيرا مما أنجزه الأدب فى القرن العشرين يتمثل فى تطوير الفن الأدبى حتى يخاطب العين بالدرجة الأولى - اقتداء أساسا بالنجاح الكاسح الذى حققته السينما ووليدها التلفزيون - فإننا نستطيع أن نجذم ونحن على أعتاب قرن جديد ، أن جزء كبيرا من الأدب العالمى ، والجزء الأكبر من الأدب العربى ، لا يزال يتوجه أساسا إلى الأذن ، ومن هنا تكمن دراسة الصوت كمكون أساسى من مكونات الرواية .

والصوت - أى صوت الراوى - وحده يستطيع أن ينفذ إلى نفس القارئ ، فيحمل معه المشاعر وتسلسل الأفكار ، والأحداث وإيقاعها ، والحب والصراع ، والماضى والمستقبل، والحلم والواقع ، أى أن الصوت - بطبيعته - معبأ بما يتعدى كثيرا محتواه من الكلام ، وإذا كان للصوت هذه المقدرة الواسعة على مخاطبة اللاوعى ، فإنه يتيح أدق مقياس لتقييم العمل الأدبى ، ومن أوجه نجاح هدى بركات أنها توصلت إلى صوت ساحر يجمع ما بين شخوص الرواية المختلفين ، ورغم أن صوت الراوى بدا فى الصفحات الأولى متخبطا ، يسعى إلى التحرر من قبضة المؤلفة ، باحثا عن طبيعته ، فإنه سرعان ما اكتسب نغمته ورنته الفريدة ، كصوت شاب يتحول إلى صوت رجل ثم يعود طفلا ثم ينقلب امرأة أو كهلا دون فقدان وحدته، صوت إنسانى ترن أصداؤه فى أذن القارئ لفترة ممتدة ، صوت حى لا يسكته الزمان