مصطفى نصر في روايته الجديدة إسكندرية 67




عرض كتاب بقلم أحمد شبلول
الإسكندرية



ثمة شخصيتان توحيان بالتفاؤل والأمل في رواية "إسكندرية 67" الصادرة مؤخرا عن سلسلة "أدب الحرب" بالهيئة المصرية العامة للكتاب للروائي السكندري مصطفى نصر. وهاتان الشخصيتان هما: الدكتور أحمد الدسوقي الذي أكمل دراسته في الطب بألمانيا، وعاد إلى البلد قبل أسابيع قليلة من نكسة 1967، والطفل حسن ذو السنوات العشر الذي غرق أبوه الصياد في إحدى النوات البحرية، فاضطر إلى أن يترك مدرسته ليعمل عند شيخ الصيادين الحاج الدسوقي والد الدكتور أحمد.

هاتان الشخصيتان هما الأمل في جيل جديد يعبر الهزيمة بعلمه وذكائه وحبه وخوفه على البلد. الأوَّل عندما وقف يتحدث إلى الناس أثناء المؤتمر أو الاجتماع الذي عقده الاتحاد الاشتراكي ليحمس الجماهير قبل الحرب، وعندما سمع أحمد الدسوقي العبارات الزائفة والزاعقة، أراد أن يبثَّ الوعي في نفوس الجماهير ويخبرهم أن مصر إذا دخلت حربا جديدة ـ في هذا الوقت ـ فإنـها ستخسر الحرب، وأن الغرب (أمريكا وإنجلترا على وجه التحديد) يدفع عبد الناصر دفعا إلى خوض حرب جديدة غير مضمونة عواقبها مع إسرائيل، وإنه ينصبُّ فخا جديدا للعرب وعلى رأسه مصر. إن أحمد الدسوقي العائد توًّا من ألمانيا يدرك الحقيقة أكثر من المصريين في الداخل، وإن الإعلام الداخلي ضخَّم كثيرا من قوة مصر في ذلك الوقت، وضعَّف كثيرا من قوة إسرائيل التي "سنرميها في البحر في حالة نشوب حرب". ولكن في الخارج كانت الأمور أكثرَ اتضاحا وأكثرَ انكشافا للإنسان الذي يحب بلده ويخاف عليه وعلى مصالحه. ومع ذلك فإن الجمهور الذي خطب فيهم أحمد الدسوقي لم يشأ أن يسمع عبارة إننا غير قادرين على خوض حرب جديدة، وإن مصر ستتورط إذا دخلت حربا، لذا فقد اتـهم الانتهازيون أحمد الدسوقي بالجنون والخيانة والعمالة، وأخذ علقة ساخنة من بني حيه وجيرانه وأصدقائه القدامى الذين لعب بخيالهم خطباء الاتحاد الاشتراكي في دائرة حي الجمرك والأنفوشي، وهي الحي الذي تدور فيه أحداث رواية "إسكندرية 67" التي تعد بحق إضافة جديدة للرواية العربية التي تحدثت عن حقبة من أهم حقب تاريخنا في العصر الحديث.

***

وإذا كان الروائي إبراهيم عبد المجيد اتخذ من الإسكندرية مسرحا لأهم رواياته "لا أحد ينام في الإسكندرية" خلال فترة الحرب العالمية الثانية، وإذا كان الأديب مجدي عبد النبي يتخذ من فترة دخول الإنجليز إلى مصر عن طريق الإسكندرية عام 1882 مسرحا لروايته القصيرة "اغتيال البحر"، فإن مصطفى نصر في "إسكندرية 67" يتخذ من الشهور الأخيرة قبل النكسة عالما قائما بذاته هو عالم الأنفوشي ومنطقة بحري، بما فيه من الصيادين والقوادين والأطباء والحلاقين والمجاذيب، وغيرهم، وذلك من خلال مشاكلهم اليومية وهمومهم الاجتماعية والاقتصادية وسهراتـهم وعلاقاتـهم العاطفية.

لقد اتخذ الأديب عبد الفتاح مرسي من الفترة التاريخية نفسها (الشهور الأخيرة قبل وقوع النكسة) عالما روائيا في روايته "المقطوع والموصول"، مع الفارق في الحي الذي تدور فيه الأحداث، فعند مرسي تدور الأحداث في حي باكوس، وعند مصطفى نصر تدور الأحداث في الأنفوشي وبحري والمنشية وأحيانا سيدي بشر، ويعتمد مرسي بكثافة على الوثائق الصحفية من خلال عمل إحدى شخصيات روايته صحفيا (انتهازيا) في إحدى الجرائد القاهرية، مثله في ذلك مثل إبراهيم عبد المجيد في روايته "لا أحد ينام في الإسكندرية" الذي اعتمد بدوره على تدفق الوثائق الصحفية خلال فترة الحرب العالمية الثانية، لكن الوضع عند نصر أنه لم يعتمد ـ إلا في أقل القليل ـ على أسلوب التوثيق الصحفي في روايته "إسكندرية 67" ولكنه اعتمد ـ بدلا من ذلك ـ على خبرة إحدى الشخصيات العسكرية في الرواية ـ وهو الصول عبد الله الشاعر والأديب الذي كان متطوعا في القوات البحرية، والذي على لسانه تجيء معظم الشروح أو التفسيرات العسكرية في الرواية، والذي في الوقت نفسه يفاجئ بالهزيمة التي وقعت في سيناء، ومدن القناة، وكان مسرحها بعيدا عن الإسكندرية، على الرغم من بعض المناوشات البحرية القليلة التي دارت في مياه الإسكندرية مثل تسلل بعض الضفادع البشرية الإسرائيلية إلى البلدة، ووصولهم إلى طابية سيدي بشر، ولكن يتم القبض عليهم.

***

أما الشخصية الثانية التي تبعث على التفاؤل والأمل في جيل جديد يأتي بالنصر لمصر، فهو شخصية التلميذ حسن الذي بانت عليه ملامح الذكاء والفطنة والتفوق في دروسه، ولكنه اضطر إلى عدم الذهاب للمدرسة والعمل في هذه السن المبكرة لينفق على أسرته، بعد غرق أبيه في البحر، ثم عاد مرة أخرى لاستكمال طريقه في التعليم بعد إلحاح عواطف الأخصائية الاجتماعية ، التي أحبت الدكتور أحمد الدسوقي وأحبها ، والاتفاق مع الحاج الدسوقي، شيخ الصيادين ، على عمل نظام معاش لأسر الصيادين التي يغرق عائلها أثناء رحلات الصيد، حتى لا يتشتت أولادها بعد رحيل عائلهم . لقد لمح حسن بعض الضفادع البشرية في قلعة قايتباي، فأرادوا قتله، ولكنه نجا منهم بذكائه ومعرفته لدروب القلعة ودهاليزها وخباياها، وقام بإبلاغ أهل الحي الذين توجهوا إلى نقطة شرطة الأنفوشي لإبلاغ مأمور القسم. أيضا استطاع حسن بذكائه أن يكشف سر الدكتور يوسف داود اليهودي الذي آوى أربعة ضفادع بشرية إسرائيلية في عيادته، وأعطى ممرضه عوض إجازة إجبارية حتى لا يُكشف سرُّه، ولكن حسن رآه متوجسا ويتحرك بخوف وحذر، فشك في أمره وأخبر عوض الذي شك في كلامه في أوَّل الأمر، ولكنه تأكد بعد ذلك، وأخبر أهل الحي الذين أبلغوا مأمور نقطة الأنفوشي فتعقبوا تحركات الدكتور يوسف داود، وتمكنوا من القبض عليه وعلى الضفادع البشرية، وعلى إبراهيم فهيم أمين لجنة الاتحاد الاشـتراكي المساعد عن دائرة الجمرك الذي تم الاتفاق معه على تـهريب الضفادع البشرية إلى الحدود الليبية لتسليمهم إلى قاعدة هويلس الأمريكية، مقابل عشرة آلاف جنيه سيأخذها عضو لجنة الاتحاد الاشتراكي الذي لن يشك فيه أحد طوال الطريق، لأنه يحمل بطاقة عضوية الاتحاد.

***

وليس الدكتور يوسف داود وحده هو الشخصية اليهودية في الرواية، ولكن الرواية مليئة بالشخصيات اليهودية التي عاشت في الإسكندرية، ورفضت الهجرة إلى إسرائيل بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، إما حبا في البلد الذي ولدت فيه وعاشت على ترابه وأكلت من خيراته ـ مثل الدكتورة آمال التي أحبت الدكتور أحمد الدسوقي منذ أيام الدراسة في كلية الطب، ولكنه لم يشعر بـها ـ أو لأداء دور معين مرسوم ومخطط له من قبل المخابرات الإسرائيلية ـ مثل فيكتور صاحب الكازينو والقواد، وبعض المغنيات اليهوديات اللائي يمارسن البغاء، وربما هذا ألجأ مصطفى نصر إلى تصوير بعض اللقطات الجنسية في روايته والتي كان يكفي فيها التلميح دون التصريح والوصف المسهب، خاصة في الصفحات من 22 إلى 32 من صفحات الرواية البالغة 275 صفحة.

***

وتنتهي الرواية بعودة الروح مرة أخرى إلى الدكتور أحمد الدسوقي ـ على الرغم من الهزيمة القاسية ـ فيقدم أوراق تعيينه إلى إدارة جامعة الإسكندرية بالشاطبي ليعمل مدرسا في كلية الطب، وترقية الكومندان حسن المختار إلى رتبة عميد وأوكلت له مهمة تسليح الفرقاطة "مصر" بالصواريخ المضادة للغواصات ـ والتي رفضت تركيا السماح بعبورها مياهها الإقليمية في طريقها إلى الاتحاد السوفيتي ـ لتسود البلادَ روحٌ جديدة ترفض الهزيمة وتُصرُّ على تحقيق النصر واستعادة الأرض المسلوبة في جولة عسكرية جديدة، وهو ما حدث بعد ذلك في السادس من أكتوبر 1973.