مرثية فارس





الشاعر محمد سليمان الاسماعيلية


(1)

الفارس مات…

عيون الليل تخنقها أيدي العبرات

أشجار الغاب يحرقها دمع النايات

القمر المتمايل طربا , لغناء النجمات

قد تلاشى في المحاق

فارسه الأوحد ذاب في عتم الفراق

الفارس قد أضحى شبحا

يتخايل في دنيا الأموات

الفارس قد أضحى خبرا

منقولا عبر الهمسات

الفارس غادرنا أبدا

الفارس في صمت… مات


(2)

الصمت ينجبه الذهول

و الموت هو الحد الفاصل ,

بين العبثية… و المعقول …

قد عاد به الجواد عدوا

و الشمس تحملهما على درب الأفول

و الأفق يعزف مع الغروب

أغنية وداع حزينة …

و استقبله الناس على باب المدينة

كان الحياء يتمايل مع وقع الخطوات …

و سيف الغدر المغروس في الضلوع يقول :

الفارس مات…

فارسكم يا حمقى مات …

وحش الخيانة من دمه اقتات …

لم يبق من فارسكم يا حمقى … إلا الفتات

لم ينطق أحد منهم

احتبست في الحلوق الكلمات …

و القدر على المدى ينظرهم

شامت النظرات , ساخر الضحكات …

(3)

و تفجرت صرخة ملتاعة …

كانت ( ايرينا )

تدفع الواقفين الذاهلينا

تندفع عبر دموعها إلى فارسها

المستكين على جواده في وداعة …

( احبها سنوات

لكنه مات )

رأت السيف … و الدماء … فصاحت مرتاعة .

و ما أجابتها أصوات

الصمت طائر خرافي…

ينشر جناحيه الهائلتين

على الرؤوس الشاخصات …



(4)

اهتزت الأجراس بالدقات …

على الأعناق حملناه

و أقمنا على جثمانه الصلوات

و خرجت المدينة لوداع فارسها المغوار

لكن أمه العجوز , اعتكفت بصحن الدار

هتفت بنا :

قتلتموه يا عبيدا في ثياب الأحرار

لتنصب على رؤوسكم كل اللعنات …

و لما أحنينا الجباه و مشينا منكسي الرؤوس

لا نرى أمام أعيننا طيفا سواه أدرك الصغار , أننا – حقا – قتلناه …

(5)

و بكته المدينة

و بكته المحبوبة ايرينا

سكن في سواد الليل أغانينا

و انسكب مع ضوء النهار في كؤوس أمانينا

شيدنا على باب المدينة تمثالا له

لنلقي عليه دوما التحيات…

و السيف الغادر علقناه

ليذكرنا تلك اللحظات…

و أمه الثاكلة ماتت و لا زالت

تستجدي علينا السماوات

(6)

هبت نسمات , تحمل عطرا من ماض

على أجنحة الذكريات ..

كانت مدينتنا حبلى بصمتها المعتاد

كان الهم على الوجوه , ملامح من رماد و اليوم انتقال محتوم , من سواد إلى سواد

في ذلك النهار , توقفت عربة أمام باب المدينة كانت ايرينا فيها زوجة أحد التجار …

نظرت للباب … و للقباب …و للأسوار

و رأت تمثال الفارس –وحيدا-حزينا

و السيف يعلوه الغبار طبقات … طبقات …



محمد سليمان

الإسماعيلية 1998