|
|
|
بقلم:
أحمد الخميسي
توفي رسول حمزاتوف - الشاعر الذي عاش أشهر من وطنه وكان وطنه الصغير " داغستان " الواقع في القوقاز بجنوب روسيا ينسب إليه ، فيقال في العالم " داغستان حمزاتوف " . ومع ذلك لم يعشق حمزاتوف أرضا كما عشق أرض بلاده الصغيرة الجبلية التي فتحها العرب في القرن السابع وظلت الثقافة العربية تسودها نحو ألف عام . يقول حمزاتوف في إحدى قصائده عن بلده التي لا يزيد تعداد سكانها عن مليوني نسمة :
" نجوم كثيرة .. وقمر واحد ..
نساء كثيرات .. وأم واحدة ..
بلاد كثيرة .. ووطن واحد " .
ولد حمزاتوف عام 1923 في قرية بين أحضان الجبال ، وكان والده شاعرا ينظم الشعر باللغة العربية وباللغة " الآفارية " القومية . ويروي أن والده كان يكتب كل قصائد الغزل في النساء الأخريات باللغة العربية لكي لا تفهمها أمه إذا عثرت عليها . ورث حمزاتوف عن أبيه موهبة شعرية خارقة استوعبت كل أساطير الجبال العملاقة وبساطتها وحكمتها . ومكنته دراسة الأدب في موسكو من الإلمام بتراث الشعر العالمي وقوالبه فصب فيه خبرته الخاصة التي لا تتكرر ، دون أن يفقد بكارة تجربة بلاده ، ولا تاريخها ، ولا صراعها الذي دام ضد القياصرة ثلاثين عاما متصلة كانت الرصاصة خلالها أعز على القوقازي من جرعة الماء ورغيف الخبز . ولمع اسم حمزاتوف مع صدور أول ديوان له عام 1943 ، ثم واصل اسمه رحلة الصعود ، إلي أن حصل على جوائز دولية وسوفيتية عديدة وترجمت قصائده ودواوينه وكتبه التي تربو على الأربعين كتابا إلي أغلب لغات العالم . وكان رسول حمزاتوف أحد الذين آمنوا بالاشتراكية بصدق ، فلما انهار الاتحاد السوفيتي ، وراحت الطعنات توجه إلي كل ما مضى من تاريخ وإنجازات وسلبيات ، وقف حمزاتوف يدافع عن نفسه وتاريخه قائلا : " لم تكن قصائدي عضوا في الحزب الشيوعي " . وفضل في سنواته الأخيرة أن يقيم في محج قلعة عاصمة بلده داغستان في بيت صغير من طابقين مع زوجته فاطمة . وكان أبناء وطنه إذا اقتربوا من الشوارع المحيطة ببيت حمزاتوف يشرعون في الحديث بصوت منخفض ، فإذا ارتفع صوت أحدهم ، نهره الآخر قائلا : نحن بالقرب من بيت الشاعر . وكان حمزاتوف شخصا بسيطا جدا ، محبا للمزاح . المرة الأولى التي زرته فيها في شقته بموسكو قدم لي زوجته قائلا : فاطمة . ثم قدم لي ابنته الكبرى قائلا : فاطمة . فلما أقبلت ابنته الثانية سألته : فاطمة أيضا ؟ . فقهقه قائلا : لو كانت تلك هي الأخرى فاطمة لكنت قد أصبحت أستاذا في العلوم الفاطمية ! . رحل حمزاتوف عن عمر يناهز الثمانين عاما . وكان يبدو أنه شخص لا يرحل ، أولا يجوز أن يرحل ، أو لا يصح أن يرحل ، لأن رحيله يحدث خللا شديدا في موازين الخير والشر في العالم . وكان يكفيني - في شوارع موسكو البيضاء من الثلوج والقاسية – أن أتذكر أن رسول حمزاتوف يعيش ويتنفس في روسيا لكي أحس أن ثمة شيئا طيبا في هذا العالم ، وأن العالم لابد أن يصبح أفضل وأكثر دفئا وإنسانية . وكانت كل أحاديثه اليومية شعرا .. منثورا . سألته مرة : تعيش في داغستان عشرون قومية مختلفة بعشرين لغة .. متى توجد لغة واحدة لداغستان ؟ فابتسم قائلا : هل يصبح العالم أجمل إذا نحن جمعنا كل النجوم في شمس واحدة كبيرة ؟ . لماذا تبحث عن لغة واحدة ؟ فلتكن هناك عشرون لغة !
في سنواته الأخيرة توفيت زوجته فاطمة ، وكانت سيدة جميلة ورقيقة . وتزايدت عليه وطأة مرض عصبي كالشلل الرعاش ، ولكنه لم يفقد روح المرح والحكمة والنبل . في آخر حديث لي معه قال لي : " ظهرت لدينا في روسيا الآن ما يسمى بالسوق ، ودخلنا مرحلة من حرية الجوع الوحشية أصبحت فيها أسعار الطماطم أغلى من البشر ، وأصبح ممكنا شراء كل شيء في روسيا : الضمير والبطولة ، الموهبة والجمال ، الشعر والموسيقى ، الأرض والأمومة أحيانا . وقد بدل الكثيرون من مواقفهم . ربما يمكن للمرء أن يبدل قبعته ، ولكن لا يمكن لشخص شريف أن يبدل رأسه .
توفي شاعر عظيم . وكم أحس بالأسف لأنني لا أستطيع أن أنقل للقارئ شيئا من عظمة ذلك الشاعر الذي كان يسخر من كل أشكال العظمة قائلا : " الحمد لله لا أحد يقول لي إنني عبقري لأن العباقرة هم أولئك الذين يفعلون ما يعجز الناس عن فعله " وقبل أن يموت بأيام قليلة قال حمزاتوف : " حياتي مسودة كنت أتمنى لو أن لدي الوقت لتصحيحها " . ترى كم من البشر يتاح له أن يحيا مسودة عظيمة كتلك ؟ كل لحظة فيها شعرا خالصا ومحبة للعالم ؟
********************
أول الصفحة
© Arab World Books |