وقفة مع تجارب في شعر الطفل

بعد رحلة في شعر الأطفال لعدد من الشعراء والدوريات العربية, استوقفتني أكثر من تجربة, أظن أنها تستحق التأمل. هذه الوقفة السريعة ليست تعنى دورية معينة أو شاعر, أهميتها ترجع الى التناول الخاص لموضوع وشكل القصيدة في أدب الطفل العربي. لذا حرصنا أكثر على عرض بعض تلك النماذج الشعرية, التي يمكن أن تضيف إلى شعر الأطفال عموما.

: قصيدة "دايما على ذوق الزبون" للشاعر "سمير عبدالباقى" (مجلة قطر الندى)
"الابتسامة فننا..
على وشنا مهما يكون..
ما دام حضرتوا عندنا..
قرفة وشاي.. ينسون.. غذاء..
سلطة.. زيتون
أو لحم ضانى كده.. وكده..
ع السقفة نحضر والندا..
وبسرعة.. وبآخر أدب
ولا عمرنا شكينا التعب..
من صغرن.. حالنا كده.. ولازم نعيش
حتى ولو لم تشكرون..
لازم نقول شرفتنا..
بقشيش أخدنا أو مافيش..
تحت الطلب..
ولا قطر يسبق خطونا..
من منضدة.. لمائدة..
نمشيها ونحسبها لنا..
من العريش.. للسيدة..
تقدم الشمس في طبق
على قد ما طلب الزبون.. أطلب كده؟!"
تلك القصيدة تحمل مجموعة من الخصائص, كتبت شعريا باللهجة العامية (المصرية), تناولت موضوعا غير تقليديا, وهو خدمة زبائن المطاعم, ثم هي تعريف بمهنة من المهن..وتقع بين الشعر التعليمي والاجتماعي.
نشرتها مجلة "قطر الندى" تحت عنوان لباب ثابت في كل عدد هو "وكالة الحرف والصنايع"..وفيها يقدم الشاعر تعريفا لحرفة أو مهنة ما.(مع رسوم للفنان أحمد عز العرب). وقد أشرت للفنان لأهمية الرسوم التي ترافق الأشعار عموما في كل ما يقدم للطفل.

: "لوحة وقصيدة".. وهى التجربة التي قام على تنفيذها الشاعر "أحمد زرزور", فقد كتب أشعاره تعليقا على لوحة فنية رسمها أحد الأطفال. الجديد في هذا النموذج أن اللوحة الفنية تم رسمها بالتعاون بين أحد الأطفال مع شاعر.. الرسام طفل بينما الشاعر من المعروفين في أدب الطفل, بل وحاصل على جائزة الدولة التشجيعية في هذا التخصص.
: النموذج الثالث.. هي تجربة جديدة حرص فيها الشاعر الولوج إلى معالم القرن الجديد ومخاطبته مباشرة شعرا يصلح للأطفال, وهى التجربة التي نهض بها الشاعر "أحمد فضل شبلول" في العديد من قصائده.. منها قصيدة "عتاب من سوالب الأسلاك".. وهى حوار عتاب بين الشاعر وصديقه "الحاسوب", يقول:
"الكمبيوتر الصديق خانني...
لأنني..
لم أعطه الإشارة
ولم أبدل الحروف بالأرقام
ولم أبرمج المشاعر
وأطلق الأوامر
........
الكمبيوتر الذي..
علمته الحنان والأمان
خانني
لأنني..
أدخلت في اللغات والشرائح الممغنطة
عواطف الأزهار, والأشجار, والأنهار
أدخلت..
واسترجعت
بسمة العيون
اشراقة الجبين
تكبيرة الحنين
نداء هذه البحار

الكمبيوتر المحار
علمته الأسرار
فخانني..
ولم يعد يحار
........ "

ويتابع الشاعر رؤيته التي تبرر كل ما حدث من خلاف بينه وبين الكمبيوتر (وقد تشخص أو تأنسن), وأنسنة الجماد فكرة معروفة في أدب الطفل, الجديد أن تناول الشاعر الفكرة مع الحاسوب بمكوناته.
رؤية جديدة, من خلال النظر إلى تقنية جديدة للمعرفة والاتصال, ربما عرفناها وراجت مع بشائر القرن الجديد, ولا يبقى سوى تفاعل الطفل والتعامل معها, مع الوعي بحدودها وإمكانياتها, وأنها أبدا لن تغنى عن صديق, وحنان أم أو أب.. مهما انشغل معها الطفل وسعد!!.
خاتمة عامة:
مع بدايات القرن الجديد تداخل الحديث حول التكنولوجيات الجديدة والثقافة, وأصبح القول بصناعة الثقافة, مقولة تقليدية, تعد لها الدول والمؤسسات. وقد أصبح للطفل مكانته المتميزة, حتى ترادف معنى "التربية" بمعنى "التنمية".
اتسم الإبداع الفني والخطى (الكتابي) في القرن الجديد بعدد من الملامح, أهمها: الطابع الذهني, حيث إعمال الذهن, ونهاية القارئ السلبي, المطلوب هو القارئ الايجابي المشارك. والطفل من أهم فئات القراء.. والطابع التفاعلي, وهو الذي ينتج عن مشاركة القارئ, حتى انه الآن يتدخل المستمع في تعديل الإيقاع الموسيقى, والمشاهد في تغيير "بليته" ألوان الفنان التشكيلي.. ثم الطابع المزجى والطابع غير الخطى.. وكلها في حاجة إلى متذوق جديد, وقادر على تلك المتغيرات الجوهرية, وليس هذا المتذوق إلا "الطفل".
من أين نبدأ؟
على الشاعر الغوص في أعماق الخصائص الفسيولوجية والنفسية للطفل, خلال المراحل العمرية المختلفة.. وذلك من خلال التفهم للقواعد التربوية للطفل.
أما التناول التالي فلا مدخل له سوى "اللغة" التي هي سلاح الشاعر وبما يتلاءم مع الموضوع وعمر الطفل.
الهدف النهائي للشاعر أن يوصل معلومة ما.. إبراز السلوك القويم.. كشف الحقائق التاريخية لزيادة الانتماء.. التعريف بكل الفنون وربما كل العناصر التي يراها الطفل (في مرحلة ما) ولا يدرى قيمتها.. ثم تقديم كل ما سبق في إطار روح دينية متسامحة مع القيم الدينية العليا, كل ذلك في إطار مقبول ومشوق. وفى المقابل يجب البعد عن النصح والإرشاد المباشر, والبعد عن التجهم والقوالب الجافة.

أن المنتج الشعري للطفل العربي حقق قدرا من الإنجاز في مجال الشكل والمضمون. بعض الدوريات حريصة على جودة الإخراج الفني, وكذلك بعض كتب الأطفال. أما المضمون فنشير إلى جودة فكرة تناول لوحة رسمها أحد الأطفال والتعليق عليها شعرا, وكذلك التوقف أمام علاقة الإنسان بالجهاز المعجزة (الكمبيوتر), وان اختلفت الآراء حول استخدام اللهجة العامية في الشعر..